نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية تحليلًا أعده سيث جي فرانتسمان، الباحث والكاتب في شؤون الشرق الأوسط في الصحيفة، خلُصَ إلى أن إيران تستخدم سياسة خطيرة، وتلعب لعبة معقدة قد تكون مميتة، إلا أنها في هذه اللعبة قد تفضل أن تتفادى خوض صراعٍ ضخم.

استهل المقال بالإشارة إلى تبادل إطلاق النار الذي وقع لفترة وجيزة، في الأول من سبتمبر (أيلول)، بين مجموعة تابعة لحزب الله في سوريا وقوات إسرائيلية، وما زعمته وسائل إعلامية – تناصر عادة حزب الله- أن المجموعة المسلحة اختارت ألا تطلق النار على الإسرائيليين، الذين كان يجري إجلاؤهم.

ورأى الكاتب أن القرار بالكشف عن الادعاء القائل بأنهم «كانوا يستطيعون، إلا أنهم اختاروا ألا يفعلوا ذلك» يشبه كثيرًا ادعاء إيران في شهر يونيو (حزيران) الماضي بأنها كانت تستطيع أن تسقط طائرة استطلاع أمريكية من طراز US P-8 لكنها اختارت ألا تفعل.

وأضاف الكاتب أن ادعاء حزب الله يوم الأحد كان جزءًا من تأكيدين اثنين بأنه تراجع عن إسقاط ضحايا إسرائيليين، حتى مع قوله إن العملية كانت «انتقامًا» من استخدام إسرائيل الصواريخ المضادة للدبابات، وقال الحزب في الادعاء الثاني – الذي ورد في قناة الميادين- إنها رأت أن أحد الجنود الإسرائيليين كان من أصول إثيوبية، وامتنع عن الهجوم.

كما ادعت إيران في 22 يونيو الماضي أنه كان باستطاعتها إسقاط طائرة أمريكية من طراز US P-8 كان على متنها 35 شخصًا، بعد أن أسقطت طائرة أمريكية متطورة بدون طيار، لكنها اختارت ألا تفعل ذلك.

وصرح العميد أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري الإيراني، لوكالة تسنيم الإخبارية، قائلًا: «إلى جانب الطائرة الأمريكية بدون طيار، التي كانت موجودة في المنطقة، كانت هناك أيضًا طائرة من طراز P-8 تحمل 35 شخصًا».

«ي. أحرونوت»: ماذا تعرف عن مجندات الجيش الإسرائيلي اللاتي يراقبن مقاتلي حماس؟

رسائل أم تفادي خسائر؟

ليس مهمًّا مدى صحة هذه الادعاءات، لكن الأهم أن إيران وحليفها حزب الله يرسلان هذه الرسائل، وقد يكون أيضًا متعلقًا برغبة إيران في تفادي إسقاط ضحايا أمريكيين أو إسرائيليين؛ لأنها تعلم أن الانتقام سيكون قاسيًا، بحسب الكاتب.

ويضيف التحليل أن إيران تلعب لعبة معقدة وقد تكون مميتة، مستخدمة سياسة «حافة الهاوية»، إلا أنها في هذا المضمار، قد تفضل أن تتفادى صراعًا ضخمًا حتى يتسنى لها القيام بأفضل ما تقوم به؛ ألا وهو بسط النفوذ والتمدد البطيء الثابت.

Embed from Getty Images

هذا يعني أن إيران وحلفاءها يعلمون جيدًا أن إعطاء خصومهم سببًا للهجوم؛ سيلحق الضرر بمصالح إيران بشكل محقق، باختصار: لا تريد إيران تمكين المتشددين.

هذا هو بالطبع النموذج ذاته الذي تحاول إيران بيعه في الخارج، مجادلة بأن الدول إذا ما تعنتت مع إيران فسوف يظهر المتشددون، لكن الكاتب يصف الرواية الإيرانية بأنها وهم إلى حد كبير؛ لأن النظام الإيراني كله متشدد، ويبدو قلقًا فعلًا من الاحتكاك الجاد مع العدو.

ويشير الكاتب إلى أنه بالنسبة للنظام الإيراني الحالي، لطالما كان العدو هو الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن إيران لا تخشى من توجيه ضربات للآخرين، مثل المنشقين، أو حتى دفع حلفائها المتمردين الحوثيين لإطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار ضد السعودية، لكنها أكثر تحفظًا حتى الآن من أن تنخرط بعمق في اشتباكٍ مع الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل، اللذين تراهما ألد أعدائها.

العين بالعين.. لكن بخطوات محسوبة

لطالما كانت السياسة الإيرانية تجاه الولايات المتحدة وآخرين هي سياسة الندية والعين بالعين، منذ حرب الخليج الأولى (أو حرب الناقلات) الشرسة التي خاضتها مع صدام حسين في الثمانينيات. لم تكن أبدًا خائفة من التراجع أو محاولة التحرش بالولايات المتحدة أو حتى الاشتباك معها، لكنها في الوقت ذاته، لم تسع أبدًا إلى خوض حرب كبرى تعلم جيدًا أنها ستخسرها.

بدلًا من ذلك، كانت دائمًا حريصة على أن تستقرئ ما يمكن للحكومات الأمريكية أن تفعله بدءًا من ريجان وحتى ترامب.

حتى في المرات التي وجهت إيران فيها ضربات للقوات الأمريكية، سواء في لبنان أم العراق أم الخليج، فعلت ذلك بطريقة محسوبة، وأسفر هذا أحيانًا عن خسائر للقوات الأمريكية، وربما إهانة للولايات المتحدة في بعض الأحيان، لكن الأمر لم يتطور أبدًا لحرب كبيرة.

ويضيف الكاتب أن إيران تبدو وكأنها تدرك التحدي الذي تواجهه مع إسرائيل، فمنذ 2017 وإسرائيل تعترف علانية بقصف أهداف إيرانية على الأراضي السورية، وتوجت تصريحاتها بالإعلان مؤخرًا عن تنفيذها أكثر من 1000 ضربة جوية.

وكانت أبرز ردود إيران هو استهداف طائرة بدون طيار في فبراير/ شباط 2018، وصواريخ في مايو/ أيار 2018، وصاروخ في يناير/ كانون الثاني 2019.

وكان الرد الإيراني الأكثر سرية هو تمرير الأسلحة لحزب الله، أو تأسيس بنية تحتية في مدن سورية.

حسابات جديدة

إلا أن الاشتباكات الأخيرة مع الولايات المتحدة في يونيو، وبين حزب الله وإسرائيل في الأول من سبتمبر، توضح أن هناك حسابات أعمق بين يدي طهران، بحسب الكاتب.

على سبيل المثال، كانت قراءة إيران للرئيس ترامب صحيحة، عندما أسقطت الطائرة بدون طيار في يونيو الماضي، إذ ألغى ترامب غارة جوية انتقامية ربما كانت ستودي بحياة مواطنين إيرانيين. فهل ستكون حسابات حزب الله صحيحة كذلك؟ هذا هو السؤال الذي يُطرَح في بيروت وطهران.

«واشنطن بوست»: هل سنشهد هذا الشهر لقاء ترامب مع روحاني؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد