• قد يكون الاتفاق النووي الداعم الأساسي لاستعادة الإرث الأفغاني.

أحدث اتفاق إيران النووي زلزالا سياسيا وجغرافيا إستراتيجيًّا في منطقة الشرق الأوسط وخارجها، بما في ذلك تسريع حركة الإصلاح داخل إيران وتعزيز الدوائر الديمقراطية في العالم الإسلامي.

يمكن لإيران الآن وقد تحررت من الاحتواء الخارجي والقمع الداخلي أن  تساعد نفسها والمنطقة والعالم الإسلامي عامة على السير نحو المزيد من الرخاء والاستقرار ونحو مستقبل تعددي. وسوف  تستفيد أفغانستان كثيرا من استعادة دور إيران كقوة وكجار مسؤول وآمن.

لقد تفاقمت جغرافية أفغانستان غير الساحلية بسبب عزلتها السياسية في المنطقة فمن بين سبعة من جيرانها تظل حدودها مع طاجكستان الوحيدة الخالية نسبيا من التوتر السياسي، بينما يهيمن العداء السياسي والانتشار المكثف للجيش على حدودها الممتدة مع باكستان. في الحين ذاته، تخيم السلبية على علاقات أفغانستان مع تركمانستان وأوزباكستان والصين. أما العلاقة مع شريكها الإقليمي الأساسي الهند فتظل مقيدة بالإقليم المتنازع عليه وتردد دلهي في الدخول في شراكة أوسع.

في الآن ذاته ظلت العديد من العوامل تطغى على علاقات أفغانستان مع جارتها الهامة الأخرى إيران ومن ذلك التنافس الإقليمي بين إيران والمملكة العربية السعودية واحتواء الدول الغربية لإيران والدوافع الأيديولوجية لسياسة إيران الخارجية وتواجد بعض النخب الأفغانية المعادية للفارسية.
التقاء المصالح

على مدى السنوات الأربعة عشر الماضية، سعت الولايات المتحدة وإيران إلى عزل أفغانستان عن المواجهة بينهما حيث أنهما تدركان التقاء مصالحهما في أفغانستان.

في الواقع، كان لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف دور فعال في تسهيل اتفاق بون سنة 2001 الذي أوجد النظام السياسي القائم حاليا بأفغانستان. كما ساعدت طهران بهدوء وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في تحقيق إنجاز دبلوماسي آخر وهو تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الأفغانية سنة 2014.

مع الاتفاق النووي، ينبغي أن تكون طهران وواشنطن قادرتين على تحويل السلام البارد إلى تعاون فعال لتحقيق الاستقرار والتنمية بأفغانستان وسيكون هذا التعاون الثلاثي مفيدا لجميع الأطراف.

يمكن لكابول أن تجمع بين القوى والدعائم الأمريكية والإيرانية المتكاملة. وقد تجد الولايات المتحدة أخيرا شريكا إقليميا يعول عليه لمهمتها في أفغانستان وبالتالي تقليل الاعتماد على حليفها المشكوك فيه باكستان.

بالنسبة لإيران، أمن أفغانستان هو ضمان أساسي لأمن محافظاتها الشرقية وهو مدخل إلى الموارد الطبيعية الغزيرة لأفغانستان. إن القرب الجغرافي الإستراتيجي من الصين وآسيا الوسطى يلعب دورا أساسيا في الأمن الإقليمي.

على الرغم من المحاولات المتفرقة للقضاء على الثقافة والموروث الفارسي من قبل أفراد قليلين ولكن نافذين من الطبقة الحاكمة في كابول وعلى الرغم من احتكار طهران للحضارة الفارسية، لا تزال أفغانستان الحديثة جزءًا لا يتجزأ ووريثا للحضارة الفارسية

 

الطريق الثالث
تبدو الانعكاسات طويلة الأمد المترتبة عن رد الاعتبار لإيران بالنسبة للتوجه السياسي والتنمية في البلدين واعدة. فكل من أفغانستان وإيران قد عانتا من القوى الاستعمارية والإسلام السياسي والعلاقات غير الودية في محيطهما والصراع السياسي العالمي.

إلى جانب باكستان، إيران وأفغانستان جمهوريات إسلامية. بينما تنزلق باكستان بقوة نحو “الأسلمة”، تسير إيران وأفغانستان نحو الديمقراطية.

على خلاف العديد من المجتمعات المسلمة،  المجتمعان الأفغاني والإيراني هما المجتمعان الوحيدان ذوا الأغلبية المسلمة اللذان عاشا تحت مزيج من حكم الإسلاميين ومن المعارك بالوكالة التي تقودها القوى الكبرى. لا وعد الإسلاميين بالجنة على الأرض ولا ادعاء الغرب للديمقراطية بإمكانه أسر خيالهم.

هناك دلائل متزايدة تشير إلى ظهور ما بعد الإسلاموية وبروز الدوائر العلمانية في أفغانستان وإيران. إن تعزيز الديمقراطية في أفغانستان وإيران سيقدم الخيار الثالث لبقية العالم الاسلامي: لا أجندة الإسلاميين القمعية، الرجعية، والطائفية ولا القواعد القمعية وسياسات التقسيم العرقي للأنظمة العلمانية الدكتاتورية.

الجذور الفارسية

يعد اتفاق إيران النووي أيضا انتصارا لقيادة إيران الإصلاحية والبراغماتية، والتي سوف تزيد من عزلة فصائل المواجهة. وقد يساهم هذا الأمر في إعادة توجه إيران من هويتها الطائفية الأيديولوجية إلى صميم جوهرها الحضاري والثقافي: من إيران الشيعية المعادية للغرب إلى إيران الفارسية.

قد تدفع إيران الفارسية إلى الاستياء، ولكنها لن تكون تهديدا لمواطنيها أو للمنطقة. بل ستكون مدفوعة بالاحتفاء بالجمال والتنوع والحياة لا بتخليد الموت والغزو.

إيران الفارسية قد تساعد كذلك أفغانستان في استعادة هويتها وإرثها الفارسي. إن تفكيك القوى الاستعمارية للأراضي غير الأوروبية لم يخلق حدودا سياسية وهمية فحسب بل قسم التراث الثقافي والهوية المشتركة للمنطقة.
لقد تم تقسيم الهضبة الإيرانية واللغة الفارسية إلى جيوب مختلفة ومعزولة.  وصارت اللغة الفارسية التي كانت لغة مشتركة في شبه القارة الهندية لعدة قرون ضحية الإبادة الثقافية للإمبراطورية البريطانية، أما في آسيا الوسطى فقد جرم رئيس الوزراء السوفيتي السابق جوزيف ستالين استخدام اللغة الفارسية.

الارتباك الثقافي

أدى ظهور اثنين من الكيانات السياسية المستقلة، إيران وأفغانستان، في منتصف القرن التاسع عشر إلى تشكل كيانين ثقافيين متمايزين تدريجيا: إيران فارسية وأفغانستان ذات ثقافة مشوشة.

رغم المحاولات المتفرقة لمحو الثقافة والإرث الفارسي من قبل أفراد قليلين ولكن نافذين من الطبقة الحاكمة بكابول ورغم احتكار طهران للحضارة الفارسية، تبقى أفغانستان الحديثة جزءًا لا يتجزأ ووريثا للحضارة الفارسية وموطنا للعديد من الشخصيات الفارسية العظيمة مثل زرادشت، وابن سينا وجلال الدين الرومي ونور الدين عبد الرحمن جامي وكمال الدين بهزاد والإمام أبو حنيفة وكوهرشاد.

وكانت الفارسية دائما اللغة المشتركة في أفغانستان بما في ذلك البشتون اللذين أسهموا إسهاما غزيرا في تطور الثقافة واللغة الفارسية كما يرمز لذلك الشاعر البشتوني العظيم، رحمان بابا، الذي كان شاعرا بشتونيا وفارسيا على حد السواء. بل إنه يمكن تلقيب المدينة الأفغانية الغربية هراة بقدس العالم الفارسي.

سيكون لاستعادة أفغانستان لهويتها الفارسية نتائج إيجابية على الصعيد الجغرافي الإستراتيجي. حاليا تسيطر على كابول التهديدات الأمنية والأيديولوجية التي تنبثق من جانبها الجنوبي وكذلك من اعتمادها على باكستان للعبور.

نقل تيمور شاه دوراني، الحاكم الثاني لإمبراطورية دوراني، عاصمته من قندهار إلى كابول في أواخر القرن الثامن عشر هربا بالأساس من السياسة الغادرة لزعماء القبائل. للأسف، يحافظ الرئيس الأفغاني أشرف غاني والمملكة المتحدة على هذا النسق من خلال ضم كابول إلى مدار باكستان ومنح الفضاء السياسي لطالبان على حساب القوى الوطنية الديمقراطية.

ومع ذلك، فان التوجهات الاجتماعية الناشئة والتهديدات الأمنية الجديدة والفرص الاقتصادية الوافرة ستساعد إيران وأفغانستان والدول المماثلة على تحقيق وعد جلال الدين الرومي: “فكل ما قطع عن أصله، دائما يحن إلى زمان وصله”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد