نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرًا لمراسلَيْها لويزا لوفلوك وجون هدسون بشأن القلق الذي ينتاب الولايات المتحدة من تحول الميليشيات العراقية المدعومة من إيران إلى استخدام الطائرات المسيَّرة في هجماتها على قوات التحالف في العراق.

وأشار المراسِلان في مستهل تقريرهما إلى القلق المتنامي الذي يساور المسؤولين العسكريين الأمريكيين في العراق من جرَّاء هجمات الميليشيات المدعومة من إيران باستخدام طائرات مسيَّرة لتجنب أنظمة الكشف الدفاعية المثبتة حول القواعد العسكرية والمنشآت الدبلوماسية.

استخدام الدرونز يثير المخاوف

يقول مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون إنه بدلًا من الصواريخ، تحول رجال الميليشيات في بعض الأحيان إلى استخدام طائرات مسيَّرة صغيرة ثابتة الجناحين تحلق على ارتفاع منخفض للغاية بحيث يتعذر على الأنظمة الدفاعية اكتشافها. ووصف مسؤول في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تطور تهديد الطائرات المسيَّرة بأنه مصدر القلق الأكبر للمهمة العسكرية في العراق.

عربي

منذ أسبوع
لماذا تتنافس قوى العراق المختلفة على غرب العراق وإقليم «سنجار»؟

وفي أبريل (نيسان)، استهدفت غارة بطائرة مسيَّرة حظيرة طائرات تابعة لوكالة المخابرات المركزية داخل مجمع المطار في مدينة أربيل الشمالية، وفقًا لمسؤولين مطلعين على الأمر.  وقد جرى تعقب رحلة الطائرة المسيَّرة حتى مسافة 10 أميال (16 كم) من الموقع المستهدف، ولكن بعد ذلك فُقِد مسارها أثناء انتقالها إلى مسار طيران مدني، على حد قول مسؤول التحالف.

وأضاف المسؤول أن بقايا الطائرة المسيَّرة استعيدت جزئيًّا، وأشار التحليل الأولي إلى أنها صُنِعت في إيران. وقد أثار الهجوم قلق مسؤولي البيت الأبيض والبنتاجون بشدة بسبب الطبيعة السرية للمنشأة وتعقيد الضربة.

مداولات بشأن الرد

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين غربيين قولهم إن الهجوم أثار مداولات استمرت طيلة الليل بشأن طبيعة الرد على تلك الضربة رُغم أنها لم تسفر عن إصابة أي شخص. ودعا بعض المسؤولين الأمريكيين إلى التفكير الجاد في الرد العسكري، ومن بينهم بريت ماكجورك، منسق مجلس الأمن القومي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حسبما قال شخصان مطلعان على الأمر. وقررت إدارة بايدن في النهاية عدم اللجوء إلى عمل عسكري.

وقد أثار هجوم مماثل بطائرة مسيَّرة في مايو (أيار) على قاعدة عين الأسد الجوية المترامية الأطراف، مخاوف مماثلة بين قادة التحالف بشأن كيفية تكييف الميليشيات لتكتيكاتها، وفقًا لمسؤولين وأفراد في القاعدة.

ونقلت الصحيفة عن جندي عراقي في قاعدة عين الأسد تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظرًا إلى حساسية الموقف، قوله: «لم يكن الضرر كبيرًا ولكن قوات التحالف كانت منزعجة للغاية. وقالوا لقادتنا إنه تصعيد كبير». وقد سبق أن استهدفت إيران قاعدة عين الأسد بالصواريخ الباليستية في يناير (كانون الثاني) 2020 ردًّا على اغتيال الولايات المتحدة للقائد الإيراني اللواء قاسم سليماني في وقت سابق من ذلك الشهر.

Embed from Getty Images

وتسببت الهجمات الصاروخية التي تشنها الجماعات المدعومة من إيران في بعض الأحيان في مقتل جنود أمريكيين وأفراد أمن ومدنيين عراقيين، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى العمل العسكري الانتقامي ووضع واشنطن وطهران على شفا مواجهة مباشرة على الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من أن التوترات قد خفَّت وتيرتها منذ أن تولى الرئيس بايدن منصبه، فإن المسؤولين يشعرون بالقلق من أن الهجمات المستقبلية لا تزال تخاطر بإثارة حلقة جديدة من العنف المتبادل بالنظر إلى سعي الجماعات المدعومة من إيران لإخراج قوات التحالف من العراق تمامًا.

وأضاف التقرير أن الضغوط العراقية على الولايات المتحدة وقوات التحالف الأخرى للانسحاب ازدادت العام الماضي وسط غضب داخل العراق؛ بسبب قرار إدارة ترامب قتل سليماني وزعيم الميليشيات العراقية أبو مهدي المهندس، باستخدام غارة بطائرة مسيَّرة.

وانخفضت مستويات تعداد القوات الأمريكية بمقدار النصف تقريبًا منذ ذلك الحين، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أن قوات الأمن العراقية تتولى الآن زمام المبادرة في ملاحقة فلول تنظيم الدولة الإسلامية. لكن الأعداد الأمريكية تراجعت أيضًا نتيجة للهجمات الصاروخية المتزايدة، الأمر الذي جعل بعض القادة يصفون جنودهم بأنهم باتوا صيدًا سهل القنص. ويوجد الآن حوالي 3 آلاف جندي من قوات التحالف في العراق، بما في ذلك 2500 أمريكي.

جنسية الضحية؟

ونوَّه التقرير إلى أن تهديد الطائرات المسيَّرة يثير الآن احتمالية تصعيد مفاجئ للعنف في غياب دفاعات فعَّالة، لافتًا إلى أن كل هجوم جديد يثير موجة من الاتصالات؛ إذ يسعى المسؤولون الأمريكيون إلى تحديد هل هناك قتلى أو مصابون من الأمريكيين.

وقال مسؤول غربي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية الموضوع، إن: «موت أمريكي يمثل خطًّا أحمرَ. والسؤال الأول الذي يطرحه الأمريكيون دائمًا هو: ما جنسية الضحية»؟

وقال فرانك ماكنزي، الجنرال في مشاة البحرية والقائد الأعلى للجيش الأمريكي في الشرق الأوسط، في وقت سابق من هذا الشهر، إن الجهود تجري على قدم وساق لتطوير دفاعات أفضل ضد الطائرات المسيَّرة. وقال ماكنزي للصحافيين أثناء زيارته لشمال شرق سوريا إن المسؤولين العسكريين يبحثون عن طرق لقطع روابط القيادة والتحكم بين الطائرة المسيَّرة ومُشغِّلها، وتحسين أجهزة استشعار الرادارات لتحديد التهديد بسرعة مع اقترابها، وإيجاد طرق فعَّالة لإسقاط الطائرة.

Embed from Getty Images

وأضاف، وفقًا لوكالة «أسوشيتد برس»، إننا: «منفتحون على كل ما يمكن أن يحدث. ومع ذلك، لا أعتقد أننا في المكان الذي نريد أن نكون فيه».

وقال مسؤول آخر إنه يجري النظر في أجهزة التشويش الإلكترونية، وكذلك الأنظمة الأخرى التي تطورها القوات الخاصة الأمريكية في سوريا.

وفي أبريل، أعلن البيت الأبيض تشكيل مجموعة عمل مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل «بشأن التهديد المتزايد للطائرات المسيَّرة والصواريخ الدقيقة الموجَّهة التي تنتجها إيران وتقدمها إلى وكلائها في منطقة الشرق الأوسط».

وتحدث أفراد الأمن العراقي في مقابلات، ووصفوا عدم الارتياح والإحباط في القواعد العسكرية بسبب هجمات الطائرات المسيَّرة والصواريخ، وأكدوا أن الضربات على المنشآت المرتبطة بالولايات المتحدة تشكل تهديدًا للعراقيين أيضًا.

وقال الضابط في قاعدة عين الأسد: «أشعر بإحباط شديد عندما أرى هذه الهجمات. نعلم مَنْ أين تأتي، لكن لا يمكننا فعل أي شيء حيال ذلك، حتى بوصفي ضباطًا في الجيش العراقي».

مستقبل التحالف في العراق

وأوضح التقرير أن مستقبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق يمثل محور المناقشات الجارية بين المسؤولين الأمريكيين والعراقيين. وعلى الرغم من أن المسؤولين الأمريكيين قالوا إن العلاقة الأمريكية العراقية تمر بما يُعد شهر عسل جديدًا بعد تنصيب بايدن، فقد أعرب المسؤولون العسكريون العراقيون عن إحباطهم من شعورهم بأنهم شريك صغير في علاقة تركز إلى حد كبير على الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة.

وجرت المحادثات الأولى لإدارة بايدن بشأن القوات في أبريل، وعلى الرغم من أن كلا الجانبين وصف الخطوة نحو تقليص وجود قوات التحالف في العراق بأنها ناجحة، فإن البيان الصادر عن المحادثات بدا وكأنه إعادة صياغة للواقع الحالي أكثر من كونه تحولًا إستراتيجيًّا.

وفي بيان صدر هذا الشهر، وصف مجلس الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران المحادثات الأخيرة بأنها «غير مقبولة شكلًا ومضمونًا» وتعهد بزيادة الضغط على قوات التحالف. وقال المجلس إن: «المقاومة العراقية تؤكد استعدادها الكامل لأداء واجبها المشروع والوطنِي والقانوني لتحقيق هذا الهدف».

وفي العام الماضي، أشاد المسؤولون الأمريكيون بمقتل سليماني والمهندس بوصفه وسيلة لإضعاف التهديد الذي تشكله الجماعات المرتبطة بإيران تجاه القوات الأمريكية في العراق. لكن بدلًا من ذلك، جعلت تلك الضربة التهديد أكثر شيوعًا. ويقول مسؤولون أمنيون ومحللون إن الجماعات المرتبطة بإيران تَسِنُّ أسنانها منذ ذلك الحين، وتعمل على زرع أعضاء الميليشيات التابعة لها بين عدد متزايد من الجماعات الأصغر، التي تهاجم بانتظام الآن أهدافًا مرتبطة بالولايات المتحدة.

وتضم شبكة الميليشيات العراقية، المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي، بعض الجماعات التي تدعمها إيران، وأخرى غير مدعومة من إيران. وهم يمثلون جزءًا رسميًّا من قوات الأمن العراقية، ويتمتع أعضاؤها بنفوذ واسع في جميع جوانب الاقتصاد العراقي والنظام السياسي في العراق. وتقول جماعات حقوق الإنسان أيضًا إن الميليشيات تقف وراء موجة متصاعدة من الاغتيالات التي تستهدف منتقديها.

ولفت التقرير إلى أن مسؤولين حكوميين وأمنيين عراقيين يقولون سرًّا إنهم يخشون تداعيات أي جهود متواصلة لكبح جماح الجماعات المرتبطة بإيران التي تشن هجمات على أهداف عسكرية غربية، أو تطلق النار على ناشطين في الشوارع.

وفي الساعات الأولى من صباح الأربعاء الماضي، حاول رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، فعل ذلك، من خلال الأمر بإلقاء القبض على قاسم محسن، أحد كبار قادة الحشد الشعبي، المرتبط بكليهما. وفي غضون ساعات من الإعلان، انتشرت لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي لأفراد من الميليشيات يهينون الكاظمي وهم يسيرون في المنطقة الخضراء الشديدة التحصين في بغداد باتجاه منزله. وهتف أحدهم: «يا كاظمي، أنت صاحي ولا نايم؟»، حسب ما تختم الصحيفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد