نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا أعدَّته سارة دعدوش، مراسلة الصحيفة في الشرق الأوسط والمقيمة في العاصمة اللبنانية بيروت، سلَّطت فيه الضوء على المنافسة الروسية الإيرانية من أجل الحصول على أكبر قدر ممكن من غنائم الحرب السورية، مشيرةً إلى أن التنافس بين البلدين وصل إلى ذروته لا سيما في المجال الاقتصادي والثقافي والدبلوماسي في بعض الأحيان.

وخلصت إلى أن الغلبة حتى الآن لروسيا، التي سيطرت على عديد من القطاعات الحيوية، بينما لا يزال الإيرانيون يحاولون الحصول على بعض المكاسب لتعويض ما قدموه من دعم عسكري واقتصادي نظير الإبقاء على الأسد ونظامه.

روسيا وإيران وساحات المنافسة

في مستهل تقريرها، أوضحت المراسلة أنه في ظل تراجع حدة القتال في معظم أنحاء سوريا، تتنافس إيران وروسيا، الداعمان الرئيسان للرئيس السوري بشار الأسد، للحصول على غنائم الحرب وفرض النفوذ في البلاد. إذ بدأت الدولتان بالترويج لِلغتهما، الفارسية والروسية، لتدريسَهما في المدارس السورية. كما أبرما عددًا من الاتفاقيات لبناء مطاحن الدقيق في ظل النقص الحاد الذي تعاني منه سوريا من أجل الحصول على الخبز، بالإضافة إلى أنهما يُشيِّدان محطات للطاقة.

عربي

منذ شهر
«فورين بوليسي»:كيف يحوِّل نظام الأسد المساعدات الإنسانية لسلاح ضد المعارضة؟

واستشهدت المراسلة بما قاله جهاد يازجي، خبير اقتصادي ورئيس تحرير نشرة «ذا سيريا ريبورت» الاقتصادية، إن: «المنافسة بين الدولتين احتدمت للحصول على عقود، تُقدر قيمتها بملايين الدولارات، لاستخراج النفط وتعدين الفوسفات وبناء الموانئ في سوريا. وكلاهما يستهدف القطاعات نفسها، رغم أنهما لم يُحققا النجاح نفسه».

سوريا وتوزيع الكعكة

بيد أن الشركات الروسية كانت هي المهيمنة عادةً على هذه القطاعات المتنازع عليها؛ إذ فازت، على سبيل المثال، بخمسة عقود نفطية في المدة بين عامي 2013 و2020، على الرغم من أن إيران نجحت في العام الماضي في الحصول على أول عقد نفطي في سوريا. وفي ربيع عام 2019، أعلنت سوريا أنها تخطط لتأجير ميناء طرطوس لروسيا ومنح محطة الحاويات في ميناء اللاذقية إلى إيران، لكن الصفقة الأخيرة فشلت في وقت لاحق.

وأوضح يازجي أن سوريا وَعَدت إيران في البداية بالحصول على صفقة لتعدين الفوسفات، لكنها غيَّرت اتجاهها بعد ذلك، ومنحت الصفقة في عام 2018 إلى شركة روسية، والتي من المقرر أن تحصل على 70% من عائدات استخراج الفوسفات لمدة 50 عامًا. وأضاف يازجي قائلًا إن: «الإيرانيين شعروا بأنهم لم يحصلوا على النصيب العادل من الأصول السورية مقابل التزاماتهم العسكرية والاقتصادية في البلاد. وصحيحٌ أن الإيرانيين قدَّموا لسوريا كثيرًا من الدعم الاقتصادي، لكن روسيا تجني فوائد اقتصادية أكثر من الذي تحصل عليها إيران».

Embed from Getty Images

وفي عام 2018، دعا اللواء يحيى رحيم صفوي، أحد كبار مستشاري الشؤون العسكرية للمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى ضرورة تعويض إيران بعقود لاستخراج النفط والغاز والفوسفات نظير دعمها لسوريا. وقال صفوي: «يمكن لإيران أيضًا عقد اتفاقيات سياسية واقتصادية طويلة الأجل مع الحكومة السورية لتعويض النفقات التي تكبَّدتها».

أيهما كان أكثر حسمًا في دعمه؟

وأشار التقرير إلى أن إيران بدأت في دعم الأسد عسكريًّا في أوائل عام 2012، في الوقت الذي كانت تتقدم فيه قوات المعارضة السورية على الأرض وتُعزِّز من موقفها ضد الحكومة. وأرسلت إيران قوات من فيلق القدس التابع للحرس الثوري، بالإضافة إلى الميليشيات العراقية واللبنانية المدعومة إيرانيًّا، وآلاف المقاتلين الشيعة الأفغان. وذكر تقرير «ذا سيريا ريبورت» أن إيران قدمت ثلاثة قروض ائتمانية بقيمة 5.6 مليارات دولار على الأقل دعمًا للاقتصاد السوري المحاصر.

وعلى الرغم من أن روسيا دخلت الحرب في وقت لاحق، أثبت تدخلها في عام 2015 أنه كان حاسمًا، مع تغييره مسار النزاع في وقت كان فيه الأسد ونظامه على حافة الهزيمة والانهيار. كما وفَّرت الطائرات الحربية الروسية الغطاء الجوي للجيش السوري وحلفائه، بالإضافة إلى قصفها الأحياء التي تسيطر عليها المعارضة، والمساعدة في التصدي لمقاتلي المعارضة ودحرهم. ومع استمرار الحرب وتصاعد العقوبات الدولية على البلاد، استعانت سوريا أيضًا بروسيا في مجال الاستثمار.

وأفاد التقرير بأن قوات النظام السوري أعادت فرض سيطرتها على معظم أنحاء البلاد، بعد 10 سنوات من بدء الانتفاضة المناهضة للأسد، مع تراجع المعارضة وانحصارها في محافظة إدلب المحاصرة في شمال غرب سوريا. لكن الدمار يسود كل بقعة من بقاع سوريا واقتصادها يتهاوى سريعًا.

إيران تستحوذ على جزء من السوق السورية

وألمح التقرير إلى أنه من الناحية التاريخية، كانت علاقات سوريا الاقتصادية مع روسيا أقوى منها مع إيران. لكن إيران نجحت في اقتطاع جزء لنفسها من السوق السورية؛ إذ تستورد سوريا، على سبيل المثال، الإلكترونيات والأدوية على نحو متزايد من إيران. وأصبح السوريون، الذين يتواصلون مع الصيدليات في دمشق عبر الهاتف للاستفسار عن توفر بعض الأدوية، معتادين على سماع جملة: «ويوجد أيضًا دواء إيراني بديل».

Embed from Getty Images

بالإضافة إلى ذلك، كان لأسلوب إيران المناهض للغرب تأثيره الواسع في نفوس بعض السوريين، فعندما افتتح الإيرانيون مجمَّعًا ترفيهيًّا جديدًا في دمشق في مارس (آذار) الماضي، احتفى زوار الحدائق ونوافير المياه وملاعب كرة القدم بلوحة تحمل صورًا لخامنئي وقاسم سليماني، القائد الإيراني الذي اغتالته الولايات المتحدة، إلى جوار صورة الأسد. وفي شرق سوريا ودمشق، شيَّدت إيران مراكز ثقافية، تقام فيها فعاليات مثل فعالية معرض الصور، الذي نظم مؤخرًا، لإحياء ذكرى مقتل سليماني.

ونقل التقرير عن بعض وسائل الإعلام الإيرانية أن إيران تبني أيضًا مركزًا تجاريًّا من 12 طابقًا في قلب العاصمة السورية دمشق، والذي سيكون مقرًا لـ24 شركة إيرانية.

من المنتصر في المنافسة على الساحة الثقافية؟

بيد أن روسيا تغلبت على إيران في مجال التعليم والمدارس السورية، وأُدرِجت اللغة الروسية بوصفها لغة اختيارية ثانية للتعليم إلى جانب اللغة الفرنسية. وأُجرِيت أول امتحانات في اللغة الروسية في المرحلة الثانوية العام الماضي. وتواصِل إيران الضغط من أجل تدريس اللغة الفارسية رسميًّا أيضًا. إذ وقَّعت إيران، في العام الماضي، اتفاقية تدعو في جزء منها إلى مساعدة سوريا في إعادة بناء مدارسها.

وفي السياق ذاته، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية السورية أن محسن حاج ميرزائي، وزير التعليم الإيراني، أكدَّ «أهمية إدخال اللغة الفارسية في نظام التعليم السوري». وأدخلت إيران برامج دراسة اللغة الفارسية في بعض المدارس التي ساعدت في ترميمها أو بنائها. وأضافت بعض المدارس في محافظتي الرقة ودير الزور بالفعل دروس تعلم اللغة الفارسية إلى مناهج المدارس الابتدائية والإعدادية، وأعرب بعض السوريين عن خوفهم من أن يحدث الأمر نفسه في مدينة حلب، حيث أعلنت إيران هذا الشهر أنها تخطط لفتح قنصلية فيها.

الاستثمار في الخبز

ويُضيف التقرير أن إيران وروسيا استثمرتا أيضًا في بناء مطاحن الدقيق في جميع أنحاء البلاد. وأفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية أن المطحنة الأولى، من أصل خمس مطاحن أُنشِئت بموجب صفقة مع إيران وبتمويل من خط ائتمان إيراني، افتُتحت قبل عامين.

وبدورها، أعلنت شركة روسية في عام 2017 حصولها على عقد قيمته 84 مليون دولار لبناء أربع مطاحن في محافظة حمص. ونقل عدد من وكالات الأنباء عن مسؤولين روسيين وسوريين أن روسيا تستفيد أيضًا من صادرات القمح المباشرة إلى سوريا، والتي بلغ مجموعها، بين عامي 2017 و2019، أكثر من مليون طن سنويًّا. ونجمت أزمة نقص القمح في سوريا بعد تدمير المطاحن خلال معارك القتال، بالإضافة إلى تخريب الحقول بسبب الجفاف أو الحرائق التي أشعلها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

Embed from Getty Images

وينوِّه التقرير إلى أن أزمة الخبز تعكس إلى حد كبير الاضطرابات الاقتصادية الواسعة النطاق في سوريا والتي انهارت عملتها. وقالت منظمة الأمم المتحدة إن أكثر من 13 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدات إنسانية للبقاء على قيد الحياة هذا العام، بعد مأساة الحرب التي دامت لعقد من الزمان وتسببت في خسائر اقتصادية تُقدَّر بنحو نصف تريليون دولار.

كيف انتقلت المنافسة إلى الساحة الدبلوماسية؟

وفي بعض الأحيان، امتدت المنافسة بين روسيا وإيران إلى ساحة الدبلوماسية. وفي ديسمبر (كانون الأول)، اختار فيصل المقداد، وزير الخارجية السوري الجديد، إيران لتكون وِجْهَة أول زياراته الخارجية. ونفَت ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ما قرأه البعض بين السطور في محاولة لإثارة التوترات بين روسيا وإيران. وأضافت ماريا أن المقداد كان ينوي زيارة روسيا، لكن الزيارة تأخرت بسبب جدول وزير الخارجية الروسي المزدحم.

وأبرز التقرير أن روسيا تسعى لمساعدة سوريا في إعادة بناء الجسور بينها وبين العالم العربي، والذي ينظر أغلبه إلى إيران بعين الريبة. وبالإضافة إلى دعم روسيا للجنة الدستورية التي ترعاها الأمم المتحدة والمُكلَّفة بإعادة كتابة الدستور، كان الكرملين يضغط من أجل إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية منذ عام 2015، بعد عام واحد من الانتخابات، وقبل ست سنوات من موعدها الذي ينص عليه الدستور.

وأفاد التقرير بأن مصالح إيران الإستراتيجية تتركز، على ما يبدو، بدرجة كبيرة على السيطرة على ممر بري يمتد من الحدود الشرقية لسوريا مع العراق، وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط. ويسمح هذا الممر لإيران بتزويد حزب الله، حليفها في لبنان، بالأسلحة والمعدات الأخرى بسهولة أكبر.

إيران تلهث وراء الأرض وليس المال فقط

ونقل التقرير عن عمر أبو ليلى، مدير شبكة دير الزور 24، وهي منظمة متخصصة في مجال البحث والتحليل تركز على تغطية الأحداث في محافظة دير الزور، قوله إن: «إيران لا تريد المال فقط، بل تريد الأرض والجغرافيا. ويشتري الإيرانيون العقارات السكنية والتجارية في شرق سوريا، وفي حي السيدة زينب أيضًا ومحيطه، وهو أحد أحياء العاصمة دمشق ويقع فيه أحد الأضرحة المقدسة عند الشيعة».

Embed from Getty Images

ومن أجل تأمين مصالحها في شرق سوريا الذي تسيطر عليه الميليشيات المدعومة إيرانيًّا، ركَّزت إيران على حشد الدعم الشعبي عبر الأمن والتعليم. يقول أبو ليلى إنها: «عملية تجنيد تستهدف هذا الجيل وكسب تعاطفه». وأدَّى التصعيد الأخير في الهجمات في المنطقة، التي نفَّذتها بقايا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى قبول مزيد من السكان الميليشيات المدعومة إيرانيًّا أو الانضمام إليها بدافع الخوف».

وتختم المراسلة تقريرها بتأكيد أن عديدًا من السوريين يرفضون هذه التجاوزات الإيرانية. وقد تصاعدت مخاوف السوريين من زيادة النفوذ الشيعي في أعقاب تنامي الوجود الإيراني خلال العقد الماضي وشراء الإيرانيين للعقارات. وبأصوات خافتة، يتداول السكان المسلمون من السنة مقاطع فيديو ظهرت في السنوات القليلة الماضية لرجال يضربون على صدورهم، وهو تقليد شيعي معروف في أيام الحداد، في قلب سوق دمشق القديم.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد