نشر معهد «بروكنجز» الأمريكي مقالًا للباحث جواد صالحي أصفهاني سلَّط فيه الضوء على الدور الذي تلعبه الطبقة الوسطى في إيران ومدى خطورة ممارستها الضغوط على إيران.

واستهل الكاتب الإيراني مقاله بالإشارة إلى الاجتماع غير المباشر الذي جمع المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين هذا الأسبوع لإجراء محادثات غير مباشرة في العاصمة النمساوية فيينا والاتفاق على إجراءات عودة البلدين إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، المعروف رسميًّا باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)».

ولم يزل ملايين الإيرانيين يعانون اقتصاديًّا تحت وطأة عقوبات حملة «الضغط الأقصى» الأمريكية وجائحة فيروس كورونا المستجد. وفي غضون ذلك تنتظر إدارة بايدن عودة إيران إلى الامتثال للاتفاقية قبل التفكير الإدارة الأمريكية في تخفيف العقوبات.

 وقد ظهرت عشرات المقالات ورسائل الكونجرس من الحزبين التي تطالب الرئيس بايدن بالاستمرار في حملة «الضغط الأقصى» التي مارسها سلفه دونالد ترامب على إيران، واستخدام الأضرار التي لحقت بقوت يوم ملايين الإيرانيين باعتبارها وسيلة ضغط لانتزاع المزيد من التنازلات من إيران.

رغبة الطبقة الوسطى وليس العقوبات

وأوضح الكاتب أن التأخير في تسوية الخلافات المرتبطة بالاتفاق النووي المُعَطَّل لا يرجع إلى مجرد صعوبة تحديد مَنْ يأخذ الخطوة أولًا؛ ذلك أن هناك اعتقاد بأن العقوبات تُضعِف موقف إيران التفاوضي. وهذا الاعتقاد، الذي لا تدعمه أدلة كافية، يشكِّل قراءة مغلوطة لتاريخ الاتفاق النووي.

إذ إن ما جلب إيران إلى طاولة المفاوضات في عام 2013 لم يكن الضائقة الاقتصادية الناجمة عن العقوبات التي فرضتها إدارة باراك أوباما عليها، بل كان رغبة شعبية من الطبقة الوسطى في إيران في تحسين الاقتصاد من خلال الوصول إلى الاقتصاد العالمي، إن لم يكن من خلال تحسين العلاقات مع الغرب.

وفي عام 2013 وبدعم قوي من الطبقة الوسطى، انتُخِب حسن روحاني رئيسًا للتفاوض على اتفاق نووي مع الولايات المتحدة، وهو مطلب رئيس للناخبين. ولم ينجم فوزه عن ضائقة اقتصادية، بل عن الأمل في مستقبل أفضل. وعلى الرغم من أن العقوبات التي فرضها أوباما أثَّرت على أجندة الانتخابات، إلا أنها لم تكن المحرك الأساسي لنتيجة الانتخابات.

Embed from Getty Images

وفي غضون أشهر من فرض العقوبات انهارت قيمة العملة الإيرانية؛ الأمر الذي أطلق العنان للتضخم الذي قوَّض المكاسب التي حققتها مستويات معيشة الإيرانيين العاديين، بما في ذلك الطبقة الوسطى. ولكن العقوبات وحدها ما كانت لتُفْضِي إلى الاتفاق النووي، كما أثبتت العقوبات الأشد قسوة في ظل حكم ترامب.

وشدَّد الكاتب على أن عقدًا من الركود الاقتصادي الناجم عن العقوبات والوعود التي لم يُوفِ بها المجتمع الدولي أوصلت الطبقة الوسطى في إيران إلى مرحلة قد تعيد فيها النظر في مستقبلها باعتبارها قوة للاعتدال السياسي والعولمة، وهو مستقبل قد يحدده ما ينجزه فريقا بايدن وروحاني في فيينا في الأسابيع المقبلة.

الضغط الشعبي: صعود الطبقة الوسطى في إيران

ولفت الكاتب إلى التحوُّل الذي طرأ على الطبقة الوسطى في إيران في السنوات الـ15 التي سبقت عقوبات أوباما عام 2011؛ إذ ضاعفَ النموُ الاقتصادي المستدام الناتجَ المحلي الإجمالي لنصيب الفرد وانتشلَ الملايين من براثن الفقر ونقلهم إلى الطبقة الوسطى. وكان هذا التحوُّل نتاجًا للإصلاحات القائمة على السوق بعد نهاية الحرب مع العراق، والاستثمار العام المنحاز للمناطق الريفية في البنية التحتية والتعليم والصحة وارتفاع أسعار النفط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

دولي

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: صفقة بـ400 مليار دولار مع إيران.. هل تعزز نفوذ الصين في المنطقة؟

وخلال المدة نفسها أوضحت بيانات مسح استقصائي أن متوسط مستويات المعيشة في المناطق الحضرية، موطن الطبقة الوسطى، قد زاد إلى أكثر من الضعف. وطبقًا لعتبة الدخل المقبولة على نطاق واسع (الإنفاق الفردي أعلى من 11 دولارًا من حيث تعادل القوة الشرائية، أو ضعف خط الفقر الذي حدده البنك الدولي عند 5.5 دولارات بالنسبة للبلدان في الشريحة العليا من فئة الدخل المتوسط).

وخلال هذه المدة نَمَت الطبقة المتوسطة بسرعة من 28% إلى 60% من إجمالي عدد السكان، وارتفعت الغالبية من صفوف الفقراء، الذين انخفضت نسبتهم من 33% إلى 7%. (انخفضت الشريحة الدُنيا من الطبقة المتوسطة من 38% إلى 32% بينما ضاعفت المجموعة الأعلى دخلًا حصتها من 1% إلى 2%).

القوة الانتخابية

وأوضح الكاتب أن الطبقة الوسطى في إيران، باعتبارها أكبر طبقة اجتماعية تتمتع بأعلى مستوى تعليمي، تشكل كتلة تصويتية قوية. وفي عام 1997، عندما انتخبت إيران أول رئيس معتدل ومؤيد للتقارب مع الغرب، محمد خاتمي، كانت الطبقة الوسطى تمثل 30.5% فقط من السكان و56.1% من السكان المتعلمين ممن لهم الحق في التصويت (أكبر من 16 سنة وحاصل على التعليم الثانوي على الأقل). وبحلول عام 2011، ضاعفوا حصتهم من السكان إلى 59.8% ومن الناخبين المتعلمين إلى 80.9%.

Embed from Getty Images

وقد استفاد روحاني في عام 2013 استفادة كبيرة من دعم الطبقة الوسطى التي نشَّطها وعده بإنهاء العقوبات وإصلاح العلاقات مع الغرب. وفاز روحاني في الجولة الأولى على ستة مرشحين آخرين بنسبة 51% من مجموع الأصوات. وبعد أربع سنوات، بعد توقيعه على الاتفاق النووي وانتعاش الاقتصاد مرةً أخرى في حين خُففت العقوبات لمدة وجيزة في عام 2016، أُعِيد انتخاب روحاني بأغلبية ساحقة.

وحصل على 57% من الأصوات ضد منافسه إبراهيم رئيسي، رئيس السلطة القضائية الحالي. وقد قفزت نسبة تصويت روحاني من 49% في عام 2013 إلى 79% في عام 2017 في ضاحية شميرانات شمال طهران التي تقطنها الطبقة الوسطى المزدهرة؛ الأمر الذي يدل على تزايد شعبيته بين أبناء الطبقة الوسطى.

العقوبات وخطة العمل الشاملة المشتركة

وأضاف الكاتب أن العقوبات التي فرضها أوباما على إيران ساعدت في تحقيق الاتفاق النووي؛ لأنها قدمت طريقًا سلميًّا للاقتصاد الذي كانت الطبقة المتوسطة على دراية به، والذي ازدهرت فيه. وكذلك ساعدت بالطريقة التي أظهرت بها للطبقة الوسطى هشاشة الروابط العالمية لإيران، وضرورة تقييد إيران لطموحاتها النووية للوصول إلى الاقتصاد العالمي. ونجحت العقوبات كذلك لأن السياسة الأمريكية المعلنة لم تكن تهدف إلى تغيير النظام، ولم تحرِّض الطبقة الوسطى الإيرانية ضد قيادة بلادهم أو قواتهم الأمنية القوية.

وعلى النقيض من عقوبات أوباما، طالب دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو طهران بالاستسلام وتحدثت إدارة ترامب في كثير من الأحيان عن تغيير النظام، ودعت الإيرانيين إلى المشاركة في الإطاحة بحكومتهم دون علاج مخاوفهم إزاء الكيفية التي ستخرج بها إيران على نحو أفضل من الدول الأخرى في المنطقة التي شهدت تغييرًا جذريًا مماثلًا. ولم تكترث الطبقة الوسطى في إيران بتلك الدعوات؛ لأنها كانت منشغلة تمامًا في إدارة الحياة إدارة كاملة خلال الأزمات الاقتصادية والصحية.

وفي خريف 2018 عندما اندلعت الاحتجاجات في أعقاب ارتفاع أسعار الطاقة، غابت الطبقة الوسطى عن تلك الاحتجاجات في طهران وغيرها من المدن الكبرى على نحو ملحوظ.

مستقبل الطبقة الوسطى

نوَّه الكاتب إلى أن إدارة بايدن تزعم أن سياستها الخارجية تخدم مصالح الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة. لكن يتعين عليها أن تكون لها نظرة أبعد وأشمل إلى الطبقات الوسطى في البلدان النامية، وخاصة تلك الموجودة في الشرق الأوسط. وغالبًا ما يُنظر إلى الطبقة الوسطى على أنها ركيزة للقيم الديمقراطية، لكن هذه القيم لا تزدهر في الأوقات الاقتصادية العصيبة.

Embed from Getty Images

وكما حذر جون ماينارد كينز، الاقتصادي والكاتب البريطاني، في عام 1919 يمكن أن ترجح الضائقة الاقتصادية كفة الميزان بسهولة لصالح الحكام المستبدين الذين يوفرون الأمن الاقتصادي.

وعاشت الطبقة الوسطى في إيران وضعًا اقتصاديًّا متقلبًا، ارتفاعًا وهبوطًا، منذ عام 2011. وتابعت سنوات النمو السلبية والإيجابية بعضها بعضًا، في الغالب مع تكثيف العقوبات أو تخفيفها. وفي العام الماضي، عاد متوسط ​​إنفاق الفرد الحقيقي إلى ما كان عليه في عام 2001، قبل طفرة النفط. ومنذ عام 2011 تقلصت الطبقة المتوسطة بنحو 8 ملايين شخص.

ويشير استطلاع للرأي أجري في أوائل عام 2021 إلى أن المصاعب الاقتصادية غيَّرت نظرة الإيرانيين بعيدًا عن دعم السياسيين المعتدلين والعولمة. وقد انخفض الدعم لخطة العمل المشتركة من حوالي 80% وقت التوقيع على الاتفاقية لأول مرة إلى 50% الآن. وتعتقد أغلبِية المستطلعين أن حكومتهم يجب أن تنتظر رفع الولايات المتحدة للعقوبات قبل التحدث مع بايدن.

دولي

منذ شهر
مفاوضات النووي الإيراني: هل يعرف الأمريكيون كلمةَ «ضمانات»؟

وكذلك أظهر الاستطلاع تراجع شعبية الرئيس روحاني وإدارته، إذ ينظر إليه شخص واحد فقط من كل ثلاثة أشخاص نظرة إيجابية موازنةً بثلاثة من كل أربعة إلى إبراهيم رئيسي، الذي مُنِيَ بهزيمة ساحقة أمام روحاني في عام 2017. كما ينظر إلى أكثر أعضاء حكومة روحاني شعبية، وزير الخارجية جواد ظريف، على نحو أقل تفضيلًا من رئيسي.

ويرجِّح الكاتب في ختام مقاله أن يسيطر المحافظون على فروع الحكومة كافة في الأعوام المقبلة بالنظر إلى أن خطة العمل المشتركة لن تُدعم وتُنفذ قبل يونيو (حزيران) عندما تنتخب إيران رئيسًا جديدًا. وهذا من شأنه أن يزيد من صعوبة مهمة بايدن المتمثلة في العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة وتمديدها. ومع ذلك وبقدر ما هو صعب على الولايات المتحدة تعليق أداة العقوبات المفضلة لديها، فمن الأفضل من منظور طويل الأمد أن تتوقف عن استخدام الطبقة الوسطى في إيران باعتبارها وسيلة للضغط على الحكومة الإيرانية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد