مع استئناف المحادثات النووية الإيرانية مرة أخرى، وإن كانت هذه المرة محادثات غير مباشرة، لا تزال بعض الوجوه على طاولة المفاوضات كما هي، لكن الظروف تغيرت تغيرًا كبيرًا منذ دخول الاتفاق النووي المبرم عام 2015 حيز التنفيذ، حسبما تستعرض ميريام بيرجر وأنطونيا نوري فرزان في تقريرهما المنشور على صفحات «واشنطن بوست».

يصف التقرير اجتماعات هذا الأسبوع بأنها معقدة، إذ تتخذ كل من واشنطن وطهران مواقف متصلبة في مواجهة العديد من العقبات الدبلوماسية؛ وأولها أن الولايات المتحدة وإيران لا يتحاوران وجهًا لوجه. بدلًا من ذلك، يجلس الدبلوماسيون الأمريكيون والإيرانيون في غرفتين منفصلتين داخل فندق جراند في فيينا، ويتولى الأوروبيون نقل الرسائل ذهابًا وإيابًا بين الطرفين.

يرصد التقرير في السطور التالية بعض التغييرات التي أجرتها واشنطن وطهران على مدى السنوات التي تلت دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، والتحديات المتعلقة بالعودة إلى نسخة معينة من الاتفاقية. 

1- ما هي ملامح الاتفاق النووي لعام 2015؟

حددت خطة العمل الشاملة المشتركة إطار عمل للحد من تطوير إيران برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات الأمريكية. وبعد المفاوضات التي خاضتها مجموعة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، والمعروفة اختصارًا باسم P5+1، وتضم الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة وألمانيا والولايات المتحدة، دخلت الصفقة حيز التنفيذ في عام 2016. عندها بدأت واشنطن في تقليص عقوبات بمليارات الدولارات كانت قد وقعتها على الأعمال المصرفية والمعاملات النفطية وغيرها، بهدف عزل إيران وقادتها عن الأسواق الدولية. في المقابل، قيدت طهران بدورها التخصيب النووي وسمحت بمزيد من الرقابة الدولية على منشآتها وبرنامجها.

Embed from Getty Images

بيد أن الرئيس السابق دونالد ترامب عارض بشدة الاتفاق، الذي كان محور السياسة الخارجية لإدارة أوباما، وانسحب من الصفقة من جانب واحد في عام 2018. وكجزء من سياسة «الضغط الأقصى» البديلة التي تبناها، أعاد ترامب فرض عقوبات اقتصادية على إيران، ووقع عليها حوالي 1500 عقوبة إضافية، وفقًا لمسؤولي إدارة بايدن، استهدفت الأفراد والشركات المرتبطين بإيران. في المقابل، تعهدت إيران بأنها ستظل ملتزمة بالاتفاق، لكنها بدأت أيضًا في زيادة تخصيب اليورانيوم وزيادة خبراتها النووية خارج حدود الاتفاق.

بحلول نهاية ولاية ترامب، كانت فجوة عدم الثقة بين إيران والولايات المتحدة عميقة. ومع ذلك، تعهد الرئيس بايدن بإعادة الدخول في الاتفاق إذا استأنفت إيران الامتثال لبنود الصفقة. لكن كلا الجانبين لم يتفقا بعد على آلية تطبيق ذلك.

2- كيف انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق؟

تعرضت إيران لعقوبات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وفرضت عليها الولايات المتحدة قيودًا واسعة النطاق استهدفت نظامها المصرفي وصادراتها النفطية. والولايات المتحدة تفرض عقوبات على إيران منذ عام 1979، لكن ترامب شددها إلى مستويات غير مسبوقة.

بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، أعادت واشنطن في البداية فرض عقوبات على الصادرات غير النفطية في أغسطس (آب) 2018، ثم فرضت عقوبات أخرى في نوفمبر (تشرين الثاني) من ذلك العام، استهدفت حوالي 700 فرد وكيان إيراني، بما في ذلك 300 لم يكونوا مشمولين في عقوبات ما قبل اتفاق 2015، وفقًا لمجموعة الأزمات الدولية.

عرضت الولايات المتحدة في البداية منح إعفاءات للسماح لبعض الدول بشراء النفط من إيران. لكن بعد ستة أشهر، وتحديدًا في أبريل (نيسان) 2019، أعلنت إدارة ترامب إنهاء الإعفاءات. وقال وزير الخارجية مايك بومبيو في ذلك الوقت: إن الهدف هو تقليص عائدات النفط السنوية التي تجنيها إيران بنحو 50 مليار دولار.

في السنوات التي تلت ذلك، واصلت واشنطن إضافة عقوبات لم تكن مفروضة أثناء مفاوضات خطة العمل المشتركة الشاملة، استهدفت البنوك، بما في ذلك البنك المركزي الإيراني، والأفراد، على مستوى المرشد الأعلى لإيران، وسفن النفط، إلى جانب أفراد وكيانات أخرى. وقلصت إدارة ترامب أيضًا عدد التراخيص التي تمنحها الخزانة الأمريكية للشركات لتصدير بعض المنتجات الطبية إلى إيران، مما أدى إلى تفاقم النقص في التجهيزات الطبية. ومع تفشي حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في إيران، يلفت التقرير إلى أن العقوبات الأمريكية بدأت تعوق وصول الأدوية والمعدات الطبية إلى المرضى.

في أبريل 2019، أدرجت إدارة ترامب قوات الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. وفي يناير (كانون الثاني) 2020، استهدفت إدارة ترامب صناعات الصلب والمعادن الإيرانية، ردًّا على هجوم إيراني استهدف قاعدتين أمريكيتين في العراق، بعد اغتيال الولايات المتحدة للجنرال الإيراني قاسم سليماني. 

وفي مايو (أيار)، أصدر ترامب عقوبات ضد وزارة الداخلية الإيرانية بسبب انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة في نوفمبر (تشرين الثاني). ولم يخرج ترامب من البيت الأبيض قبل توقيع حزمة جديدة من العقوبات في يناير 2021، قبيل انتهاء فترة ولايته.

3- كيف انحرفت إيران عن الصفقة؟

بمجرد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، أعلن وزير الخارجية الإيراني أن بلاده ستطلق يدها في «استئناف التخصيب على نطاق صناعي دون أي قيود». وأفاد مراقبون مستقلون لاحقًا أن إيران تخزن يورانيوم بكميات تفوق ما هو مسموح به بموجب الاتفاقية المشتركة، وتخصبه بمستويات أعلى من المسموح به بموجب الصفقة.

في نوفمبر 2019، وجدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة (IAEA) أن إيران كانت تخصب اليورانيوم بنسبة تصل إلى 4.5%، بما يتجاوز الحد المسموح به وهو 3.67%. منذ ذلك الحين، تضاعف مخزون طهران من اليورانيوم المخصب ثلاث أضعاف تقريبًا، وفقًا لتقرير سري اطلعت عليه وكالة أسوشيتد برس.

Embed from Getty Images

ولكي يستخدم اليورانيوم في تصنيع الأسلحة النووية، يتعين تخصيبه بنسبة 90%. لكن الولايات المتحدة وحلفاءها في حالة تأهب قصوى لأي تغييرات تقلل الوقت الذي تستغرقه إيران لتصنيع قنبلة نووية. ويعتقد بعض المحللين أن الفترة الزمنية التي تفصل إيران عن هذا الهدف تقلصت من عام سابقًا إلى ثلاثة أشهر الآن.

كما أفادت وكالة الرقابة الدولية في فبراير (شباط) أن إيران ربما تكون قد خزنت موادًا نووية في ثلاثة مواقع لم تخبر المراقبين الدوليين بشأنها، وظلت ترفض الرد على أسئلة حولها. ويلفت التقرير إلى أن شروط الاتفاقية تتيح للوكالة الدولية للطاقة الذرية زيارة أي منشآت في غضون مهلة قصيرة لإجراء «عمليات تفتيش مفاجئة». بيدَ أن البرلمان الإيراني أقر العام الماضي قانونًا لا يسمح بإجراء عمليات التفتيش سوى على المواقع النووية المعلنة فقط.

وبينما كانت هناك مخاوف من إقدام إيران على طرد المفتشين النووين، فإن ذلك لم يحدث. ففي أواخر شهر فبراير، قبل وقت قصير من دخول القانون حيز التنفيذ، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها توصلت إلى تسوية مؤقتة مع إيران يمكن بموجبها «الحفاظ على المستوى الضروري من أعمال المراقبة والتحقق» على مدى الأشهر الثلاثة المقبلة.

بالإضافة إلى ذلك، وجدت وكالة الرقابة أدلة على أن إيران تصنع معدن اليورانيوم، المحظور بموجب الاتفاق المشترك. وبينما تزعم إيران أنها كانت تحاول إنتاج وقود لمفاعل نووي، فإن قوى عالمية أخرى أثارت مخاوف من أن هذه المادة يمكن أن تشكل العمود الفقري لتصنيع القنبلة النووية.

4- كيف يمكن إحياء الصفقة؟

يمكن للولايات المتحدة من الناحية النظرية رفع جميع العقوبات التي فرضتها قبل 2018، لكن التقرير يستبعد أن يرفع بايدن جميع العقوبات المفروضة على طهران، بما في ذلك العقوبات التي فرضتها أمريكا لمعاقبة طهران على انتهاكات حقوق الإنسان أو التدخل في الانتخابات، ولم تكن مرتبطة ارتباطًا مباشرًا بالاتفاق.

ويتوقع علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن يقر بايدن «تخفيفًا حقيقيًا وملموسًا للعقوبات بما يتماشى مع خطة العمل الشاملة المشتركة»، وإن كان ذلك قد يستغرق شهورًا لفحص جميع العقوبات الإضافية التي ترجع إلى عهد ترامب لتحديد أي منها سيشمله التخفيف.

Embed from Getty Images

وقال توماس كنتريمان، مساعد وزير الخارجية للأمن الدولي وحظر الانتشار النووي، خلال مكالمة مع الصحفيين يوم الاثنين: «من خلال تصنيف مختلف أنواع العقوبات تحت فئات متنوعة»، فإن إدارة ترامب «تعمدت طمس الخط الفاصل بين العقوبات المتعلقة بالمجال النووي، وتلك التي يجب رفعها بموجب خطة العمل المشتركة الشاملة، وبقية العقوبات المفروضة بسبب ممارسات الإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان، تحت إشراف سلطة تشريعية أخرى».

واستبعد فايز أن يتراجع بايدن عن تصنيف الحرس الثوري باعتبارهم مجموعة إرهابية، لكن في حالات أخرى، مثل العقوبات التي تستهدف البنك المركزي الإيراني، قد يجد بايدن مزيدًا من الحرية لتخفيف العقوبات. يتفق المحللون إجمالًا على أن معظم انتهاكات إيران للاتفاق يمكن تداركها وعكس مسارها. ولكن ما لا يمكن التراجع عنه هو ما صنفه الموقعون الآخرون على الصفقة باعتباره «خبرة لا يمكن انتزاعها بعد اكتسابها».

وأوضح وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، أن بلاده مستعدة للعودة إلى الامتثال لبنود الاتفاق إذا رفعت الولايات المتحدة جميع العقوبات. وقال أيضًا في ديسمبر (كانون الأول) إن إيران تريد أن ترى «مبادرة حسن النية» لإثبات أن الولايات المتحدة لن تنضم إلى الاتفاق هذه المرة لتنسحب منه مرة أخرى لاحقًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد