بعد ما يقرب من 10 أيام من إثارة سلسلة من مزاعم الفساد النادرة، ما يزال السياسي الإيراني المتشدد برويز فتاح، يواجه غضبًا عارمًا من جميع ألوان الطيف السياسي.

نشر موقع «المونيتور» الإخباري مقالًا لمراسله في العاصمة الإيرانية، طهران، تناول بعض الأوضاع الداخلية التي من شأنها التأثير في المشهد السياسي في إيران مع اقتراب إجراء الانتخابات الرئاسية في البلاد. وأشار المراسل إلى أن مزاعم الفساد المُتجذر بعمق، والتي أثارها سياسي متشدد رفيع المستوى ضد بعض أقوى المؤسسات الإيرانية؛ أثارت صراعًا داخليًّا مريرًا وزادت من ضبابية المشهد السياسي قبيل السباق الرئاسي المقبل.

وفي البداية، يقول مراسل المونيتور: بعد ما يقرب من 10 أيام من إثارة سلسلة من مزاعم الفساد النادرة، ما يزال السياسي الإيراني المتشدد برويز فتاح، يواجه غضبًا عارمًا من جميع ألوان الطيف السياسي. وفتاح هو مدير مؤسسة المستضعفين، المعروفة في إيران باسم «بونياد»، وهي واحدة من أغنى المؤسسات العامة في البلاد التي يسيطر عليها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.

هل تحولت مؤسسة المستضعفين «بونياد» إلى كنز علي بابا؟

تأسست المنظمة بعد أسبوعين فقط من نجاح الثورة الإسلامية عام 1979م، بمهمة مُعلنة غايتها القضاء على الفقر بعد أن صادرت الثورة كميات هائلة من الأراضي والممتلكات والثروات التي خلَّفتها حاشية حاكم إيران المخلوع الشاه محمد رضا بهلوي وأنصاره، الذين اضطروا إلى الفرار من البلاد خوفًا من أحكام الإعدام التي يمكن أن تصدرها المحاكم الثورية ضدهم.

Embed from Getty Images

وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، نمت مؤسسة المستضعفين «بونياد» لتصبح إمبراطورية مالية تسيطر على مئات الشركات العاملة في عديد من القطاعات الاقتصادية، بدءًا من الاستثمار والبنوك، إلى البناء، والطاقة، والمناجم، والزراعة، والصناعات الغذائية. وبلغ إجمالي الإيرادات المالية للمؤسسة من أنشطتها التجارية المختلفة في عام 2019م، ما يزيد على 318 مليون دولار أمريكي، بينما حققت مكاسب قدرها 1.6 مليار دولار أمريكي منفصلة من مبيعات العقارات.

وخلال مقابلة مباشرة مُطوَّلة بثها التلفزيون الإيراني المحافظ في وقت سابق من هذا الشهر، فتح السياسي الإيراني المتشدد فتاح، صندوق باندورا (في علم الأساطير الإغريقية، هو صندوق يتضمن كل شرور البشرية) من خلال اتهام عديد من المؤسسات والسياسيين بالاستيلاء على ممتلكات مملوكة لمنظمته. وقال إن جميع الرؤساء السابقين تقريبًا، بدءًا من أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى محمد خاتمي، ومحمود أحمدي نجاد، استولوا على ممتلكات وفَّرتها لهم المؤسسة مكاتبَ لفترات وجيزة فقط.

ولم يَسْلَم غلام علي حداد عادل نفسه، وهو رئيس البرلمان السابق والسياسي المتشدد المخضرم الذي تربطه علاقات عائلية وثيقة بالمرشد الأعلى، من اتهامات فتاح. ويرفض حداد عادل إعادة قطعة أرض كبيرة تقع في واحدة من أرقى الأحياء الغنية في شمال طهران، حيث أقام مدرسة خاصة يديرها بنفسه. وبحسب فتاح، يبلغ أحدث تقدير لقيمة هذه الممتلكات ما يزيد على 9 ملايين دولار، وهو مبلغ، في رأي فتاح، يمكن إنفاقه على محاربة الفقر إذا تخلى حداد عادل عن الممتلكات وأفسح المجال لـ«بونياد» لبيع تلك الأرض الثمينة.

الفساد المُقنن يطال كبار المسئولين المدنيين وهيئات مرموقة

ولفت المراسل إلى أن حداد عادل استغرق 10 أيام ليخرج برسالة مصورة بالفيديو، ألقى خلالها خطابًا لاذعًا مُعدًّا سلفًا ضد فتاح. ونفى هذه المزاعم «الاستفزازية»، واتهم بدلًا من ذلك رئيس مؤسسة «بونياد» بالسعي للحصول على «الشهرة والصيت». وقال حداد عادل في تحدٍ لفتاح إنه حصل على موافقة المرشد الأعلى في عام 1995م، لتحويل العقار إلى مدرسة خاصة.

Embed from Getty Images

روحاني في مؤتمر محاربة الفساد – طهران 2014 

ومن ضمن ما كشف عنه، استهداف فتاح أيضًا مجمع تشخيص مصلحة النظام (الهيئة الاستشارية العليا للنظام الحاكم في إيران) صاحب النفوذ، وقال إنه شيَّد مبنى من تسعة طوابق بدون تصاريح رسمية، على قطعة أرض مملوكة لمؤسسة «بونياد».

ولم تنتهِ قائمته الخاصة بقضايا الفساد عند هذا الحد؛ إذ طالت مركز أبحاث مرموق يديره البرلمان الإيراني ومؤسسة لدراسات المرأة تابعة للحكومة، كانت تديرها يومًا ما معصومة ابتكار، وهي سياسية بارزة، وتشغل حاليًا منصب نائب الرئيس لشئون المرأة والأسرة في حكومة الرئيس حسن روحاني. وتحولت معصومة إلى التغريد على موقع تويتر؛ إذ اتهمت فتاح، بتشويه الحقائق، ودعت النائب العام لمنحها فرصة لمعالجة تلك الادعاءات.

الاتهامات تطال القوات المسلحة والعسكريين

واستدرك المراسل قائلًا: ومع ذلك، ربما كان أكثر ما أثار الدهشة والاستغراب في مقابلة فتاح، هي الاتهامات النادرة التي وجهها ضد القوات المسلحة، وخاصة ضد لواء من فيلق الحرس الثوري الإسلامي، المعروف باسم حرس المرشد الأعلى، وهو كيان غامض للغاية، يعمل بمثابة جهاز سري ووحدة حماية، تابع لآية الله خامنئي. وفي هذا الصدد، قال فتاح: «هناك عقار قيِّم للغاية يسيطر عليه حرس القائد الأعلى. لكنهم لا يسمحون لي بالدخول إليه على الرغم من حقيقة أنني المالك الرسمي».

وردَّ رئيس حرس القائد الأعلى، اللواء إبراهيم جباري، معربًا عن استغرابه من «افتقار فتاح إلى المعرفة» و«عدم علمه بصفقة توصلت إليها المنظمتان» بشأن إعادة ذلك العقار. كما هاجم موقع «بصيرات»، وهو نافذة إخبارية تابعة للحرس الثوري الإيراني، فتاح بسبب تصريحاته «غير اللائقة» وتشجيعه على انتشار «الشائعات».

ويضيف المراسل؛ من غير المستغرب أن يُعبِّر المعسكر الإصلاحي عن غضب مماثل؛ إذ لم يسلم أيٌّ من أطراف الطيف السياسي من اتهامات فتاح. وبالنسبة إلى صحيفة «اعتماد» المؤيدة للإصلاح، تذكرنا ادعاءات فتاح بالرئيس السابق أحمدي نجاد، الذي ذكر علانية أسماء السياسيين «الفاسدين» لأول مرة في عام 2005م، وهي محاولة شعبوية اعتُبرت على نطاق واسع أنها كانت بطاقته للفوز بالرئاسة لفترة ثانية في ذلك الحين. ورأت صحيفة «اعتماد» أن فتاح يستخدم الاستراتيجية القديمة نفسها، لكن «أعمال الشعوذة والخداع لم تعد تُجدى نفعًا».

مقاومة الفساد تواجه ضغوطًا شديدة

ويرى مراسل «المونيتور» أن الضغط يتزايد الآن على فتاح؛ حتى لا يسير على نهج أحمدي نجاد من خلال الظهور بأدلة دامغة، إذا كان لديه أيٌّ منها، خاصة وأن هناك تساؤلات حول ما إذا كان يحارب الفساد بالفعل أم لا؛ بل إن البعض يجادل بأن هذه الادعاءات يمكن أن ترتد وتنفجر في وجهه؛ لأن المنظمة الخاضعة لسيطرة فتاح تعاني نفسها من فساد مستشرٍ، ومُتهمة بالتهرب الضريبي. وبحسب أحد الحسابات، تستحوذ بونياد وثلاث مؤسسات أخرى مماثلة تابعة للمرشد الأعلى على 60% من الثروة الوطنية الإيرانية.

ومع ذلك، لم تُترك الفرصة كاملة أمام فتاح ليدافع عن نفسه. وجاء الدعم الأكثر وضوحًا من علي مطهري، نائب رئيس مجلس النواب السابق، الذي يتميز بصراحته والذي يعتقد أن تصريحات فتاح لا علاقة لها بالترشح للرئاسة، بل كانت محاولة للدفاع عن «الحقوق العامة التي ينتهكها أصحاب النفوذ والمؤسسات». وأعرب مطهري عن تقديره لجرأة فتاح في استهداف حرس المرشد الأعلى «بوصفها خطوة في الاتجاه الصحيح».

الطريق إلى الرئاسة يتطلب تكسير العظام

ويختم المراسل قراءته للمشهد قائلًا: سواء كان فتاح يستعد للترشح للرئاسة أم لا، يبدو أنه حرَّض بالفعل غالبية النخب السياسية ضده، وربما يواجه معركة أكثر صعوبة في مسيرته السياسية. ومع ذلك، فإن حقيقة أنه استهدف الحرس الثوري الإيراني والسياسيين المتشددين المقربين من المرشد الأعلى، لم يكن من الممكن تصوره دون حصوله على ضوء أخضر من الأخير. وهذا مرةً أخرى يجعل الصورة ضبابية، ويؤدي إلى ظهور نظريات مفادها أن فتاح هو، في الوقت الحالي، قرة عين آية الله، وإذا كان يتنافس على الرئاسة، فيمكنه أن يحظى بدعم أقوى رجل في المشهد السياسي الإيراني.

منطقة الشرق

منذ شهرين
«أحلام» أحمدي نجاد.. هل يمكن لمن عصى أوامر خامنئي أن يصبح رئيس إيران المقبل؟

ومع أنه من الناحية التقليدية، لم يعلن المرشد الأعلى لإيران عن تأييده لمرشحي الرئاسة، فإن اختياره في كل انتخابات كان دائمًا سرًّا مُذاعًا. وبغض النظر عن ملحمة فتاح، ربما يتعين هذه المرة على آية الله خامنئي، الاختيار من بين قائمة سريعة النمو من المحافظين الذين يتنافسون معًا في سباق محتدم بالفعل مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية.

وفي هذا الشأن، قال السياسي المحافظ وعضو مجلس تشخيص مصلحة النظام، محمد رضا باهنار، في بيان ساخر، ليكشف عن الترتيبات المعقدة الحادثة قبيل الانتخابات الرئاسية: «بالنظر إلى كثرة المرشحين، سيتعين علينا تصدير بعض المرشحين إلى دول أخرى حصلت على الاستقلال مؤخرًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد