نشر موقع «مودرن دبلوماسي» الأمريكي مقالًا للباحث بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، جيمس دورسي، حول التحركات الإيرانية الأخيرة في منطقة بحر قزوين، من خلال إقامة علاقات بحرية مع دول منطقة آسيا الوسطى، والرد من جانب روسيا ودول الخليج على تلك التحركات.

ينوه دورسي في مستهل المقال إلى أن النشاط البحري الإيراني بمنطقة الخليج والتوسع التركي شرق المتوسط تسببا في خطف الأضواء، بيدَ أن صناع السياسة الروس وفي منطقة الخليج يراقبون أيضًا التحركات الإيرانية في بحر قزوين عن كثب.

ويقول دورسي: «رغم أن البحرية الإيرانية لا تضاهي نظيرتها الروسية، كما أن وجودها ببحر قزوين ضئيل، إلا أن المواقف والتصريحات الإيرانية الأخيرة، إلى جانب زيارات قادة كبار للمنشآت البحرية وحوض بناء السفن على ساحل بحر قزوين، حيث تخضع مدمرة لعمليات إصلاح وتحديث، فضلًا عن جهودها الدبلوماسية لتعزيز العلاقات مع الدول الساحلية السوفيتية السابقة، جميعها تسببت في إزعاج لموسكو وأبوظبي والرياض».

تعزيز الوجود الإيراني في بحر قزوين

وشدد مسؤولون عسكريون كبار، بينهم قائد البحرية الإيرانية الأدميرال حسين خانزادي ونائبه الأدميرال حبيب الله سياري والأدميرال أمير رستكاري، الذي يشرف على عمليات البناء البحرية، على أهمية بحر قزوين بالنسبة للأمن القومي الإيراني، وذلك خلال جولاتهم في المنشآت الساحلية، كما اقترحوا توثيق التعاون أكثر وزيادة التدريبات البحرية المشتركة مع دول كأذربيجان وتركمانستان.

وقال الأدميرال خانزادي في أبريل (نيسان) الماضي إن «بحر قزوين هو بحر السلام والصداقة، ويمكننا مشاركة تكتيكاتنا العسكرية مع جيراننا في هذه المنطقة. إننا مستعدون تمامًا لتوسيع العلاقات مع الدول المجاورة والصديقة».

Embed from Getty Images

ويرى دورسي أن هذه التحركات الإيرانية أكثر من مجرد تعزيز لحضورها العسكري في الحوض الذي تتقاسمه مع روسيا وأذربيجان وتركمنستان وكازاخستان. ويلفت إلى أن الاتفاق الموقع عام 2018 بين الدول الواقعة على بحر قزوين، والذي بات ضروريًا مع انهيار الاتحاد السوفيتي، منع دخول السفن الحربية للدول غير الساحلية إلى الحوض، إلا أنه فشل في تنظيم تقسيم موارد البحر الوفيرة.

ويتيح إبرام علاقات بحرية أوثق مع دول بحر قزوين لإيران تعزيز وضعها، فيما تبدي دول آسيا الوسطى قلقها من مشاركة أمنية صينية أكبر في الجزء الخاص بهم من العالم، بما يقوض التفاهم الضمني الذي تحملت خلاله روسيا المسؤولية عن الأمن الإقليمي، بينما تركز الصين على التنمية الاقتصادية.

دول آسيا الوسطى.. بين الاستفادة من بكين والخوف من تدخلاتها

يثير التدخل الصيني المتزايد شبح تصدير سمات جمهورية الصين الشعبية في القرن الحادي والعشرين، باعتبارها دولة تخضع مواطنيها لمراقبة صارمة كتلك التي تخيلها جورج أورويل، في خضم المشاعر المتنامية المعادية لبكين نتيجة حملة القمع الوحشية ضد المسلمين الأتراك في مقاطعة شينجيانج شمال غربي الصين.

وفي الضرر الناتج عن التداعيات الاقتصادية لجائحة فيروس كورونا، تجد دول آسيا الوسطى نفسها ممزقةً ما بين: احتياجها إلى الاستفادة من رغبة الصين في إحياء المشاريع المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق، ومخاوفها من أن يؤثر التدخل الصيني في حياتهم.

وأجبرت المشاعر الشعبية جمهورية قيرغيزستان في وقت مبكر من ظهور الجائحة على إلغاء مشروع لوجيستي بقيمة 275 مليون دولار أمريكي. واستدعت وزارة الخارجية القيرغيزية السفير الصيني لتوضيح مقال نُشِر على موقع صيني أكد أن الدولة الواقعة وسط آسيا تريد العودة إلى الحكم الصيني.

وطالبت وسائل الإعلام الكازاخية الصين والولايات المتحدة بأن يتركا كازاخستان وشأنها، بعد أن زعمت وزارة الخارجية الصينية أن فيروس كورونا نشأ في مختبرات تمولها الولايات المتحدة في البلاد.

النشاط البحري الإيراني.. تنافس بين إيران ودول الخليج

يرى دورسي أن الجهود الإيرانية، مدعومة بمرفأ تشاباهار البحري الممول من الهند، والذي يعمل كقناة للصادرات الهندية إلى وسط آسيا، للاستفادة من هامش تنافس القوى الآسيوية الكبرى، جعلت المنطقة، بما في ذلك حوض بحر قزوين، ساحة لمنافسة أكبر مع خصوم إيران في منطقة الخليج السعودية والإمارات.

تأمل إيران أن تصب الجغرافيا وانعدام الثقة بين دول آسيا الوسطى والسعودية، بسبب تفسير الأخيرة المتشدد للإسلام، في صالحها. وربما لا يذهب ذلك الأمل هباءً؛ فقبل عام، اختار وزير الخارجية الطاجيكي، سراج الدين مهر الدين- على الرغم من العلاقات المضطربة سابقًا مع إيران- تجاهل دعوة السعودية لحضور مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في المملكة، وزار إيران بدلًا منها.

Embed from Getty Images

ومنذ ذلك الحين، وافقت إيران على استثمار بقيمة 4 مليارات دولار أمريكي لاستكمال بناء نفق يبلغ طوله خمسة كيلومترات يربط بين العاصمة الطاجيكية دوشانبيه وثاني أكبر مدن البلاد خجند.

وكان أداء السعودية والإمارات أفضل إلى حد ما في أذربيجان وأوزبكستان؛ إذ وافقت شركة تطوير المرافق السعودية «أكوا باور»، والتي يمتلك صندوق طريق الحرير الحكومي الصيني 49% من أسهمها، وشركة «مصدر» الإماراتية، أو «شركة أبوظبي لطاقة المستقبل»، على الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة في أذربيجان. ووقعت شركة تطوير المرافق السعودية «أكوا باور» مؤخرًا اتفاقات مع أوزبكستان بقيمة 2.5 مليار دولار أمريكي؛ لإنشاء محطة للطاقة ومزرعة رياح.

يتابع دورسي: ربما تكون أقوى ورقة رابحة لإيران هي أن يوفر لها ربط بحر قزوين ببحر العرب ما لا تستطيع الدول الخليجية توفيره، ألا وهو: إمكانية الوصول إلى منطقة المحيط الهادئ الهندي بتكلفة رخيصة وعبر مسافة أقصر.

وبالفعل، أدرج اسم إيران في جميع خطط البنية التحتية لوسائل النقل التي أعلنها الرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف. وصدر مرسوم أواخر العام 2017 يحدد عدة ممرات باعتبارها أساسًا لخططه، من بينها تمديد خط سكك حديدية يربط مدينة ترمذ بمدينة مزار شريف الأفغانية وصولًا إلى مدينة هيرات، التي يتفرع من عندها الخط ليصل إلى ميناء بندر عباس الإيراني وتشابهار وبازركان على الحدود الإيرانية التركية.

وقالت محللة شؤون آسيا الوسطى، أوميدا هاشيموفا: «في حين تسعى طشقند لتنويع علاقاتها الاقتصادية، فإن تقديراتها تضع في الحسبان باستمرار الأهمية التي تتمتع بها إيران. فبالنسبة لأوزبكستان، فإن المواني الإيرانية لا تقدم فحسب المسار الأرخص والأقصر إلى البحر، بل لا يمكن إنجاز مشروعات السكك الحديدية المستقبلية دون مشاركة نشطة من طهران».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد