على مدار التاريخ دائمًا ما كانت الانتخابات في إيران أشبه بالمعاناة، إما بسبب استبعاد الكثير من المرشحين أو بسبب انخفاض معدلات الإقبال على التصويت

نشر مركز بروكينغز للدراسات الأربعاء 24 فبراير/شباط تقريرًا مفصلًا عن الانتخابات الإيرانية والمشاركين فيها ونتائجها عبر التاريخ وعلاقة ذلك بالانتخابات الحالية، بالإضافة إلى الكثير من الخبايا السياسة الإيرانية التي ربما تغيب عن الكثيرين، حيث يتجه الإيرانيون نحو صناديق الاقتراع يوم الجمعة لاختيار ممثليهم في كيانين هامين للغاية هما: البرلمان ومجلس خبراء القيادة. ربما من الأمور الغريبة وفق ما يذكر التقرير هي على الرغم من كون إيران من أكثر الدول انتهاجًا للقمع الداخلي، إلا أن الانتخابات هي سمة دائمة ومستمرة في السياسة الإيرانية، حيث أن انتخابات الجمعة المقبلة هي الانتخابات الثالثة والثلاثين التي يشارك فيها الإيرانيون على مدار 37 عامًا هي عمر الجمهورية الإسلامية. يرى التقرير أن استعراض تاريخ الانتخابات الإيرانية يوضح الكثير من الأرقام المهمة التي ستمنحنا الكثير من المعلومات حول ما سيحدث في الانتخابات الحالية.

من يدير الانتخابات الإيرانية؟

وفق التقرير، فإن ما يُشكل الانتخابات بالكامل هم المرشحون، حيث تخضع الانتخابات في إيران لرقابة كبيرة، ويخضع المرشحون المحتملون لتدقيق شديد من قبل مجلس صيانة الدستور، وهي أحد الهيئات التنظيمية الأساسية في الدولة ويمتد دوره ليصل إلى اشتراط موافقته على القوانين التي يقرها البرلمان قبل اعتمادها. على الرغم من صغر هذا المجلس (يتكون من 12 عضوًا جميعهم يتم تعيينهم) إلا أن تأثيره السياسي والتشريعي بالغ الأثر، حيث يقوم بمراجعة التشريعات بالإضافة إلى الإشراف على البرلمان، كما أن هذا المجلس قام مؤخرًا بتوسيع صلاحياته لتمتد إلى الإشراف على العملية الانتخابية ذاتها.

عملية فحص المرشحين للانتخابات ليست بالجديدة، فقد كانت جزءًا من النظام الثوري الإيراني من البداية كما يذكر التقرير، إلا أنه منذ أواخر الثمانينيات وعقب الحرب التي استمرت ثماني سنوات، وكذلك مع وفاة رمز الثورة الإيرانية آية الله الخميني، قام مجلس صيانة الدستور بوضع شروط أكثر صرامة على المرشحين لمجلس الخبراء والبرلمان. ففي خلال فترة حكم الرئيس علي أكبر هاشمي رافسنجاني، تم تدعيم تلك القرارات والشروط بقوة أملًا في تقليل نفوذ اليسياريين في البرلمان، حيث كانوا يعارضون جهود لعملية إعادة الإعمار التي تبناها بعد الحرب. وفي استمرار لمسلسل السياسة الإيرانية الدرامي، لم يسلم رافسنجاني نفسه من مجلس صيانة الدستور، حيث تم استبعاده من قبلهم في سباق الانتخابات الرئاسية عام .2013

يرى الكاتب أن عملية فحص واختيار المرشحين المتشددة قبل السماح لهم بالترشح أجبرت الكثير من اللاعبين السياسيين من حركة الإصلاح على استخدام بعض الطرق والتكتيكات المبتكرة للتحايل على النظام المتشدد، مثل توسيع قاعدة المرشحين المحتملين من البداية أملًا في المرور إلى العملية الانتخابية بأكبر قدر ممكن من المرشحين، بالإضافة إلى دعم قوائم أخرى لمرشحين معتدلين يمثلون الفكر الأقرب للإصلاحيين، مما كان سببًا في الزيادة الدائمة في أعداد المرشحين في سباق الانتخابات. مع زيادة عدد المرشحين المسجلين، يرى المتابعون أن قوى الإصلاح تحاول إغراق النظام بهذا الكم الهائل من المرشحين، حيث سيكون من الصعب للغاية بالنسبة لمجلس صيانة الدستور أن يستبعد جميع المرشحين التابعين للإصلاح.

في الانتخابات الحالية، بلغت كل من طلبات الترشح وطلبات الحصول على بطاقات الاقتراع للتصويت أرقامًا غير مسبوقة، حيث بلغ عدد المرشحين على سبيل المثال ضعف عدد المرشحين في 2012، إلا أنه على الرغم من ذلك، فقد بلغت أعداد من تمت الموافقة على خوضهم الانتخابات أدنى مستوياتها، حيث لم يتم الموافقة سوى على 51.4% من المرشحين (6229 مرشحًا من أصل 12123) وهي أقل نسبة قبول في تاريخ الانتخابات الإيرانية.

سباق الترشح لمجلس الخبراء لم يختلف كثيرًا، إلا أن نسبة المستبعدين فيه فاقت نسبة البرلمان بكثير، حيث لم يتم قبول سوى 20% فقط من المرشحين لاستكمال السباق (تم الموافقة على 161 من أصل 801) وهي أقل نسبة في تاريخ الانتخابات أيضًا، حيث كانت النسبة الأقل سابقًا هي انتخابات 2006 وبلغت نسبة المقبولين 33.9%، فيما رفض مجلس صيانة الدستور زيادة عدد الكتلة في الانتخابات الحالية لتتماشى مع الزيادة الكبيرة في تعداد السكان، حيث لم يتغير حجم الكتلة الانتخابية منذ أول انتخابات في الجمهورية الإسلامية وفق ما رصده التقرير، فيما سيعطي استبعاد هذا العدد الضخم من المرشحين الفرصة للكثير من المرشحين الآخرين للفوز بالتزكية.

رصد التقرير أيضًا اهتماما إعلاميا محليا ودوليا بالانتخابات الإيراني وخاصة مع كثرة حالات استبعاد المرشحين على الرغم من أن بعضهم يملك سجلات حافلة تسمح لهم بعضوية البرلمان. أحد أهم المستبعدين من الانتخابات الحالية والذي ثار الكثير من الجدل حوله كان حسن الخميني (حفيد زعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني) بعد استبعاده من انتخابات مجلس الخبراء، حيث رأت السلطات فيه باعتباره اسما معروفا ربما يحمل لواء الإصلاحيين من جديد، بعدما سعت الحكومة لمحاصرتهم عبر السنوات الأخيرة. بعد غياب الخميني، سعى الإصلاحيون إلى إيجاد أرضية مشتركة من المرشحين الأكثر اعتدالًا وقاموا بتركيز جهودهم نحو التصدي لثلاثة مرشحين هم الأكثر تشددًا، أملًا في ألا يعاد انتخابهم لدورة ثانية في المجلس.

من سيصوت في الانتخابات الإيرانية؟

Unrest Continues After Iranian Presidential Electionsيرى الكاتب أنه من الصعب للغاية التنبؤ بنسبة المشاركة في الانتخابات الإيرانية، فعلى مدار التاريخ دائمًا ما كانت الانتخابات في إيران أشبه بالمعاناة، إما بسبب استبعاد الكثير من المرشحين أو بسبب انخفاض معدلات الإقبال على التصويت.

يميل القادة في إيران (مقل خامنئ والرئيس روحاني) إلى ربط نسب المشاركة في الانتخابات بشرعية النظام، ولهذا السبب، قاموا بدعوة الناخبين للنزول والتصويت في الانتخابات الحالية، حيث قاموا بإرسال رسائل على الهاتف للمصوتين تدعوهم للمشاركة وحملت توقيع الرئيس الإيراني، كما شدد خامنئي في وقت لاحق من هذا الشهر أن المشاركة في الانتخابات هي واجب على الجميع، حيث تحدث في عيد الثورة الإيرانية (11 فبراير) واصفًا صناديق الاقتراع “بحق الشعب”. الرئيس الأسبق محمد خاتمي أيضًا والذي تم تهميشه بشكل كبير منذ انتهاء ولايته قام بدعوة الإيرانيين للتصويت أيضًا.

يعد من الصعب أيضًا تقييم مدى صدق نسب التصويت المعلنة رسميًا، حيث لا توجد جهات إيرانية مستقلة لمراقبة الانتخابات، إلا أنه في محاولة لإضفاء شيء من المصداقية على العملية الانتخابية، صرح وزير الثقافة الإيرانية مفتخرًا أن الانتخابات الحالية سيتم تغطيتها من قبل الصحافة العالمية من أكثر من 29 دولة مختلفة. في الماضي، دائمًا ما كانت أرقام ونسب المشاركة الرسمية التي تعلنها وزارة الداخلية مضللة، ففي 2012 على سبيل المثال، لم يتم الإعلان عن الأرقام سوى بعد أكثر من أسبوع على نهاية الانتخابات، حيث كانت نسب المشاركة مهمة للغاية بالنسبة للنظام، خاصةً بعد خروج مظاهرات معارضة بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد للمرة الثانية في 2009 وهو ما هدد شرعية النظام.

خروج رجال الدين ودخول رجال الحرس الثوري

وفق تقرير معهد بروكينجز، فإن التاريخ الإيراني الحديث يظهر طفرة كبيرة في تكوين البرلمان نفسه، ففي أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 على سبيل المثال، كان رجال الدين يمثلون نصف أعضاء المجلس، ومع مرور الوقت انخفض العدد بشكل كبير. اليوم، لا يمثل رجال الدين سوى 10% من المجلس. المحللة والمهتمة بالشأن الإيراني ياسمين عالم، ترى أن هذا الانخفاض يعكس انخفاض الحماسة الثورية كما يوضح ضعف وتراجع شعبية رجال الدين. يضيف التقرير أنه على الرغم من تراجع تمثيلهم في البرلمان، إلا أن رجال الدين ما زالوا يسيطرون بشكل كامل على الجهات والسلطات القيادية الرئيسية بما فيها مجلس صيانة الدستور ومجلس الخبراء بالإضافة إلى المنصب الأهم وهو المرشد الأعلى.

وبالتزامن مع انخفاض أعداد رجال الدين في البرلمان، تزايد تمثيل التكنوقراط بشكل ثابت على الجانب الآخر، حيث يشترط أن يحصل جميع أعضاء البرلمان الإيراني الجديد على درجة علمية، كما تزايدت أيضًا أعداد النواب من ذوي الخبرة في الحرس الثوري الإيراني، ففي الوقت الذي لم تتجاوز فيه أعدادهم عشرة أعضاء حتى عام 2004، شكلت انتخابات ذلك العام نقلة كبيرة بالنسبة لأعضاء الحرس الثوري الإيراني، حيث استطاعوا الحصول على نسبة بلغت 16% من مقاعد البرلمان، فيما استمرت تلك النسبة في الزيادة في الانتخابات التالية كما شغلوا مناصب هامة داخل البرلمان.

يميل رجال الحرس الثوري إلى التشدد فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للبلاد، حيث أدت سياستهم إلى تفويت الكثير من فرص الاستثمار والفرص الاقتصادية الكبرى على البلاد، لأنها أتت من شركات ومسثمرين أجانب. على الرغم من ذلك، لا يمثل رجال الحرس الثوري كتلة كبيرة مؤثرة داخل البرلمان في الكثير من القضايا التي يتم طرحها للمناقشة في البرلمان، فلم يجدوا على سبيل المثال طريقا سوى الموافقة على الاتفاق النووي في يوليو 2015 والذي كانت هناك الكثير من الدعوات لرفضه. يلفت التقرير النظر إلى نقطة هامة أيضًا، وهي أن تزايد تمثيل رجال الحرس الثوري الإيراني داخل البرلمان يمنع التحقيق في أية قضايا تتعلق بالحرس الثوري أو بالمرشد الأعلى.

المرأة في الانتخابات الإيرانية

Iranians Cast Their Votes In Presidential Electionوفقًا لبيانات الأمم المتحدة في 2015، يمثل النساء نصف تعداد السكان في إيران. على الرغم من ذلك، لم يسمح على الإطلاق للمرأة بالترشح لمجلس الخبراء، فيما يبلغ عدد السيدات في البرلمان الحالي 9 سيدات فقط (3% من الأعضاء). في وقت لاحق من هذا الشهر، تم استبعاد جميع المرشحات لمجلس الخبراء حيث بلغ عددهن 60 مرشحة محتملة.

على الجانب الآخر، تم الموافقة على ترشيح 586 سيدة للبرلمان الإيراني القادم، وهو ما يعد ثالث أكبر عدد للنساء المرشحات في تاريخ الانتخابات البرلمانية الإيرانية (الرقم الأكبر كان في 2004 حيث تم الموافقة على ترشيح 827 من بين 8127 تقدمن للترشح) بالتزامن مع حملات لإنهاء عصر السيطرة التامة للرجال على المجالس التشريعية في البلاد، حيث يسعى المشاركون في تلك الحملات إلى الوصول إلى مجلس أكثر تمثيلًا للشعب الإيراني الذي تمثل النساء فيه نصف تعداد السكان، إلا أنه على الرغم من تلك الحملات، لا يتوقع المتابعون والناخبون أنفسهم أن يحمل البرلمان الحالي جديدًا بالنسبة للمرأة، وأن يستمر الحال على ما هو عليه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد