على وقع تصاعد التوتر السعودي – الإيراني، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» إرسال 1800 جندي إضافي ومعدات عسكرية إلى المملكة العربية السعودية، فيما اعتبر زيادة طفيفة في تواجد الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط بهدف ردع العدوان الإيراني، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية. 

وقال وزير الدفاع الأمريكي «مارك إسبر» الذي وصف المملكة بأنها «شريك أمني طويل الأمد»، إن عمليات نشر القوات الإضافية تشمل سربي طائرات مقاتلة وبطاريتي صواريخ باتريوت الدفاعية ووحدة نظام صواريخ «ثاد» الدفاعية، وقوات دعم.

وفي هذا السياق، نشرت دورية «ذا ناشيونال إنترست» مقالًا للكاتب سباستيان روبلين، الحاصل على درجة الماجستير في حل النزاعات من جامعة جورج تاون الأمريكية، خلُص فيه إلى أن ما يحدث الآن في منطقة الخليج قد حدث من قبل، مستشهدًا بالحرب الإيرانية – العراقية، ودور كلٍ من الولايات المتحدة وإيران في هذا الصراع، لافتًا إلى أن الدرس المستفاد من تلك التجربة هو: أن أمريكا ربما تفوز في نهاية المطاف، لكن انتصارها سيكون مؤلمًا، وليس سريعًا ولا سهلا.

استهل الكاتب مقاله بالعودة إلى يوم 21 يونيو (حزيران) 1987، دخلت ناقلة نفط عملاقة يبلغ وزنها 414 ألف طنٍ «الخليج العربي»، في معية قوة حراسة بارزة غير معتادة: طراد صواريخ وثلاث فرقاطات تابعين للبحرية الأمريكية. كان مضيق الخليج ميدانًا للرماية؛ نظرًا للحرب الإيرانية – العراقية التي لا تزال مستعرة رغم مرور سبع سنوات على غزو العراق المفاجئ لإيران عام 1980.

ونظرًا لشن إيران هجومًا مضادًا في الأراضي العراقية، بدأت بغداد – بعد تلقيها إمداداتٍ وأسلحةٍ من الاتحاد السوفيتي وفرنسا والكويت والسعودية – في تفجير ناقلات النفط الإيرانية بالصواريخ، بمساعدة من أصول المراقبة الأمريكية، في غالب الأحيان.

ردت إيران من جانبها على هذا الهجوم عبر استهداف الناقلات الكويتية بصواريخ «سيلك وورم» (تعني: دودة القز) الموجهة الصينية. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يبدو مرعبًا، إلا أن الصواريخ المضادة للسفن في الجانبين ألحقت أضرارًا طفيفة نسبيًا؛ ذلك أن الناقلات كانت ببساطة ضخمة للغاية لدرجة يتعذر معها أن تغرق بسهولة. لكن هذا الأمر يختلف عن الفرقاطة يو اس‌ اس ستارك التي ضربتها قذائف عراقية من طراز إكسوست عن طريق الخطأ في مايو (أيار) عام 1987؛ مما أسفر عن مقتل 37 فردًا من طاقمها.

Embed from Getty Images

لكن واشنطن، على حد تعبير الكاتب، كانت لديها رغبة في الهجوم على طهران وليس بغداد؛ فقررت أن تستجيب لمناشدات الكويت بإرسال حماية عسكرية. وأدى ذلك إلى السياسة المثيرة للجدل المتعلقة بتغيير علم الناقلات الكويتية حتى يتسنى للسفن الحربية الأمريكية حراستها في «عملية الإرادة الجادَّة».

وكانت ناقلة النفط العملاقة بريدجتون – ناقلة الرقة الكويتية سابقًا – أول سفينة تحظى بحماية أمريكية. وعند دخولها مضيق هرمز، اتجهت أربع طائرات عسكرية إيرانية من طراز «فانتوم» نحو أسطول بريدجتون، لكنها ابتعد عنه في اللحظة الأخيرة. وفي 23 يوليو (تموز)، ثرثرت طهران بأن تلك الناقلة كانت تحمل «بضائعًا محظورة»، لكنها لم تقم بأي تحركات واضحة.

وأضاف الكاتب أن الاستخبارات الأمريكية علمت بمخططات إيرانية للهجوم على الأسطول بالزوارق البخارية التابعة للحرس الثوري الإيراني. وبالفعل، ضغط قائد القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني بقوّة لشن هذا الهجوم لولا اعتراض المرشد الأعلى روح الله الخميني الذي كان يفكر بطريقة أكثر دهاءً.

وبعد إبحارها مسافة بلغت 18 ميلًا غرب جزيرة فارسي الإيرانية في صباح 24 يوليو، اصطدمت بريدجتون بما يشبه كرة شائكة مقيدة في قاع البحر – وهي نوع من الألغام السوفيتية القديمة من طراز إم – 08 صنعته كوريا الشمالية وصدرته إلى إيران. وتسبب انفجار في ثقبٍ كبيرٍ في خزان بضائع الناقلة، مما تسبب في غرق خمسة من حجراتها الواحدة والثلاثين، لكنه لم يتسبب في إصابة أحدٍ من طاقمها.

في الليلة السابقة لهذا الحادث، وضعت زوارق القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ثلاث سلاسل يبلغ مجموعها ستين لغمًا على مسافة نصف كيلو مترًا على امتداد مسار الأسطول المعروف تمامًا.

ومن المفارقة، أن بريدجتون التي كانت تجري ببطء بسرعة ست عقدات فقط رافقت السفن الحربية الأمريكية في طريقها للعودة إلى الميناء على نحو فعّال نظرًا لأن الناقلة العملاقة كانت هي السفينة الوحيدة المُرَجَّح نجاتها من الاصطدام بلغم آخر. وكانت «حادثة بريدجتون» بداية مشؤومة لعملية الإرادة الجادَّة- مما سلط الضوء على فشل القوات البحرية في التخطيط لتفادي الألغام. ومن جانبه، تفاخر رئيس الوزراء الإيراني (الأسبق) مير حسين موسوي بالحادث، واصفًا إياه بأنه «ضربة قاصمة للهيبة العسكرية والسياسية الأمريكية».

وبدهاءٍ شديدٍ كانت عملية زرع الألغام إيرانية في الأساس بشكل واضح، على الرغم من  نفي ذلك على المستوى الفني. ومع ذلك، ألهم هذا التكتيك فرنسا، والمملكة المتحدة، ثم إيطاليا وهولندا لينشروا سفنهم الحربية خاصتهم في الخليج، بما في ذلك ماسحات الألغام. وكانت البحرية الأمريكية تمتلك القليل من الأصول المتاحة في ذلك التوقيت للتعامل مع الألغام. وبعد ذلك، كما هو الحال اليوم، كانت حرب الألغام حربًا مُهمّشة. وبعد مرور أسابيع، نشرت القوات البحرية الحاملة البرمائية «يو إس إس» جوادالكانال وعلى متنها مروحيات سي ستاليون طراز آر إتش – 53 دي الكاسحة للألغام. 

وفي النهاية، انضمت ست كاسحات ألغام عابرة للمحيطات وخمس سفن نهرية لعملية الإرادة الجادة التي ضمّت في ذروتها ما يصل إلى 30 سفينة من سفن البحرية الأمريكية، بما في ذلك حاملات طائرات وسفينة ميسوري الحربية الضخمة.

القوات الخاصة والطيور الصغيرة وقوارب سويفت

على الرغم من أن نشر وحدات كسح الألغام الأمريكية على الشواطئ في السعودية أو الكويت ثَبُتَ أنه مُجرَّم سياسيًا، إلا أن الكويت قدمت بدلًا عن ذلك صندلين اثنين من صنادلها هيركوليس ويمبراون، اللذين سُرعان ما حولهما البنتاجون إلى قاعدتين بحريتين متنقلتين، بالكامل مع أسلحة الدفاع الذاتي الموسّعة خاصتها.

Embed from Getty Images

كما احتضنت القواعد العائمة أيضًا أصولًا هامة لهجوم مضاد أمريكي سرِّي أُطلِقَ عليه عملية برايم تشانس التي كانت تهدف إلى القبض على الإيرانيين مُتلبسين في هذا الحادث. وقد تضمنت هذه الأصول فريقين اثنين من فرقة القوات الخاصة التابعة للبحرية وست «قوارب ناعمة» طراز مارك الثالث الذي يبلغ طوله 64 قدمًا وست مروحيات من «الطائر الصغير» التي تأخذ شكل البيضة الصغيرة من قوات فوج العمليات الجوية الخاصة 160 التابع للجيش الأمريكي.

وفي 21 سبتمبر (أيلول)، خُصِّصَت ثلاث مروحيات من الطائر الصغير التي تُحلِّق بالقرب من فرقاطة جاريت للتجسس على سفينة إنزال الدبابات الإيرانية ««إيران اجرار» التي اشتُبه في تحولها إلى زراعة الألغام. وقد قادت الرحلة مروحية طراز إم اتش-6 مجهزة بجهاز استشعار رؤية أمامية بالأشعة تحت الحمراء ونظارات رؤية ليلية، بحراسة من طائرتين مسلحتين طراز إيه اتش-6 محمّلتين بمدافع مينجن (مدافع صغيرة) عيار 7.62 ملم وحاويات صواريخ عيار 2.75 بوصة.

وبعد أن حامت سرًا على بُعد 500 مترٍ، سجّل أفراد طواقم الهليكوبتر لقطات للطاقم الإيراني أثناء نشره للألغام بجوار العوامات الملاحية التي تستخدمها الناقلات. وقد أُصدِرَت الأوامر للطيور الصغيرة بفتح النار، فقصفت السفينة التي يبلغ وزنها 614 طنًا بمدافع مينجن، مما أسفر عن استسلام طاقمها.

ومع ذلك، استأنف البحّارون الإيرانيون نشر الألغام بعد مرور نصف ساعة. لكن هذه المرة، أطلق طيارو المروحيات المزودة بأجهزة الرؤية الليلية وابلًا من النيران المستدامة بما في ذلك الصواريخ؛ مما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقم السفينة وإجبار بقية الطاقم الستة والعشرين على ترك سفينتهم.

وفي صباح اليوم التالي، أنقذت القوات الخاصة التي استقلت قوارب طراز مارك الثالث جميع البحّارة باستثناء بحارين اثنين ثم اقتحمت سفينة «إيران اجر». كما عثرت القوات على تسعة ألغام على متن السفينة وضبطت دفتر أحوال (سجل أداء للسفينة) يسجل نشاط زرع الألغام السابق، بما في ذلك خرائط تُظهر أماكن هذه الألغام. وجرَّت البحرية «إيران اجر» بعد ذلك إلى المياه العميقة وفجرتّها.

ويحكي الكاتب أن ثلاث مروحيات طراز إم اتش- 6 مسلحة بمدافع مينيجين اشتبكت مرة أخرى مع أربع سفن إيرانية بالقرب من القاعدة البحرية هيروكليس في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول)، بما في ذلك قرويطة وقارب بوجهامار وقاربين اثنين من طراز بوسطن ويلر. أطلق طاقم بوجهامار صواريخ ستينجر على المروحيات الاستكشافية قبل أن يغرق بسبب تبادل إطلاق النار. وقد أسفر ذلك عن مقتل ثمانية من أفراد الطاقم الإيراني، كما أُنقِذ ستة آخرين من الغرق في الماء.

وعندما ضرب صاروخ إيراني سفينة سيتي آيلاند التي كانت ترفع العلم الأمريكي في السادس عشر من أكتوبر، مما تسبب في إصابة ثمانية من طاقمها، شنّت واشنطن هجومًا مضادًا بعد مرور ثلاثة أيام في عملية أطلقت عليها عملية الرامي الرشيق التي أسفرت عن دمار منصتين اثنتين من منصات النفط الإيرانية التي كانت تُستَخدَم في احتضان قوارب القوات البحرية للحرس الثوري الإيراني.

إصرار على الثأر

استمرت إيران في زرع الألغام. وفي 14 أبريل (نيسان) عام 1988، رصدت فرقاطة صموئيل روبرتس ثلاثة ألغام إيرانية وأدركت أنها أبحرت في بحر ألغام عن غير قصد. وبينما كانت تحاول الرجوع لتكون في مأمنٍ من الخطر، ارتطمت روبرتس بلغمٍ قسمها تقريبًا إلى نصفين وأصاب 10 بحارين. وقد أنقذ مجهود بطولي لفريق التحكم في الأضرار السفينة وطاقمها. واكتشف غواصو البحرية الأمريكية ألغامًا إضافية في المنطقة، بأرقام مسلسلة مطابقة لأرقام الألغام التي عثروا عليها على متن «إيران اجر».

The captured Iranian mine-laying ship Iran Ajr with a U.S. Navy landing craft alongside, September 22, 1987. (Photo by © CORBIS/Corbis via Getty Images)

وعقب مرور أربعة أيام، شنت الولايات المتحدة هجومًا انتقاميًا ثانيًا استهدف منصتين أخريين من منصات النفط الإيرانية في عملية أُطلِق عليها عملية فرس النبي، لكن الفرقاطات والزوارق المسلحة التابعة للبحرية الإيرانية النظامية تعرضت لهجومٍ مضادٍ تسبب في شن أكبر غزوة للبحرية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، تعرضت فيها نصف السفن الحربية السطحية الإيرانية للغرق أو العُطل. وقد أسفر ذلك عن خضوع العمليات البحرية الإيرانية في وقتٍ لاحقٍ. وانتهت الحرب الإيرانية – العراقية بعد مرور أربعة أشهر، ولكن للأسف، ليس قبل نشوب حادث مأساوي أخير.

وفي الثالث من يوليو، تناوشت طرادة قذائف الأمريكية فينسينس المزودة بنظام أيجيس (المضاد للصواريخ) مع الزوارق السريعة الإيرانية، لدخولها المياه الإقليمية الإيرانية عن غير علم، عندما رصد الرادار الخاص بها أن مقاتلة إيرانية طراز إف-14 توم كات تقترب منها. أطلقت الطاردة صواريخ طراز إس إم – 2 على نقطة الاتصال- مما تسبب في إسقاط طائرة إيرانية طراز إيه 300 للرحلة رقم 655، مما أسفر عن مقتل 290 مدنيًا كانوا على متنها. انتهت عملية الإرادة الجادَّة في السادس والعشرين من سبتمبر عندما رافقت فرقاطة يو إس إس فانديجريفت ناقلة أخيرة داخل الخليج. ومع ذلك، ظل مشغلو برايم تشانس نشطين حتى يونيو 1990.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: أظهرت حرب الناقلات قُدرة إيران على الانتقام من الضغط الأجنبي من خلال شن هجمات معايرة وشبه مرفوضة على الملاحة القيّمة التي تمر من خلال المياه الضيقة للخليج، على الرغم من فشل الحملة في إلحاق ضرر اقتصادي فادح، أو غرق العديد من السفن الكبيرة بالفعل. ونفّذت طهران إستراتيجية بديلة أقل عنفًا في هذه الأيام من خلال عمليات إزعاج وتخريب للملاحة في الخليج. ومع ذلك، أشارت الخبرة المُكتَسَبة من حرب الناقلات إلى أن هجمات الإزعاج المُحكَمَة وغير المتماثلة ربما تُخاطِر بإثارة انتقام أكثر تدميرًا.

«فورين بوليسي»: إيران أصبحت مسيطرة على الخليج العربي!

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد