كيف كان شكل السينما في إيران في الفترة التي سبقت الثورة الإيرانية؟ وكيف تأثرت في ما بعد باندلاع الثورة؟ سؤالان يجيب عنهما الكاتب والمخرج والمنتج إحسان خوشبخت، في مقالٍ له بصحيفة «الجارديان» البريطانية، مستعرضًا أيضًا تاريخ مصطلح «فيلم فارسي» باعتباره أهم أنماط السينما الإيرانية، الذي غيّر مفهوم الأفلام في إيران.

نهاية السينما الإيرانية كما عرفها الإيرانيون

في بداية مقاله، يعود خوشبخت بالذاكرة إلى إيران بعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة عام 1979، عندما نشرت الصحف القومية للبلاد مذكرة استدعاء مشتركة، وهو الأمر الفريد في تاريخ السينما. فقد استُدعي ألمع نجوم «فيلم فارسي»، وهو أحد أشكال السينما الشعبية التي جسدت تطلعات المجتمع الحديث وأوهامه، للمثول أمام محكمة الثورة.

ويشير إلى أن المسيرة المهنية لمئات الممثلين والمخرجين قد انتهت بين عشية وضحاها، بعد تلك المحاكمة. وبخلاف قوائم هوليوود السوداء في الفترة المكارثية، يؤكد الكاتب أنه لم تُتح حتى فرصة إجراء جلسة استماع صورية. فالسينما باعتبارها رمزًا للفساد و«الهيمنة الغربية» وانحطاط نظام بهلوي المخلوع حديثًا حينها، أصبحت في طي النسيان، بحسب تعبيره.

Embed from Getty Images

كان هذا، بحسب خوشبخت، إيذانًا بانتهاء إحدى أكثر صناعات السينما ازدهارًا في الشرق الأوسط، سينما الغناء والرقص، الجنس والإغراء، العنف والثأر، التي جمعت بين الأنماط الغربية والذائقة المحلية، على الرغم من مراعاتها الدائمة للإسلام الشيعي بوصفه التشريع المطلق الذي وضع كل شيء في نصابه الصحيح.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أشار الكاتب إلى أنه في ذلك الوقت حُرِم على السينما الإيرانية كل شيء عدا الأفلام التي تنضح بالشعر، وتلك ذات النزعة الإنسانية، على الرغم من أن كلا العنصرين وجدا في الأفلام ذات القيمة الفنية والثقافية المعروفة باسم «أفلام الآرت هاوس» في مرحلة ما قبل الثورة. بيد أن الملايين من مرتادي الأفلام اهتموا بصورة أكبر بأغنية جيدة من موسيقى البوب، وأحدث الأفلام المُبكية، ومُطاردة السيارات عبر شوارع طهران.

ميلاد مصطلح «فيلم فارسي»

قُدمت السينما إلى الدولة، حسبما قال الكاتب، بوصفها لعبة يحتكرها ملوك القاجار، وتوقفت الجهود المتفرقة لبناء سينما وطنية بفعل احتلال قوات الحلفاء لإيران المحايدة إبان الحرب العالمية الثانية. وبعد الحرب، كان الشاه الجديد، السويسري المتعلم محمد رضا بهلوي، منشغلًا للغاية بجعل إيران «جزيرة للاستقرار» معاصرة (على حد تعبير جيمي كارتر) لدرجة التخلي عن السينما لصالح البنية التحتية الاجتماعية والعسكرية.

غير أن ما حدث، وفقًا للكاتب، هو أن المواطنين العاديين فرضوا سيطرتهم على السينما، لسرد قصصهم، حتى أنهم ابتدعوا أنواعًا سينمائية وطنية خاصة بهم كأفلام «جاهلي»، وهي قصص عن رجال أشداء من جنوب طهران يرتدون قبعات، ويستلون سكاكينهم دفاعًا عن الشرف، ويرافقون مغنيات الملاهي الليلية المحلية، لينقذوهن في نهاية المطاف من حياة يسودها الخزي والعار.

ويوضح خوشبخت أن مصطلح «فيلم فارسي» صيغ ليسخر من رداءة هذه الأفلام. واليوم، أصبحت هذه الأفلام تنال حكمًا أفضل في إطار السياق الأعم للسينما الإيرانية العادية؛ أفلام رديئة من بطولة نجوم مشهورين، يغري فيها صخب المدينة الفتيات القرويات، ولكنهن يعدن في نهاية المطاف إلى طمأنينة المنزل واستقراره، مثلما لو أن الجميع عرفوا منذ البداية أن مخطط التحديث هذا لن يصمد. كانت هذه الأفلام، حسبما يقول خوشبخت، عبارة عن نسخة مصغرة من المجتمع الإيراني، تتنبأ بما هو قادم.

Embed from Getty Images

أفلام تحفظ التاريخ

ليس من الغريب، وفقًا للكاتب، أن النساء أصبحن ضحية للقوالب النمطية؛ فهن إما أمهات وإما عاهرات مع وجود منطقة وسطى محايدة ضئيلة، بيد أن مصطلح «فيلم فارسي» أيضًا منحهن فرصة أن يراهن الناس، بل إنه منح النساء القوة والنفوذ.

فإن كان نزع الحجاب القسري للنساء في ظل عهد بهلوي الأول يُعتبَّر مرحلة حرجة في تاريخ النساء الإيرانيات، فإن عملية التحرر الحقيقية، على الرغم من كونها هدفًا للولع الجنسي، تحققت عبر هذه الأفلام التي سافرت فيها النساء ودرسن وقاتلن وصفين حساباتهن.

يشير شوبخت إلى أن شريط السينما سجل شيئًا نادرًا ومبهجًا ومجنونًا؛ نمط الحياة في إيران بعد الحرب العالمية الثانية بكل ما ينطوي عليه من تناقضات. فحتى أكثر الأفلام فسادًا ولا أخلاقية أصبحت تُعتبر وثائق. وإن كانت الغالبية العظمى من أهم أفلام الآرت هاوس الإيرانية لفترتي الستينيات والسبعينيات اتخذت من القرى والمناطق الريفية موقعًا لها، وهو عادة ما استمر إلى ما بعد الثورة، فقد كان مصطلح «فيلم فارسي» يتعلق بالمدن المزدهرة التي كانت تتوسع دون تبصر بفضل عائدات النفط.

وأوضح الكاتب أن القصص المعتادة عن شاب يلتقي بفتاة وجدت أفضلية؛ إذ واجه نمط الحياة الإيراني عالمًا جديدًا من خلال الأفلام الأمريكية والإيطالية والفرنسية والهندية. فعندما أحب الإيرانيون فيلمًا أجنبيًّا، كانوا في بعض الأحيان ينتجون نسخة جديدة منه. فهناك نسخة إيرانية لفيلم «Vertigo» لهيتشكوك، فضلًا عن نسخة نسوية من فيلم «Sabrina» لبيلي وايلدر، الذي تتنافس فيه أختان للفوز بعاطفة سائق الأسرة.

وغالبًا ما كان نتاج عملية النسخ تلك مسرحيًّا ومصطنعًا، ولم يتبق سوى القليل من آثار الحبكة الدرامية للنسخة الأصلية. بيد أن ذلك، وفقًا للكاتب، كشف عن عملية بحث حائرة ومحبطة عن الهوية خلال هذه المرحلة الغريبة. وفي ما يقارب ألف فيلم، صاغوا عملية البحث الحائرة هذه بطريقة تدعو إلى الإعجاب.

نهاية مأساوية

بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين اليوم، يُعتبر نمط «فيلم فارسي» السينمائي تذكارًا لذلك الماضي المفقود. وبالنسبة إلى خوشبخت، بعد قضائه أربع سنوات في صناعة فيلم عن نمط «فيلم فارسي»، أصبح ينظر إلى الأفلام الإيرانية بوصفها توثيقًا للكيفية التي تغير بها المجتمع الإيراني؛ طبيعته المتناقضة في الاستيلاء على أي شيء معاصر بيدٍ واحدة، ونبذه باليد الأخرى.

بيد أن هذه الحكاية أيضًا هي حكاية مأساوية على صعيدي السينما والواقع على حدٍ سواء، وفقًا للكاتب، الذي أشار إلى أن واحدة من نقاط التحول للثورة الإيرانية واللحظة الحاسمة التي قرعت فيها الأجراس معلنة موت السينما كانت عندما أشعل الإسلاميون النيران في سينما «ريكس» في إيران؛ إذ كان الناس يشاهدون الجزء الثاني من فيلم «The Deer»، وهو عبارة عن فيلم درامي صدر عام 1974، وحظي بشعبية هائلة، ويدور حول زميلين سابقين يثوران ضد النظام، ما يضع الجهات الرقابية على المحك.

ويرى الكاتب أن هذا الفيلم الذي أخرجه مسعود كيميايي، وقام ببطولته بعض أفضل شخصيات السينما الشعبية المحبوبة، حوّل مفهوم «فيلم فارسي» السينمائي إلى شيء عميق لديه التزام سياسي. احترق 400 شخص حتى الموت في تلك السينما، كما روى خوشبخت آسفًا، وأكد أن الألم ما يزال موجودًا، بيد أنه من الرماد نشأت سينما إيرانية جديدة.

بعد مرور 40 عامًا على الثورة الإيرانية، ما يزال نمط «فيلم فارسي» بكل ما ينطوي عليه من حيوية مبهجة وانتقائية شعبية، واحدًا من أكبر الأسرار في تاريخ السينما. عُرض فيلم «فيلم فارسي» لأول مرة في سينما «ريديسكوفرد» في بريستول البريطانية في 26 يوليو (تموز).

الخميني بعيون المثقفين.. كيف وصف ميشيل فوكو وآخرون زعيم الثورة الإسلامية؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s