ربما لن تؤتي الجهود الأوروبية المحمومة في الأمم المتحدة لإنقاذ الاتفاق النووي ثمارها

يتساءل «مايكل هيرش» في تقريره المنشور على موقع «فورين بوليسي»: هل يمكن أن يكون هناك اختبار أشد لتوازنات القوى العالمية مما يحدث في الأمم المتحدة حول إيران هذا الأسبوع؟

أوروبا في مواجهة ترامب

لم يكن غرض ترامب عزلة إيران الاقتصادية فحسب، بل تهدف سياسته إلى خنق إيران فعليًا، بما في ذلك قطع شرايينها المالية

يقول الكاتب: إن وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» ظهر يوم الاثنين وقد اعتلت وجهه ابتسامة عريضة إلى جانب «فريدريكا موغيريني»، رئيسة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ إذ أعلنت عن خطط مدروسة ومفصلة في نيويورك لتقويض موقف رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترامب، وإنقاذ الاتفاق النووي المُبرم مع إيران عام 2015، بما في ذلك «آليات خاصة» صُممت لتجاوز العقوبات المالية الأمريكية، وفي بيان مشترك استثنائي أعلنت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين دعمهم لهذه الخطة.

وصف ترامب جميع قادة إيران بـ«غير الشرعيين»، وقال: إنهم «ينشرون الفوضى والموت والدمار».

ويذكر الكاتب أنه في اليوم التالي «أطلَّ علينا ترامب بوجه القائد المتجهم المسيطر، والذي أصبح مألوفًا في الآونة الأخيرة»، وصرح أمام الحضور المُنصت في قاعة الجمعية العامة، أنه كان يقوم بأكثر من مجرد الإجهاز على الاتفاق النووي الإيراني «المروع»، وأنه فرض أيضًا عقوبات كبيرة أُحادية الجانب جديدة، والتي من الواضح أنها صُممت لتسريع انهيار النظام الإيراني، وفي خطابه الذي ألقاه في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة الذي عُقد صباح يوم الثلاثاء، وصف ترامب جميع قادة إيران بـ«غير الشرعيين»، وقال: إنهم «ينشرون الفوضى والموت والدمار». وقال: «نطالب جميع الدول بمقاطعة النظام الإيراني»، ومنع «الأموال التي يحتاجها للسير قدمًا في أجندته الدموية».

صورة تضم «محمد جواد ظريف» و «فريدريكا موغيريني» في جلسة الأمم المتحدة

ولكن يشير الكاتب إلى أن طريقة طلب ترامب لم تكن طريقة من يلتمس أمرًا، بل بدا كما لو أنه يمرر مرسومًا جديدًا إلى العالم، وهو ما بدا جليًا أثناء خطابه؛ إذ لم يكن الغرض عزلة إيران الاقتصادية فحسب، بل تهدف سياسة ترامب إلى خنق إيران فعليًا، بما في ذلك قطع شرايين إيران المالية، متمثلة في «مبيعات البترول».

بينما من ناحية أخرى،اتهم  الرئيس الإيراني في خطابه، الذي جاء بعد خطاب ترامب خلال أعمال الجمعية العامة للامم المتحدة،  واشنطن «بالإرهاب الاقتصادي»، والسعي وراء تغيير النظام، بينما اقترح الرئيس الأمريكي عقد محادثات ثنائية مع طهران (وهو ما أجابته إيران بالرفض). قال روحاني «من المفارقات الساخرة أن الحكومة الأمريكية التي لا تُخفي نيتها للإطاحة بالحكومة الإيرانية، تدعو تلك الاخيرة لإجراء محادثات».

ما يضيفه هذا المشهد هو مواجهة ومأزق غير مسبوق على الساحة الدولية، إذ تضع الولايات المتحدة نفسها في الوقت الراهن في مواجهة جميع دول العالم تقريبًا فيما يتعلق بقضية إيران، وخاصة في مواجهة الموقف الأوروبي الموحد بشكل غير مسبوق. ولعل الأكثر غرابة أن ترامب على الأرجح سيفوز في مسابقة الإرادة تلك. فعلى الرغم من الجهود التي تبذلها «موغيريني» والقوى الأوروبية الكبرى للحفاظ على تمكن إيران من بيع نفطها، إلا أن كثيرًا من المحللين يشككون في احتمالية صمود الاتفاقية النووية المُصدق عليها من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مواجهة العناد الأمريكي إلى ما بعد نهاية العام الجاري.

هل تصمد أوروبا أمام تهديدات ترامب؟

ويشير الكاتب إلى أنه من المرتقب ازدياد حدة مسألة قوة الإرادة الأوروبية خلال الأشهر القليلة القادمة؛ إذ من الواضح أن ترامب يبدو مستعدًا لإعلان إنذاره الأخير تحت شعار «معنا أو ضدنا»، بينما ينتقل إلى الجولة التالية من فرض العقوبات في أول نوفمبر (تشرين الأول).

تجدر الإشارة إلى أن كثير من الشركات الأوروبية العملاقة، بما فيها «دويتشه تليكوم»، و«إيرباص»، وشركة الطاقة الفرنسية العملاقة «توتال»، ومصانع سيارات مثل «بيجو» و«رينو»، وشركتي «سيمنز» ودايملر» الألمانيتين قد أنهت عملياتها بالفعل في إيران. غير أن مجموعة شركات «إيه بي مولر ميرسك» الدنماركية من بين كثير من الشركات الكبرى، تخطط لوقف شحن النفط الإيراني.

يقول الكاتب: «إن العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة من شأنها تهديد أية شركة تسهل عملية نقل النفط الإيراني بقطع صلتها بالنظام المالي الأمريكي، والأهم من ذلك، سوف تستبعد الكثير من الشركات الدولية من السوق الأمريكي، وهو بمثابة حكم بالإعدام في ظل نظام مالي عالمي يهيمن عليه الأمريكيين، أما فيما يتعلق بشركات الحكومات والشركات الأوروبية، فإن هذا العامل قد فاق كافة أفكار استحضار الاتحاد الأوروبي لـ«قانون التعطيل»، الذي يتيح للشركات نظريًا تحدي أي عقوبات أمريكية».

قال «ماثيو كرونيغ»، الخبير في شؤون العقوبات ومنع الانتشار بجامعة جورج تاون، والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية، والذي كان دائمًا ما يتخذ موقفًا متشددًا في مواجهة إيران: إن «نتيجةً للعقوبات الثانوية التي فرضتها الولايات المتحدة، فإن أية شركة تجارية في العالم تقف أمام خيارين، إما التعامل مع الولايات المتحدة، أو مع إيران، بالنسبة للجميع تقريبًا ليس هناك خيار آخر»، وأضاف: «الاتفاق النووي الإيراني سوف يكون في عداد الموتى بمجرد إعلان الولايات المتحدة الانسحاب منه. أما الأوروبيون فقد كانوا متوهمين بإمكانية «إنقاذه».

ومع ذلك، يعتقد الكاتب أن الحكومات الأوروبية ربما في استطاعتها الحفاظ بالكاد على الاتفاق النووي مع إيران، والتي تركته الولايات المتحدة منذ أكثر من أربعة أشهر وصار أشبه باتفاق في غرفة الانعاش. فهم يخططون للقيام بذلك من خلال النظام المصرفي الدولي SWIFT – والذي لاتزال إيران جزء منه منذ توقيع الاتفاق النووي في 2015 – وأيضًا من خلال «آلية ذات أغراض خاصة» جديدة، من شأنها مضاهاة نظام المقايضة نوعًا ما؛ إذ يؤكد الكاتب أن من خلال تلك الآلية الجديدة، يمكن تبادل النفط الإيراني مع السلع الأوروبية دون الحاجة لتبادل الأموال.

تجدر الإشارة إلى أن «النظام المصرفي الدولي (SWIFT)»، وهي اختصار لـ«جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك»، وطالما استمرت إيران جزءًا من النظام الذي يربط بين أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية حول العالم، سوف تجد طريقًا لتنقل الأموال خارج حدودها. إلا أن جمعية (SWIFT)، ومقرها بلجيكا، تراجعت أمام الضغط الأمريكي قبل ذلك؛ إذ أبعدت إيران خارج النظام المالي العالمي، كجزء من حملة العقوبات التي فرضتها إدارة أوباما عام 2012. لا شك أن خسارة إمكانية الوصول إلى النظام المصرفي العالمي (SWIFT) مرة أخرى، سوف تعوق بشدة قدرة إيران على القيام بعملياتها التجارية.

مدى جدوى الحلول المطروحة

من غير الواضح مدى فعالية هذه الحلول المبتكرة في الحفاظ على استمرار الاقتصاد الإيراني

قال «نيكولاس فيرون»، المتخصص في الاقتصاد بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي: إن «الشركات التي غادرت إيران بالفعل، أو تخطط لمغادرتها، لن تعود أدراجها بسبب ذلك». وأضاف: «إلا أن ذلك قد يساعد من حيث قدرة إيران على بيع النفط مقابل المال. القاعدة البسيطة في هذا الأمر هو أنه يخلق ستارًا ما؛ لأن أيًا من الأشخاص الذين يشترون النفط باستخدام (آلية الأغراض الخاصة)، لن يجروا معاملات مالية مع أي من الكيانات الواقعة تحت مقصلة العقوبات الأمريكية».

لذا، يقول الكاتب: إن من أجل تعطيل النظام الجديد، يتعين على إدارة ترامب فرض عقوبات فعالة على الاتحاد الأوروبي، وعلى الرغم من خطاب الرئيس اللاذع الموجه إلى أوروبا، لا يبدو أنه سيجدي نفعًا. ومع ذلك يقول «ريتشارد نيفيو»، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، والذي شارك في مفاوضات الاتفاق النووي، موجهًا حديثه إلى أوروبا التي تبتكر هذه الآليات، كل ذلك «ما هو إلا نصف المعركة؛ إذ لم نر بالفعل أي مؤشرات على وجود جهود مُتفق عليها من الأوروبيين لاستكمال النصف الآخر، بمعنى آخر: كيف يمكن لشركة سيمنز أن ترسل بضائعها باطمئنان إلى إيران؟».

ليوضح الكاتب أن الأمر لم يؤت ثماره؛ ما دفع مسؤولي إدارة ترامب إلى توجيه توبيخ لاذع للأوروبيين يوم الثلاثاء بسبب خطتهم؛ إذ قال «مايك بومبيو» وزير الخارجية الأمريكي: إن «آلية الأغراض الخاصة» لن تساعد إيران، إلا في دعم الإرهاب. ففي خطاب شديد اللهجة في نيويورك، شجب «بومبيو» الحكومة الإيرانية، ووصفها بالنظام «الفاقد للشرعية» الذي يتحدى بوقاحة رؤية الأمم المتحدة، والذي استمر في سياسته على مدار أربعة عقود في استغلال الثروة النفطية، ليس من أجل صالح شعبه، بل من أجل تمويل «العناصر» الإرهابية بدايةً من أوروبا، ومرورًا بأفريقيا وآسيا، وانتهاءً بأمريكا الجنوبية.

من الواضح أن «بومبيو» أيضًا ينادي بتغيير النظام في إيران، إذ قال للشعب الإيراني: «إنكم تستحقون ما هو أفضل من تلكم الثورة الفاشلة، الثورة التي فرضها عليكم القادة الفاسدون».

هل يعاد فرض العقوبات؟

يبدو أن الدول تتخلى عن التجارة مع طهران واحدة تلو الأخرى، خشية الانتقام الأمريكي

ويضيف الكاتب أن بعض الدول بدأت تتخلى عن التجارة مع طهران الواحدة تلو الأخرى، خشية الانتقام الأمريكي، وحسب ما صرح به بعض الخبراء، تحافظ إيران على تمسك مبدئي بالاتفاق النووي في الوقت الراهن، ومن الواضح أنها تراقب عن كثب أهم متطلباتها الرئيسية من أجل الانسحاب النووي. ويبدو أن الالتزام بالاتفاق هو السبيل الوحيد الذي تستطيع إيران بموجبه الحصول على فوائد اقتصادية، من النوع الذي وُعدت به عند تخفيف العقوبات عام 2016، وفي الوقت نفسه، يعلم «روحاني» أنه إذا تخلت إيران عن الاتفاق، فإن الاتحاد الأوروبي أيضًا سوف يعيد فرض العقوبات.

ومع ذلك، أشار به بعض الخبراء إلى أن بإمكان الزعيم الإيراني الاستمرار في الاتفاقية المعيوبة لفترة طويلة، ففي خطابه في اجتماع الأمم المتحدة، ناشد روحاني ترامب بالعودة إلى الاتفاقية (على الرغم من اتهام الأخير له بإبداء «نزعة نازية»)، لكن روحاني يعاني من مشاكل سياسية خطيرة في وطنه. فبعد أن بدأ العمل على خطة انفتاح إيران على العالم، واجه غضبًا عارمًا من العناصر المتشددة داخل النظام، والشعب الذي شعر بالضجر بعد أن ظن أنه سوف يكون أفضل حالًا الآن بعد مرور ثلاث سنوات من مفاوضات الاتفاق النووي. في أواخر أغسطس (آب) المنصرم، صوت البرلمان الإيراني للمرة الثانية في تاريخه برفض البرنامج الرئاسي، متجاهلًا بذلك خطط روحاني الاقتصادية للتخفيف من حدة العقوبات الأمريكية المُعاد فرضها، إذ قال «روحاني» بنبرة خنوع آنذاك: «لا شك أننا ارتكبنا أخطاءً».

في ظل الأزمة الاقتصادية التي تهدد إيران، أدى تجديد فرض العقوبات إلى انهيار عملتها – الريال الإيراني – والذي فقد قرابة ثلثي قيمته هذا العام، وانخفض إلى مستوىً جديد أمام الدولار هذا الأسبوع. ومن ناحية، استمرت الصين وتركيا وقلة من الدول الأخرى في شراء النفط الإيراني في تحدٍ واضح لترامب، ومع زيادة احتمال استمرار رفض ذلك العدد القليل من الدول للضغوط الأمريكية، يبدو أن إيران ستتمكن من استئناف صمود صناعتها الرئيسة.

لكن، يقول الكاتب: يبدو أن الدول تتخلى عن التجارة مع طهران واحدة تلو الأخرى، خشية الانتقام الأمريكي. على سبيل المثال كانت الهند آخر تلك الدول، فبعد تصديها المبكر لقرارات واشنطن، يبدو أنها ستخفض مشترياتها من النفط الإيراني إلى الصفر في الوقت الراهن. وبالتالي سيتوقف استمرار الاتفاق النووي إلى حد بعيد على طول النفس بين الولايات المتحدة وأوروبا. ومع مرور الشهور، ربما تستسلم إيران لإغراءات الاستئناف السري لبرنامجها النووي.

قال «ديفيد أولبرايت» – الخبير النووي، ومدير معهد العلوم والأمن الدولي – إنه يدرك تمامًا أن «مفتشي (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) لا يمكنهم الوصول بالفعل إلى الأماكن الذي يتوجب عليهم زيارتها». وأضاف: «الأمر المثير للقلق أن الأوروبيين أنفسهم ليسوا في وضع يسمح لهم بالضغط على إيران للامتثال. ربما كانوا يخادعون من بعيد أكثر وأكثر. وبالتالي فإن الأوروبيين في مأزق. فهم يريدون إنقاذ الاتفاق النووي، لكنهم حذروا  إيران بأنها إذا انتهكت الاتفاقية، فسيُعاد فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي».

ويختتم الكاتب مؤكدًا أنه من الواضح أن دونالد ترامب قد انتصر، أو يبدو أنه سيحقق النصر؛ لأن النتيجة المُرجحة لسقوط الاتفاق قد ينتج عنه إيران أكثر تشددًا، في وقت تتمتع فيه بقوة أكبر في المنطقة مما كانت عليه عام 2013 عندما بدأت مفاوضات الاتفاق النووي، وأكثر تلهفًا من أي وقت مضى للحصول على القنبلة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد