خوفًا من ردٍ شرسٍ من ترامب، استمع الزعيم الإيراني، خامنئي، إلى نصيحة بريطانية وطلب من القوات شبه العسكرية العراقية التراجع.

كتبت سعداد الصالحي، صحفية عراقية تغطي شؤون الأمن والسياسة في العراق، تقريرًا نشره موقع «ميدل إيست آي» الإخباري حول الأوامر التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي مؤخرًا للجماعات شبه العسكرية في العراق بضرورة التوقف عن الهجوم على المصالح الأمريكية في البلاد حتى لا يعطي ذلك لترامب ذريعة للقيام بعمل طائش، وحتى يعطي لرئيس الوزراء العراقي الكاظمي قدرًا من الراحة خاصة أن أي عمل عسكري في العراق يمكن أن يسفر عن سقوط الحكومة التي تعاني من متاعب مالية كبيرة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن انخفاض أسعار النفط؛ مما سيؤدي بالضرورة إلى متاعب لإيران.

يكشف موقع ميدل إيست آي أن الأمر الصادر للفصائل المسلحة العراقية بوقف هجماتها على المصالح الأمريكية الأسبوع الماضي جاء مباشرة من المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.

وقف الهجمات في الحال

وفقًا لقادة الفصائل الشيعية المسلحة والسياسيين، كانت أوامر خامنئي «صريحة» وطالبت الجماعات شبه العسكرية بوقف هجماتها «في الحال».

يقول قائد كبير لفصيل مسلح مدعوم من إيران ضالع في الهجمات لموقع ميدل إيست آي: «كانت أوامر خامنئي مباشرة وواضحة. يجب أن تتوقف جميع الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق».

وكانت السفارة الأمريكية في بغداد والقواعد العسكرية التي تستضيف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة وقوافل الدعم اللوجستي قد تعرضت لهجمات شبه يومية بصواريخ الكاتيوشا والمتفجرات وأحيانًا النيران المباشرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية. ورغم أن هذه الهجمات لم تسفر عن خسائر كبيرة، إلا أن تكرارها أزعج الحكومتين العراقية والأمريكية وأثار قلق البعثات الدبلوماسية، خاصة بعد استهداف قوافل تابعة للأمم المتحدة وقوافل بريطانية.

Embed from Getty Images

وردًا على ذلك، هدَّد وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بإغلاق سفارة واشنطن في بغداد ما لم يجرِ إسكات المهاجمين. يقول مسؤولون عراقيون لموقع ميدل إيست آي إن بومبيو تعهد أيضًا بضرب عشرات الأهداف، بما في ذلك المقرات السرية والمواقع التابعة للفصائل المسلحة والسياسيين المدعومين من إيران.

الكاظمي بحاجة إلى التقاط الأنفاس

وأوضحت الكاتبة أنه إلى جانب هذه التهديدات، رأت طهران ضرورة منح حكومة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي فرصة لالتقاط الأنفاس؛ إذ تصارع الحكومة بالفعل أزمة مالية ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، فضلًا عن جائحة فيروس كورونا وعدم اليقين الذي يحيط بانهيار الحكومة، وذلك من شأنه أن يسبب صداعًا جديدًا لإيران.

وكانت كتائب حزب الله العراقية، الفصيل الأكثر عداءً للولايات المتحدة والمتهم بتنفيذ غالبية الهجمات، أول من استجاب لأمر خامنئي. وسرعان ما تبعتها حركة حزب الله النجباء وفصائل صغيرة أخرى.

يقول قائد بارز في إحدى الفصائل المسلحة المشاركة في هذه الهجمات لموقع ميدل إيست آي: «يسعى الأمريكيون إلى تأجيج غضب الناس ضدنا بطرق مختلفة، لذلك قررنا أن إحباط جهود الأمريكيين في هذا الصدد أهم من استهداف السفارة الأمريكية». وأضاف: «تمثل تهدئة الشارع العراقي والمحافظة على الحكومة العراقية والعملية السياسية أولوية بالنسبة لنا الآن، لذلك تقرر تعليق جميع الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية في العراق حتى زوال الخطر».

نصيحة مهمة

ولفتت الكاتبة إلى أن التحوّل الكبير في موقف الفصائل المسلحة المدعومة من إيران وتوقيت إعلان هذه الهدنة من جانب واحد أثار تساؤلات كثيرة حول الهدف الحقيقي لهذا القرار وشروطه وحدوده الزمنية وهوية الطرف الضامن، والأهم من ذلك: مَنْ الذي يتخذ القرار؟

Embed from Getty Images

كان العراق أحد أكبر ساحات الصراع بين الولايات المتحدة وإيران منذ عام 2003. ويسيطر البلدان على عشرات الجماعات المسلحة، فضلًا عن القادة السياسيين والعسكريين الذين يعملون على تنفيذ أجنداتهم. يقول مسؤولون عراقيون إن الإدارة الأمريكية تخشى أن تهاجم الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران سفارة بغداد لإحراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بمدة رئاسة ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

إنه سيناريو يعكس الاستراتيجية التي استخدمتها طهران في الأشهر الأخيرة، ومخاوف واشنطن لها ما يبررها. يقول مسؤولون عراقيون وقادة فصائل مسلحة لموقع ميدل إيست آي، إنه جرى تشجيع الفصائل المسلحة على مهاجمة الأهداف الأمريكية «للضغط على ترامب وحلفائه في العراق» ودفْعِه إلى اتخاذ إجراءات متهورة قد تؤدي إلى خسارة الانتخابات.

لكن يبدو أن الحسابات تغيرت بعد أن «تأكَّد الإيرانيون من خطورة التهديدات التي وجَّهها بومبيو عبر الرئيس العراقي برهم صالح بضرب المصالح الإيرانية وحلفائها داخل العراق»، بحسب زعيم شيعي كبير مقرب من طهران. وقال السياسي، الذي شارك في محادثات مع إيران، لموقع ميدل إيست آي: «تلقى الإيرانيون نصيحة مهمة جدًّا من حليف مشترك كان لها تأثير واضح في تغيير موقفهم».

وأضاف ذلك السياسي: «النصيحة مفادها تجنَّبوا استفزاز ترامب في هذه المرحلة لأنه جاد بشأن تهديداته ولأنه يائس ولن يتردد في القيام بعمل طائش سيكلف الجميع ثمنًا غاليًا». وتابع: «أي عمل عسكري داخل العراق الآن يعني سقوط الحكومة العراقية، وإيران نفسها لن تكون قادرة على التعامل مع تداعيات سقوط الحكومة، لا سيما النتائج ذات الطبيعة السياسية والمالية والاقتصادية».

الحليف المشترك يسدي النصح لإيران

بريطانيا هي «الحليف المشترك» الذي يُشار إليه في ثنايا الحديث، وهي دولة يعتقد زعماء الشيعة أنها اللاعب الحقيقي في الساحة العراقية في الوقت الحاضر، ويعود الفضل لها في إقناع الإيرانيين بتجنب استفزاز الأمريكيين وتبني خيار التهدئة.

يقول السياسي: «لا توجد معلومات واضحة، لكن كل المؤشرات تشير إلى أن البريطانيين هم من لعبوا دورًا مؤثرًا هذه المرة، رغم أنهم لم يظهروا في الصورة كالمعتاد». وأضاف: «لديهم قنوات اتصال مع جميع الأطراف، بما في ذلك الفصائل المسلحة، وهم يتفاوضون منذ مدة طويلة مع الفصائل، وتحديدًا كتائب حزب الله، بهدف وقف الهجمات».

وطلب موقع ميدل إيست آي من وزارة الخارجية البريطانية التعليق، لكنه لم يتلق أي تعليق حتى وقت النشر.

حفظ ماء الوجه

وترى الكاتبة أن التحول المفاجئ في الموقف الإيراني تزامن مع سلسلة من اللقاءات، المُعلنة والسريَّة، التي عقدتها ممثلة الأمم المتحدة الخاصة لدى العراق جينين هينيس-بلاسخارت مع قادة الفصائل المسلحة المدعومة من إيران. وكان آخر هذه اللقاءات مع زعيم كتائب حزب الله ورئيس أركان هيئة الحشد الشعبي عبد العزيز المحمداوي «أبو فداك» مطلع الشهر الجاري، ما دفع المراقبين إلى ربط هذه اللقاءات بالهدنة المعلنة الأسبوع الماضي.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن جينين فشلت في التوصُّل إلى أي نتيجة في هذه اللقاءات، كما قال القادة لموقع ميدل إيست آي. ورفض أبو فداك مقابلة جينين ثلاث مرات، ولم يتحوَّل عن رأيه إلا في النهاية بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، حسبما قال اثنان من القادة المقربين من زعيم كتائب حزب الله لموقع ميدل إيست آي.

يقول قائد بارز في هيئة (قوات) الحشد الشعبي مقرب من أبي فداك وعلى دراية بالمحادثات لموقع ميدل إيست آي: «لا علاقة لـ جينين بالهدنة المعلنة، على الرغم من اجتماعها مع أبي فداك الذي ركَّز على الهجمات التي شُنَّت ضد المصالح الأمريكية في العراق». وتابع «طلبت جينين من أبي فداك التدخل لكنه رفض. وقال إنه لا يمكن أن يكون وسيطًا بين الفصائل (العراقية) والأمريكيين».

وقال القائد إن الولايات المتحدة ارتكبت «خطأ كبيرًا» عندما قتلت الجنرال الإيراني قاسم سليماني والشريك المؤسس لكتائب حزب الله أبو مهدي المهندس في غارة بطائرة من دون طيار على مطار بغداد في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي. وكان الاثنان «أهم شخصين» مسؤولَيْن عن «الحفاظ على التوازن في العراق، وكان بإمكانهما إيقاف هذه الهجمات بكلمة واحدة».

وأضاف القائد: «الأمريكيون هم مَنْ بدأوا هذه الفوضى، وبإمكانِهم إنهاء ذلك بمغادرة العراق. الحل هو أن يغادر الأمريكيون في غضون مدة زمنية معقولة، وليس ثلاث سنوات كما طُلب منهم». وأضاف: «عرض أبو فداك على الأمريكيين مهلة للانسحاب خلال شهرين إلى ثلاثة أشهر، على أن يضمن لهم الحماية الكاملة والمساعدة في نقل معداتهم وآلاتهم وأفرادِهم إلى الكويت إذا وافقوا».

هل لعبت مبعوثة الأمم المتحدة دور الوسيط؟

أشارت الكاتبة إلى أن جينين تعرضت لانتقادات واسعة النطاق في العراق بسبب لقائها مع أبي فداك، واتُّهمت بالاعتراف ضمنيًّا بسلطته ونفوذه. لكن مهمتها لم تمثل فشلًا ذريعًا في حقيقة الأمر. وينسب البعض إلى حوارات مبعوثة الأمم المتحدة الفضل في توفير مخرج لبقية الفصائل للموافقة على وقف إطلاق النار دون أن تبدو ممتنةً بالفضل لإيران.

يقول قائد أحد الفصائل الضالعة في الهجمات لموقع ميدل إيست آي: «كانت جينين اللاعب الرئيس (الجوكر) في المفاوضات التي أدَّت إلى الهدنة بين الفصائل والسفارة الأمريكية». لقد لعبت دور الوسيط وكانت قناة اتصال غير مباشرة بين الطرفين. وأضاف: «عملت على إيجاد منطقة وسط يمكن أن يلتقي فيها الطرفان، لذلك تقرر وقف الهجمات وتهدئة الوضع حتى تنضج المفاوضات، وبعد ذلك يجري تحديد المهلة الزمنية اللازمة للانسحاب والهدنة».

Embed from Getty Images

وشدد القائد على أن الأمم المتحدة وجينين لم يقدما أي ضمانات للجماعات المسلحة، لكن عقلية المبعوثة الأممية بصفتها وزيرة دفاع هولندية سابقة «خلقت نوعًا من التفاهم بيننا وبينها». وقال: «في هذه المرحلة، نحن واثقون من أنها ستنجح في إدارة هذا الملف». وقالت بعثة الأمم المتحدة في بغداد لموقع ميدل إيست آي إنها: «ليس لديها أي تعليق في هذه المرحلة» فيما يتعلق بالادعاءات حول المفاوضات التي تجريها جينين.

اجتماعات في قم

تقول الكاتبة إنه على غير العادة، لم يُنقل أمر خامنئي إلى الفصائل المسلحة عبر القنوات العادية أو المسؤولين الإيرانيين العاملين في العراق. وبدلًا من ذلك، و«نظرًا لأهمية الأمر»، استُدعِيت قادة أبرز الفصائل، بما في ذلك منظمة بدر، أقدم جماعة شيعية مدعومة من إيران في العراق؛ وكتائب حزب الله؛ وعصائب أهل الحق، أقوى فصيل، إلى قم للقاء خامنئي، حسبما قال ثلاثة من قادة الفصائل على الأقل لموقع ميدل إيست آي. 

عربي

منذ 3 شهور
بدأ المعركة مبكرًا.. هل ينجح الكاظمي في كبح جماح الفصائل المسلحة العراقية؟

وكان هناك أكثر من لقاء مع خامنئي. كان أحد هذه اللقاءات مع زعيم تنظيم بدر هادي العامري، والآخر مع ممثلين عن كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، والنجباء، ومستشارين إيرانيين، بالإضافة إلى المسؤول عن ملف العراق.

يقول قائد بارز في فصيل مسلح تدعمه إيران لموقع ميدل إيست آي: «كان جوهر الأوامر التي صدرت هو الحفاظ على السلطة في أيدي الشيعة؛ أي الحفاظ على منصب رئيس الوزراء والحكومة الحالية». وتابع: «يقول السيد خامنئي إن الكاظمي شيعي، بغض النظر عما إذا كان سيئًا أو جيدًا من وجهة نظرنا، وفي النهاية سيترك هذا المنصب عاجلًا أم آجلًا. لكن المنصب يجب أن يظل في أيدي الشيعة».

واختتمت الكاتبة مقالها بقول ذلك القائد إن خامنئي حذَّر من أن شن أي هجمات الآن يمكن أن يهدد حكم الكاظمي، والاستراتيجيات السياسية للجميع تبعًا لذلك. وأضاف: «لذلك، يجب على الفور وقف أي نشاط من شأنه أن يهدد الحكومة العراقية أو يضعها تحت رحمة الأمريكيين».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد