أشارت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية إلى أنه في ظل استمرار تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، يخشى عديد من المحللين من اندلاع صراعٍ عسكري وشيك، والذي من المحتمل أن يبتلع المنطقة.

جاء ذلك في مقال نشرته المجلة الأمريكية في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لديفيد كينيدي، المؤسس/الرئيس التنفيذي لشركة «ترستيدسيك» (TrustedSec) التي تقدم دورات تدريبية لفرق الحماية الإلكترونية التابعة للجيش الأمريكي (وحدات الاستجابة السريعة)، وأعادت المجلة نشره مرةً أخرى نظرًا إلى أهميته.

في مطلع مقاله، يشير الكاتب إلى أنه في حين يبدو أن مثل هذا الصراع يمكن أن يندلع بكل تأكيد، ولا يزال الوضع سريع التقلُّب، إلا أن الواقع على الأرض يفيد بأنه لا إيران ولا الولايات المتحدة في الواقع تريدان نشوب حربٍ، وتعي إيران جيدًا أنها لا تستطيع الصمود في أي حرب ضد الولايات المتحدة، وقد أفصح الرئيس السابق، دونالد ترامب، مرارًا وتكرارًا عن عدم رغبته في توريط أمريكا في حرب أخرى من حروب الشرق الأوسط «الأبدية».

دولي

منذ شهر
«ناشيونال إنترست»: هل يمكن أن تختفي أمريكا من الوجود بسبب ترسانتها النووية؟

وهذا يعني أنه من المحتمل أن ينخرط طرفا الصراع في معركة إرادات خفية – وسيكون الفضاء السيبراني هو البؤرة الأساسية لهذه المعركة، وتُعَد الحرب السيبرانية أداةً مثاليةً في مثل هذه الظروف؛ لأن مخاطر التصعيد الناجمة عن الحربٍ الفعلية تظل مرتفعة وعلى مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، بدا أن إيران تعتمد اعتمادًا متزايدًا على الحرب غير المتكافئة لمواجهة المصالح الأمريكية وتحدِّيها وتقويضها في المنطقة.

ومنذ عام 2011، تحوَّلت إيران إلى الفضاء السيبراني على نحوٍ متزايد لخوض تلك المواجهة وفي مناسبات عديدة خلال السنوات التسع الماضية، أثبتت العمليات السيبرانية الإيرانية للعالم أنها على استعداد للتعامل بعنف – أو بتهور كما قد يرى بعض الناس – في الفضاء السيبراني، ولمجرد تحقيق أهداف وغايات محدودة.

وبوضع ما سبق ذكره في الاعتبار، يقدم المقال فيما يلي نظرة متفحِّصة على ملامح الاشتباك المحتمل بين إيران والولايات المتحدة في الفضاء السيبراني.

إيران: الإستراتيجية السيبرانية

يلفت الكاتب إلى أن إيران غالبًا ما تستخدم الفضاء السيبراني بوصفه امتدادًا لقواتها العسكرية، ويبدو أنها أقل التزامًا بالخطوط الحمراء الأمريكية من الخصوم الآخرين للولايات المتحدة.

يستشهد الكاتب ببعض الهجمات السافرة التي شنتها إيران خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا في عام 2012، حين خاطرت بإحداث اضطرابات في إمدادات النفط الدولية عندما شنَّت هجومًا هائلًا ومدمرًا باستخدام البرمجيات الخبيثة ضد شركة «أرامكو» السعودية (أضرَّ بنحو 30 ألفًا من أجهزة الكمبيوتر الخاصة بالشركة).

Embed from Getty Images

ومن عام 2011 إلى عام 2013، استهدفت إيران القطاع المالي الأمريكي في حملة هجمات واسعة النطاق لحجب الخدمة أو إبطائها ( DDoS)‏ أدَّت إلى تعطيل الخدمات المصرفية، وفي عام 2013، حاولت إيران الوصول عن بُعد إلى أنظمة التحكم في بوابة سد نيويورك، وقد كان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى وقوع أول هجوم سيبراني حركي (يستهدف البنية التحتية المادية و/أو الأرواح البشرية) على أرض الولايات المتحدة.

يتابع الكاتب: وكما لاحظنا في العمليات العسكرية التقليدية التي شنَّتها إيران، بدءًا من هجومها في سبتمبر (أيلول) على منشآت النفط السعودية، ومرورًا بإسقاط طائرة استطلاع أمريكية من دون طيار في المياه الدولية في يونيو (حزيران)، وليس انتهاء باعتراضها للبحارة الأمريكيين في مياه الخليج عام 2016، نجد أن إيران عدوانية ولا يمكن التنبؤ بتحركاتها، لدرجة أنه يمكن وصفها بالتهور.

وهذا أمر مهم عندما نريد فهم الكيفية التي من المرجح أن يتَّبعها الحرس الثوري الإيراني (IRGC) لشن العمليات السيبرانية المستقبلية ضد الولايات المتحدة، وإيران أقل التزامًا بالقيود من الخصوم الأمريكيين الآخرين (حتى روسيا وكوريا الشمالية والصين)، وهي على استعداد للتصرف بجرأة وعلى نحو خطير لمجرد إرسال رسالة.

القدرات السيبرانية لإيران

ألمح الكاتب إلى أنه منذ عام 2010، وبعدما تعرَّضت أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم في المنشآت النووية الإيرانية لهجوم سيبراني باستخدام برنامج خبيث مدمر يسمى ستوكس نت «Stuxnet»، كانت طهران تعمل باطراد على تكثيف تطويرها لقدرات الحرب السيبرانية.

وعلى الرغم من أن إيران بوجه عام تُعد على الأقل أدنى منزلة من القوى السيبرانية العظمى – الولايات المتحدة وروسيا والصين وإسرائيل وحلفائنا الأوروبيين – إلا أنه من الواضح أنها تتطور بسرعة، ويبدو أن القيادة الإيرانية تقدِّر قيمة الفضاء السيبراني بوصفه إجراءً انتقاميًّا فعالًا ضد الهجمات والاستفزازات التي تقوم بها الولايات المتحدة.

وتتسم العمليات السيبرانية الإيرانية باللامركزية أكثر من الهجمات التي تشنها القوى السيبرانية الرائدة الأخرى؛ إذ تعتمد تلك العمليات اعتمادًا كبيرًا على قوى سيبرانية تعمل بالوكالة، أما درجة تحكم الحرس الثوري الإيراني فيها مباشرة فأمر قابل للأخذ والرد، إذ يشير بعض المحللين إلى أن سيطرة الحرس الثوري على تلك القوى أقل من المستوى المنشود.

Embed from Getty Images

وفي حين يرجح أن إيران تعكف على تطوير «أسلحة» إلكترونية خاصة بها، فإنها اعتمدت حتى الآن اعتمادًا كبيرًا على برامج خبيثة إجرامية، وعلى أدوات أخرى يمكن تطويعها لأغراضها الخاصة.

وإيران بارعة في تنفيذ مجموعة متنوعة من هجمات الشبكات القياسية، مثل التصيد الاحتيالي وهجمات تعطيل الخدمات، واختطاف نظام أسماء النطاقات والاختراق عن بُعد، لكنها أظهرت أيضًا قدرة متطورة على تنفيذ هجمات أكثر تعقيدًا، لا سيما اختراق أنظمة التحكم الصناعية (ICS).

ما الدور الذي ستؤديه القوى التي تعمل بالوكالة؟

أوضح الكاتب أنه لا يوجد سيناريو لا تستخدم فيه إيران قوات تعمل بالوكالة – وبكثافة – في الصراع السيبراني مع الولايات المتحدة؛ إذ تضطلع هذه القوات بدور شديد الأهمية لقوة إيران الشاملة في الفضاء السيبراني، ولتنفيذ تكتيكات «استعراض القوة» التي تقوم بها.

ومع ذلك، وبالنظر إلى سيطرة إيران المشكوك فيها على هذه القوى وقدراتها المنخفضة عند مقارنتها بالحرس الثوري الإيراني، يُرجح أن تستخدم هذه القوى في تنفيذ هجمات إقليمية ضد دول خليجية، وإذا امتد نطاق عملها إلى الولايات المتحدة، فستستخدَم فقط ضد أهداف يسهل الوصول إليها.

كيف ستهاجم إيران أمريكا؟

يستشهد الكاتب بتقييم لإيران، أجراه مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية (CSIS) جاء فيه: «إن الهجمات [السيبرانية] الإيرانية ستكون انتقامية على الأرجح، وذلك بهدف إثبات أن الولايات المتحدة ليست في مَنَعة من مخاطر هذه الهجمات، ولكن ليس أبعد من ذلك». وأضاف التقييم أن: «الهجوم على أهداف كبرى على أرض الولايات المتحدة سيكون إيذانًا بالتصعيد، وهو أمر ترغب إيران في تجنبه».

ويشير الكاتب إلى أن هذا التقييم ينطبق على حالة إيران، ولكن هناك مجال كبير للمناورة بشأن ما يمكن أن يُعد هجومًا «انتقاميًّا» – وكذلك بشأن ما يمكن أن تَعُدُّه إيران تحريضًا والإطار الزمني للرد – وبشأن آلية تحديد «الأهداف الرئيسة» على أرض الولايات المتحدة. ولقد شنت إيران بالفعل هجمات سافرة ضد أهداف في الداخل الأمريكي – ويصف بعض المحللين المناوشات السيبرانية التي وقعت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين مع إيران بأنها أول حرب سيبرانية أمريكية معروفة.

Embed from Getty Images

ويرجِّح الكاتب أن يكون الجزء الأكبر من أي هجمات تشنها إيران من نصيب خصومها من دول الخليج، مع التركيز على نحو خاص على العائلة المالكة والأصول الحكومية والبنية التحتية لصناعة النفط والغاز، ومع ذلك، يشدد على ضرورة عدم التقليل من قدرتها أو استعدادها لمهاجمة أهداف مهمة داخل الولايات المتحدة.

وسواء ستقتصر هذه الهجمات على أهداف بسيطة، مثل الشركات الإعلامية ومراكز الفكر والمنتقدين الصريحين لإيران وما إلى ذلك، أم ستتخطى ذلك لاستهداف أهداف كبيرة مثل النظام المالي الأمريكي، وصناعة الطاقة، والأصول الحكومية، فإن هذا يعتمد تمامًا على رؤية النظام الإيراني للإجراءات التصعيدية التي يمكن أن تتخذها الولايات المتحدة ردًّا على تلك الهجمات.

وما أطلق عليه الرئيس السابق، دونالد ترامب، حملة «الضغط الأقصى»، يراه الإيرانيون على أنه «إرهاب اقتصادي» وأي هجوم سيبراني تنفذه إيران خلال أي مواجهة محتملة وردًّا على العقوبات الاقتصادية المزعزعة للاستقرار الإيراني يمكن اعتباره، من وجهة نظر قادة إيران، إجراءً انتقاميًّا مبررًا.

هل يمكن أن يحدث تصعيد في الحرب السيبرانية؟

مع الوضع في الاعتبار تاريخ نشر المقال قبل وصول الرئيس الأمريكي الجديد إلى سدة الحكم، يجيب الكاتب: نعم، والسؤال ليس «هل يمكن حدوث تصعيد؟» ولكن «إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التصعيد؟»، إن الولايات المتحدة وإيران والمملكة العربية السعودية تقف بالفعل على مشارف المراحل الأولى من الصراع، وليس من المستبعد أن تلجأ الولايات المتحدة إلى إسرائيل للحصول على مزيد من الدعم.

يستشهد الكاتب بتقرير حديث صادر عن شركة «دارك ماتر» (DarkMatter) خلص إلى أن الهجمات السيبرانية (المرتبطة بإيران) تتزايد بوجه عام في الشرق الأوسط، لا سيما ضد الإمارات العربية المتحدة ويمكن أن نتوقع أن يستمر هذا الاتجاه ويزداد سوءًا في ظل تصاعد التوترات.

ومن المرجح أن تقوم إيران بدور المعتدي في هذه الهجمات الإقليمية، حيث تؤدي دول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة دورًا دفاعيًّا إلى حد كبير وسوف تستهدف إيران ووكلاؤها البنية التحتية للطاقة، والبنية التحتية الحيوية، والشبكات الحكومية لمنافسيها الإقليميين، وذلك لأنها تستهدف إضعاف تلك الحكومات وتسليط الضوء على الخطر المتزايد الذي يمكن أن تشكِّله على سوق الطاقة العالمي وإثارة القلاقل بوجه عام في وجه الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images

والسؤال المهم هنا هو: ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الصين في حالة حدوث تصعيد خطير في الحوادث السيبرانية؟ فيما يتعلق بهذه النقطة، يشير الكاتب إلى أن الصين أكبر مستوردي النفط من المملكة العربية السعودية، ولا يمكن أن يتحمل اقتصادها ارتفاع الأسعار أو اضطرابات في إمدادات النفط.

الاستنتاج

خلُص الكاتب إلى أن إيران قوة مؤثرة في المجال السيبراني، ويجب أن تُؤخَذ التهديدات التي تشكِّلها على محمل الجد، وهناك احتمالات كبيرة بأن نشهد صراعًا سيبرانيًّا ممتدًا بين الولايات المتحدة وإيران، من المحتمل أن يمتد ليشمل لاعبين إقليميين آخرين.

منطقة الشرق

منذ شهر
مترجم: لعبة استعراض القوة.. هل تشهد إيران وأذربيجان حربًا باردة؟

والنقطة الرئيسية التي يحيط بها الغموض هي «إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا الصراع»، ولكن الأمر المؤكد هو عدم القدرة على التنبؤ بتوجُّهات إيران وتحركاتها، لقد أثبتت هذه الدولة أنها واحدة من أكثر الجهات الفاعلة شراسةً في الحرب السيبرانية، ولم تتردد في مهاجمة الولايات المتحدة داخل أراضيها.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: وفي حين أن التسبب في اضطراب كبير في إمدادات النفط، أو شن هجوم سيبراني ضد يستهدف البنية التحتية المادية و/أو الأرواح البشرية على أرض الولايات المتحدة أمر بعيد الاحتمال، إلا أن هناك ملاحظة تحذيرية يجب وضعها نُصْب الأعين وهي أن الهجمات السيبرانية على البيئات الصناعية يمكن أن تؤدي إلى نتائج غير متوقَّعة. ولذلك، يمكن أن يؤدي أي سوء تقدير إيراني بطريق الخطأ إلى وقوع حدث خطير ربما تكون له عواقب بعيدة المدى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد