قال سينا طوسي في تحليل نشره موقع مجلة «فورين بوليسي»: إن الانتخابات الرئاسية الإيرانية المزمعة الشهر الجاري تشكل نقطة تحول بالنسبة للبلاد – لجميع الأسباب الخاطئة.

وأوضح طوسي أن علي لاريجاني، رئيس البرلمان الإيراني السابق، صرح في مقابلة أجريت معه مؤخرًا قائلًا: «لم يكن نمونا الاقتصادي بالوتيرة المطلوبة لحل المشاكل، خاصة بالنسبة للشباب والبطالة المتفشية بينهم. وهذا طبيعي في ظل العقوبات». كانت تعليقات لاريجاني، التي جاءت قبل أيام من استبعاده من قبل هيئة دينية قوية (هيئة صيانة الدستور) من خوض الانتخابات الرئاسية الإيرانية في 18 يونيو (حزيران) الجاري، تذكيرًا واضحًا بالمخاطر الفورية لانتخاب هذا العام.

وبينما أعرب لاريجاني عن دعمه للمفاوضات مع الغرب لرفع العقوبات ومعالجة الخلافات بخلاف الملف النووي، فإن منافسه المحتمل على الرئاسة، رئيس القضاء المتشدد إبراهيم رئيسي، لديه وجهات نظر مختلفة للغاية حول أفضل السبل للتعامل مع العقوبات الأمريكية. قبل شهرين أعلن رئيسي: «بدلًا من السعي للتفاوض مع العدو، يجب أن نحل المشاكل الاقتصادية للبلاد من خلال إدارة القدرات البشرية والطبيعية بشكل صحيح».

منطقة الشرق

منذ أسبوعين
«فورين بوليسي»: كيف استفاد أحمدي نجاد من استبعاده من الترشح لرئاسة إيران؟

لكن استبعاد لاريجاني وغيره من المعتدلين والإصلاحيين البارزين من انتخابات هذا العام، وهو ما مهد طريق رئيسي نحو الرئاسة، أمور تتجاوز الملف النووي. إنه يمثل نقطة انعطاف في التاريخ السياسي لجمهورية إيران الإسلامية – يشير طوسي. فالمتشددون ذوو وجهات النظر الاستبدادية والمعادية بشدة لأمريكا يناورون بفجاجة لإخراج منافسيهم المعتدلين من المشهد السياسي وإبطال العناصر الجمهورية للنظام.

الوصاية على الجمهورية

كانت الجمهورية الإسلامية من البداية التي تصورها مؤسسها آية الله روح الله الخميني مزيجا بين تفسيره للفلسفات السياسية الشيعية والجمهورية الغربية والسياسات الانتخابية. إنه نظام حكم يشتمل على مزيج فريد من السيادة الشعبية والسلطة الدينية، على الرغم من أن المؤسسات التي تمثل الأخيرة تمتلك سلطة وصاية على الأولى. لدى الجمهورية الإسلامية رئيس وبرلمان، ولكن أيضًا مجلس صيانة الدستور الذي يتشكل من رجال دين وقانون مهمتهم فحص التشريعات والمرشحين السياسيين، ومرشد ديني أعلى يكون الحكم النهائي في القرارات رفيعة المستوى.

كان خط الصدع السياسي الرئيسي داخل النظام الإيراني المحدد بدقة منذ التسعينيات يفصل بين مؤيدي الحفاظ على هيمنة المؤسسات الدينية للدولة وأولئك الذين يريدون إصلاحها وتمكين المؤسسات الجمهورية. تسعى العناصر الأكثر ثيوقراطية إلى وضع سياسي واجتماعي قائم منعزل، في حين حاولت القوى ذات العقلية الإصلاحية إدخال أجواء انفتاحية في البلاد. كما يختلفون أيضًا في السياسة الخارجية – يضيف طوسي – حيث غالبًا ما يدافع المتشددون الثيوقراطيون عن سياسات الاكتفاء الذاتي والانعزالية، ويعارضون تحسين العلاقات مع الغرب، في حين تدعم القوى ذات العقلية الإصلاحية التعامل مع الغرب والحلول الدبلوماسية للنزاعات في المنطقة وخارجها.

قمع ممنهج للإصلاحيين

على مر السنين، حاولت المؤسسات الثيوقراطية القضاء على الإصلاحيين ومنعهم من الحصول على مركز مهيمن في النظام. تبع الانتصار المفاجئ للإصلاحي محمد خاتمي في الانتخابات الرئاسية عام 1997 منع مجلس صيانة الدستور معظم الإصلاحيين من خوض الانتخابات البرلمانية لعام 2004. وتبع انتخابات عام 2009 التي خاضها المرشح الرئاسي الإصلاحي مير حسين موسوي استبعاد صادم للرئيس المعتدل السابق أكبر هاشمي رفسنجاني من الترشح في انتخابات 2013. أخيرًا قوبل انتخاب الرئيس المعتدل حسن روحاني في ذلك العام وإعادة انتخابه في عام 2017 باستبعاد معظم المعتدلين في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي.

Embed from Getty Images

هناك نمط واضح – ينوه طوسي – يميل المعتدلون في إيران إلى الفوز بالانتخابات عندما يُسمح لهم بالترشح، وما ينفك المتشددون يمارسون قمع أكثر الشخصيات السياسية الواعدة للمعتدلين. إن انتخابات هذا العام هي المحاولة الأكثر شفافية للمتشددين في تاريخ إيران الحديث ليس فقط لإقصاء منافسيهم ولكن استبعاد تيارهم بالكامل من المشهد السياسي الإيراني.

لاريجاني ليس إصلاحيا لكنه ينحدر من الجناح البراجماتي للمؤسسة المحافظة. ومع ذلك، فقد اعتبر غير مؤهل للترشح للرئاسة. في الأسابيع الأخيرة، أوضح أنه سيتبع أجندة تركز على النمو الاقتصادي من خلال زيادة التكامل مع الاقتصاد العالمي وسيسعى إلى علاقات أفضل مع جميع القوى العالمية، بما في ذلك الولايات المتحدة. وأكد أنه إذا عادت الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي والتزمت به، فقد يكون من الممكن إجراء مفاوضات أوسع.

بالنسبة للمتشددين الإيرانيين – يقول طوسي – كانت أجندة لاريجاني تمثل استمرارًا للاتجاهات التي اعتبروها خطيرة وسعوا إلى عكسها في عهد روحاني. في أعقاب الاتفاق النووي في عام 2015، حذر المرشد الأعلى علي خامنئي من الجهود المبذولة للتسلل السياسي والثقافي إلى إيران من قبل أعداء البلاد وتخريب الجمهورية الإسلامية من الداخل. واعتبر المتشددون في الحرس الثوري الإسلامي كلماته بمثابة ضوء أخضر لاعتقال العديد من المواطنين العاديين ومزدوجي الجنسية بتهم ملفقة تتعلق بـ«التسلل» والسعي إلى «تغيير النظام بأسلوب ناعم»؛ مما يساعد على وقف الانفتاح الاقتصادي والسياسي الذي بدأ بعد الاتفاق النووي.

قدم انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي هدية للمتشددين الإيرانيين. فلو سُمح للاتفاق النووي بالنجاح ورأست حكومة روحاني سنوات من النمو الاقتصادي الحاد، فمن الصعب تخيل السيناريو الذي يتكشف اليوم. المعسكر السياسي الإصلاحي والمعتدل في إيران يخلو حاليًا من دعم شعبي ذي مغزى وعاجز في مواجهة الاستيلاء الصريح على السلطة. وفي الوقت نفسه كان رئيسي يتقدم في استطلاعات الرأي وهو يقود حملة لمكافحة الفساد كرئيس للسلطة القضائية. ويعتقد على نطاق واسع أن لديه طموحات لخلافة خامنئي كمرشد أعلى.

رئيسي هو أحد ستة مرشحين آخرين وافق عليهم مجلس صيانة الدستور للتنافس على الرئاسة. لكن من المقرر أن تكون الحملة احتفالية. ثلاثة منهم، المفاوض النووي السابق سعيد جليلي والمشرعين علي رضا زكاني، وأمير حسين غازي زاده، هم من المتشددين الذين من المتوقع أن يدعموا رئيسي في المناظرات المتلفزة، وينسحبوا لصالحه قبل التصويت. اثنان فقط من المعسكر المعتدل، محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي ومحسن مهرالزاده، محافظ سابق. لكن لا النسب السياسية، ولا الدعم الشعبي، يمثلان تحديًا خطيرًا لرئيسي.

Embed from Getty Images

الشخصيات التي يحيط بها رئيسي هي من أكثر الأجنحة تطرفا في إيران، والمعروف باسم جبهة استقرار الثورة الإسلامية، أو جبهة التحمل. يرتبط كل من جليلي وزكاني وغازي زاده ارتباطًا وثيقًا بهذا المعسكر كما هو الحال مع مدير حملة رئيسي، علي نيكزاد. سعت جبهة التحمل لسنوات إلى إقصاء المعتدلين من المشهد السياسي الإيراني. في السنوات الأخيرة – يواصل طوسي كلامه – أشارت لافتات في تجمعات الجبههة إلى مقتل رفسنجاني بدلًا من موته بنوبة قلبية، وهددت حياة روحاني. وقد دعت شخصيات مثل زاكاني وغازي زاده صراحة إلى طرد جميع مؤيدي الدبلوماسية مع الغرب من النظام. دعم الزعيم الروحي الراحل للجماعة، الأصولي آية الله تقي مصباح يزدي، نموذج كوريا الشمالية لبرنامج إيران النووي.

نظام يأكل كفاءاته

اعتاد النظام الثوري الإيراني على أكل أطفاله. فقد أقصي خاتمي، الرئيس الإصلاحي السابق، من النظام، وحظر ذكره في المنافذ الحكومية. أما موسوي، رئيس الوزراء في الثمانينات والمرشح الرئاسي لعام 2009، فهو يخضع للإقامة الجبرية منذ عام 2011. وقد اختلف الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد مع النظام، فجرى استبعاده من الترشح في انتخابات هذا العام. من المقرر أن تؤدي انتخابات هذا العام إلى تقليص حجم خيمة الجمهورية الإسلامية إلى حد أبعد من خلال حرمان المعتدلين من أي فرصة حقيقية للتنافس على الرئاسة.

انتقد حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، بشدة قرارات مجلس صيانة الدستور. وانتقد إنكار «حقوق الشعب» وتجاهل المؤسسات الجمهورية للنظام باعتبارها تتعارض مع النظام الذي أسسه جده ووصفه بـ«معاد للثورة». أعلن خاتمي أن الجانب الجمهوري من النظام يتعرض لـ«تهديد خطير ولا يمكن لأحد أن يكون غير مبال بهذا». في غضون ذلك أعلن روحاني أن إجراء انتخابات بدون منافسة «هو شيء بائس».

يسعى المتشددون في إيران، الذين تم تمكينهم بشكل كبير عبر سنوات من الضغط الأمريكي في ظل إدارة ترامب، إلى ضمان السلطة الكاملة. قد يكون هدفهم النهائي هو تعيين رئيسي ليكون المرشد الأعلى المقبل. وبقيامهم بذلك، فإنهم يلوثون الجمهورية الإسلامية بقدر أكبر من عدم الشرعية ويعزلونها عن الجماهير التي ساعدت في إبقائها في السلطة منذ عام 1979.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد