في أول ردّ إيراني على اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، أعلنت طهران أنها شنت ضربات صاروخية ضد قاعدتين عسكريتين تضمان قوات أمريكية في العراق، وحذر الحرس الثوري الولايات المتحدة من أنه سينفذ مزيدًا من الهجمات «الساحقة في حالة حدوث عدوان جديد»، وهدد باستهداف أي دولة إقليمية تصبح «منصة للعدوان الأمريكي».

تعليقًا على هذا الرد الإيراني، نشر موقع «فوكس – Vox» تغطية أعدها كبير مراسليه، زاك بوشامب، تساءل فيها: هل سيكون القصف الإيراني نهايةً للتصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران، أم سيمثل بدايةً لتطوُّرٍ أخطر يلوح في الأفق؟ وخلُصَ إلى أن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على المسار الذي سيقرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تسلكه الولايات المتحدة.

وتعد الهجمات الصاروخية التي شنتها إيران ليل الثلاثاء ضد أهداف عسكرية أمريكية متعددة في العراق أول رد فعل ملموس من الجمهورية الإسلامية على مقتل قائدها العسكري البارز، قاسم سليماني.

وقال مصدر في البيت الأبيض للموقع إنه لم تقع إصابات في صفوف القوات الأمريكية، لكن ما يزال من المحتمل أن يكون هناك خسائر في صفوف العراقيين نتيجة الهجوم (أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية أنه «لم تسجل أي خسائر ضمن القوات العراقية»).

دولي

منذ شهرين
«الجارديان»: ما يهدد به ترامب إيران يعد جريمة حرب

السؤال الكبير – والمخيف حقًّا – هو: كيف سيرد ترامب؟

يضيف التقرير: «أرسل الإيرانيون إشارات واضحة، من خلال الضربات الصاروخية وعبر القنوات الرسمية وشبه الرسمية، إلى أن هذا هو: ردهم الكبير. فإذا اختار ترامب نوعًا محدودًا ومقيدًا نسبيًّا من الرد، أو حتى ردًّا غير عسكريّ، مثل: الاكتفاء بنشر تغريدة تعلن النصر؛ فمن المحتمل ألا تُصَعِّد إيران الأمور أكثر من ذلك.

Embed from Getty Images

وإذا رست الأمور على شاطئ التهدئة، فستصبح هذه الأزمة التي نشأت عن مقتل سليماني لاحقًا مجرد مناوشاتٍ عسكرية لم تدم طويلًا، أكثر من كونها حربًا شاملة. واستنادًا إلى التغريدة الأولى التي نشرها ترامب عقب الهجوم، يُرَجَّح أن يكون هذا هو الطريق الذي سيسلكه الرئيس الأمريكي.

وكتب ترامب على تويتر: «كل شيء على ما يُرام! أُطلِقَت صواريخ من إيران على قاعدتين عسكريتين في العراق. يجري الآن تقييم الخسائر والأضرار. الأمور حتى الآن جيدة جدًّا! نحن نمتلك الجيش الأقوى والأفضل تجهيزًا على مستوى العالم، إلى حد بعيد! سأدلي ببيان صباح الغد».

استدرك بوشامب قائلًا: «لكن هذه ليست بالضرورة الكلمة الأخيرة (بعد كل شيء، قال إنه يعتزم الإدلاء ببيان صباح الأربعاء). وإذا غيَّر ترامب رأيه، وذهب في الاتجاه الآخر – وأصدر أمرًا بشن هجوم انتقاميّ، مثل غارات جوية ضد أهداف داخل الأراضي الإيرانية، على سبيل المثال- فمن المحتمل أن تجد الجمهورية الإسلامية نفسها مضطرة إلى الرد مرة أخرى.

ويستشهد التقرير بتصريحات مذيع فوكس نيوز، شون هانيتي، أحد الشخصيات الإعلامية التي يتابعها الرئيس الأمريكي، والتي دعا فيها إلى شن هجمات على المنشآت النفطية والنووية في إيران.

يقول بوشامب: «إذا حدث ذلك، فقد نكون في طريقنا إلى حرب أكبر بكثير؛ حرب من الطراز الذي ستتقزَّم إلى جانبه حتى حرب العراق، من حيث اتساع النطاق ومدى الرعب. إذ تعهد الحرس الثوري الإيراني بالرد على أي ضربة أخرى تقوم بها الولايات المتحدة بهجومٍ في قلب الأراضي الأمريكي نفسها».

ويرى كبير مراسلي موقع فوكس أن «الكونجرس تخلى إلى حد كبير عن دوره الرقابي فيما يتعلق بالحرب والسلام. وهذا يعني أن شخصًا واحدًا فقط في النظام السياسي الأمريكي هو الذي بيده الحل والعقد في هذا الشأن. حاليًا، هذا الشخص هو: دونالد ترامب. وما إذا كانت هذه الأزمة ستتصاعد أم تهدأ، يعتمد إلى حد كبير على قراره المطعون فيه».

لماذا يتوقف كل شيء تقريبًا على الرد الأمريكي، ما يعني في هذه الحالة رد ترامب؟

يتابع التقرير: من المحتمل ألا تكون هذه هي نهاية الرد العسكري الإيراني. ومع ذلك، فإن الإشارات القوية التي أرسلتها طهران ليل الثلاثاء عبر قنوات مختلفة تصب كلها في اتجاه واحد هو: أن الرد الإيراني يتوقف على الردود الأمريكية التالي. بمعنى: إذا هاجمتنا مرة أخرى، فسنضربك مرة أخرى، وإلا فلا.

قدرات إيران على الرد، سواء في المنطقة أو من خلال شن الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، تفوق بكثير قدرات العراق في عام 2003.

هذا يشير إلى أن الإيرانيين لا يريدون حربًا أوسع. وهذا منطقي؛ لأنه ليس من مصلحتهم خوض حرب كبرى ضد قوة عسكرية تتفوق عليهم إلى حد كبير مثل الولايات المتحدة.

لكن ليس من مصلحة الولايات المتحدة خوض تلك الحرب أيضًا. ويستشهد بوشامب على ذلك بتعليق زميله أليكس وارد، الذي يقول: إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ستكون قبيحة ودموية على نحوٍ لا يصدق. ذلك أن قدرات إيران على الرد، سواء في المنطقة أو من خلال شن الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، تفوق بكثير قدرات العراق في عام 2003. وبالتالي، سيموت عدد لا حصر له من الجنود والمدنيين من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية ضئيلة للغاية.

يتطلع كاتب التقرير إلى أن ترامب يدرك ذلك، ويُذَكّره بتصريحاته المتكررة حول رغبته في تجنُّب توريط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، على أمل أن يتراجع عن حافة الهاوية على غرار تراجعه عن التهديدات بمهاجمة كوريا الشمالية في عام 2017 (وإيران في يونيو). وربما يكتفي بنشر بعض التغريدات التي تعلن نجاح سياسته، ويتوقف عند هذا الحد.

ورغم أن أول تغريدة نشرها ترامب عقب الهجوم الإيراني ترجِّح أن هذا هو المسار الذي سيسلكه، يلفت بوشامب إلى أن «هذا ليس بالضرورة ما سيستقر عليه هذا الرئيس الزئبقيّ (المُتَقَلِّب)».

أول ضربة إيرانية مباشرة للقواعد الأمريكية في الذاكرة الحديثة.

ويتابع المراسل: يمكننا القول بأن ما كانت تفكر فيه الإدارة الأمريكية حين وجهت ضربتها القاضية لسليماني هو أن ضرب إيران بقوة من شأنه أن يردع الجمهورية الإسلامية عن شن المزيد من الهجمات ضد المصالح الأمريكية؛ وهو الأسلوب الذي يعتمد في الأساس على «الردع بالتصعيد».

ويعد الهجوم الذي وقع ليل الثلاثاء، هو أول ضربة إيرانية مباشرة للقواعد الأمريكية في الذاكرة الحديثة (عادة، ينفذ وكلاء إيران مثل هذه العمليات الخطرة، بهدف ترك الباب مفتوحًا أمام إيران لإنكار مسؤوليتها على نحوٍ معقول). ووفقًا للمنطق المعلن الذي تتنباه الإدارة الأمريكية، ويتردد صداه في صفوف مؤيديها في الكابيتول هيل ووسائل الإعلام، فإن هذا الهجوم قد يستوجب ردًّا أمريكيًّا أكبر.

ويحذر التقرير من أن هذا النهج التصعيديّ قد يؤدي إلى عكس التأثير المقصود؛ ويدفع إيران إلى الانتقام، وبالتالي إقحام البلدين في دائرة تصعيدٍ يمكن أن تشتعل حربًا واسعة النطاق لا يريد أحد أن يخوضها في الواقع.

ويتابع الكاتب: الأهم من ذلك هو أن ترامب رجل غريب الأطوار ومندفع. ولم يُظهر قدرًا معقولًا من القدرة على التفكير الاستراتيجي بشأن الصراع، إذ كان يمضي قُدُمًا في فعل كل ما يبدو مقنعًا في الوقت الحالي، بدلًا من تبني نوع من الاستراتيجية المدروسة جيدًا. وكانت الضربة التي قتلت سليماني قرارًا اتخذه بنفسه، وهو خيار متطرف كان البنتاجون واثقًا إلى حد كبير من أنه لن يلجأ إليه.

ويختم التقرير بالقول: لذلك نحن أمام مفترق طرق؛ بين نزع فتيل التصعيد، أو خوض حرب أوسع. وكل المنطق الاستراتيجي في العالم يشير إلى أن الخطوة الذكية ستكون هي السير في الطريق الأول. لكن ساكن البيت الأبيض الذي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته هو الذي يمسك بعجلة القيادة، ولا توجد طريقة حقيقية للتنبؤ بالاتجاه الذي سيذهب إليه. صحيح أن الإشارات الأولى مُشَجِّعة، لكننا لم نتخط مرحلة الخطر بعد.

دولي

منذ شهرين
«ناشيونال إنترست»: لماذا لن تندلع الحرب بين إيران وأمريكا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد