لقد تأثرت إيران في الآونة الأخيرة بقائمة متزايدة من التحديات: انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرض المزيد من العقوبات الأمريكية وإصرار إسرائيل على مهاجمتها داخل سوريا لمنع ترسيخ نفوذها هناك. ومثل أية دولة عازمة على الدفاع عن نفسها، فإن إيران مجبرة على الانتقام من هاتين القوتين العسكريتين اللتين يفوقانها قوة، وفق تقرير نشره موقع «ستراتفور» الأمريكي.

ولكن لأن إيران عازمة على الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من المنافع الاقتصادية من الإطار الحالي لخطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي)، فإنها أيضًا تتحفظ تجاه التصعيد السريع لبعض أعمالها الانتقامية، خشية عزل الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال ملتزم بالاتفاق. ولأن الولايات المتحدة وإسرائيل يمكن أن تضران إيران أكثر بكثير مما يمكن لإيران أن تلحق الضرر بهما، فإن طهران ستقوم بالرد من خلال وسائل غير متكافئة، مثل الحرب الإلكترونية التي يصعب تعقبها، أو من خلال دعم قوات بالوكالة في أماكن مثل اليمن حيث يمكنها تحمل كلفة الخسائر.

وقال التقرير: «في أوائل مايو (أيار)، أطلقت القوات الإيرانية وابلًا من الصواريخ على مرتفعات الجولان الإسرائيلية. على مر السنين، استهدفت إسرائيل إيران وحلفاءها مئات المرات داخل سوريا، في محاولة لمنع إيران من ترسيخ وجودها هناك. ومع شعورها بالضغط من أجل الرد، راهنت إيران عن طريق شن أول ضربة مباشرة لها على الأراضي الإسرائيلية في 9 مايو الماضي».

بحسب التقرير، كان الرد الإيراني تصعيدًا ملحوظًا، وأسفر عن هجوم إسرائيلي واسع النطاق أضر بشكل كبير بموقف إيران داخل سوريا. كما سلط الضوء على ديناميكية تحدي إيران في أعقاب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق الدولي وفرض عقوبات جديدة. مع شروع إسرائيل والولايات المتحدة في حملة ضغط متصاعدة – في بعض الأحيان منسقة، وفي بعض الأحيان غير منسقة – لإضعاف نفوذ إيران الإقليمي، فإن طهران مضطرة بشكل طبيعي للرد، لكن في حين أن لدى إيران مجموعة كبيرة من الوسائل للرد، فإنها تواجه خصمين عسكريين متفوقين من الناحية التكنولوجية والاقتصادية. إن رد إسرائيل على عملية الجولان وفرض العقوبات المتكرر عليها من قبل الولايات المتحدة، بتأثيرها الهائل على القطاع المالي العالمي، يوضح هذا التفوق.

ولتحديد كيفية الرد على الولايات المتحدة وإسرائيل، يجب على إيران أن تحسب التداعيات الدبلوماسية لضرباتها، خاصة بين الأوروبيين الذين تحاول التقرب إليهم كجزء من استراتيجيتها الرامية إلى عزل نفسها عن العقوبات الأمريكية. وهذا يترك لإيران مجموعة محدودة من الخيارات منخفضة المخاطر.

الحرب الإلكترونية

على المدى القريب، على الأقل، ستركز إيران على تصعيد استخدامها للحرب الالكترونية ضد الأصول المملوكة للدولة والشركات في إسرائيل والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، وستستغل الحرب بالوكالة في غزة واليمن وأفغانستان. ومع ذلك، كلما زاد الضغط الذي تمارسه إسرائيل والولايات المتحدة على إيران، إما بشكل منفرد أو بشكل منسق، كلما زاد ميل طهران نحو وسائل أكثر شدةً من الانتقام.

المرشد الأعلى الإيراني- صورة أرشيفية

أشار التقرير إلى أن إيران تمتلك عددًا من أصول الحروب الإلكترونية التي يمكن أن تستخدمها لضرب منافسيها. من المحتمل أن تستهدف طهران الأصول في إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج (أو خصومها الأساسيين الذين يعملون ضد مصالحها الإقليمية) أو المرتبطين بها، ولكنها في الوقت الحالي، ستتجنب استهداف الأصول الأوروبية أثناء المفاوضات المهمة للإبقاء على الاتفاق النووي في أعقاب الانسحاب الأمريكي.

لقد نشرت إيران قدراتها على الإنترنت في الماضي القريب. وتشمل هجماتها الإلكترونية الرئيسية هجوم شامون 2012 الذي استهدف شركة أرامكو السعودية الوطنية للنفط، والهجوم الذي وقع عام 2017 على شركة بتروكيماويات سعودية وهجوم أخر في عام 2012 استهدف 46 بنكًا أمريكيًا. لتنفيذ مثل هذه الأنواع من الهجمات، استخدمت إيران في الغالب جماعات من المرتزقة أو المتسللين الفرديين الذين يصعب تتبع علاقاتهم مع إيران. يمكننا أن نتوقع من إيران استخدام هذه الأدوات مرة أخرى. يمنح الجيش السيبراني الإيراني، ذراع التسلح غير الرسمي لحرس الثورة الإسلامية، لإيران خيار نشر الحرب السيبرانية الموجهة نحو الدولة.

لن تكون الهجمات السيبرانية بحد ذاتها كافية لإرضاء المتشددين الإيرانيين، خاصة مع تضاؤل ​​الفوائد المتبقية للاتفاق النووي. سيدفع المتشددون باتجاه اتخاذ إجراءات أقوى ضد حلفاء إسرائيل والولايات المتحدة، وفي أماكن مثل أفغانستان وغزة واليمن، سيكون لديهم خيارات للقيام بذلك من خلال وكلاء لا تربطهم صلات واضحة بإيران. في حين أن هؤلاء الوكلاء لا يستطيعون تغيير ميزان القوة بشكل كبير، إلا أنهم يستطيعون زيادة التكاليف الدبلوماسية والسياسية للمواجهات مع إيران بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل.

في أفغانستان، يمكن لإيران استخدام صلاتها بحركة «طالبان» لتعزيز قدرتها على مواصلة التمرد ضد القوات الأمريكية والحكومة المدعومة من الولايات المتحدة في كابول. سيساعد هذا الدعم في تشجيع حركة طالبان على الضغط من أجل المزيد من الانتصارات العسكرية. كما ستواصل إيران دعمها للحوثيين في اليمن؛ مما يساعد المجموعة المتمردة على الحفاظ على برنامجها للصواريخ البالستية. من المعروف أن إيران تمد الحوثيين بالمعدات والتدريب للقتال ضد القوات والوكلاء في دول الخليج المتحالفة مع الولايات المتحدة، رغم أن إيران تنكر ذلك.

مواجهة إسرائيل

لمواجهة إسرائيل، سوف تعتمد إيران على صلاتها بحماس، وبشكل أكثر تحديدًا، حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية للتحرش بالحدود الإسرائيلية الجنوبية مع إطلاق الصواريخ ومحاولات التسلل. يشكل الحصار الإسرائيلي الصارم على قطاع غزة عائقًا كبيرًا أمام قدرة إيران على تزويد حلفائها الفلسطينيين وتمويلهم.

ومع ذلك، فإن محاولة دعم المسلحين الفلسطينيين هو أمر مفيد لإيران؛ لأنها تجبر السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرهم على إدانة العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والنأي بنفسيهما عن تحالفها المتنامي مع إسرائيل. كما أنها تسير دفة دبلوماسية بين واشنطن وحلفاء أمريكيين آخرين، مثل الأردن، وتتسبب في اضطرابات تتحدى بشكل متزايد الأردن، موطن العديد من الفلسطينيين.

قوات تابعة للجيش الإسرائيلي-صورة أرشيفية

بسبب القيمة الإستراتيجية لموقفها في سوريا، من المحتمل أن تتجنب إيران هناك على المدى القصير تكرار مواجهتها مع إسرائيل. لكن إذا قامت إسرائيل بقتل القادة الإيرانيين، أو إذا كانت مواجهاتهم ستتجاوز سوريا إلى لبنان، أو الخليج العربي، أو حتى إيران نفسها، فمن المحتمل جدًا أن تحاول إيران تكرار الهجوم على الجبهة الشمالية لإسرائيل. في شمال شرق سوريا، تتعرض القوات الأمريكية وحلفاؤها لهجمات الميليشيات المرتبطة بإيران، وكذلك القوات الإيرانية نفسها. حاولت القوات المرتبطة بالقوات الإيرانية بالفعل التقدم ضد قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة مع الولايات المتحدة وتحملت الضربات المضادة من قبل الولايات المتحدة.

على الرغم من أنه الخيار الأقل احتمالًا، إلا أن التقرير ذكر أنه يمكن لإيران استخدام قواتها بالوكالة لضرب السفارات والقنصليات الأمريكية والإسرائيلية وغيرها من الأهداف الحكومية والاستراتيجية في جميع أنحاء العالم. وقد نفذت هذه الهجمات من قبل، وأبرزها تفجير انتحاري في بلغاريا في عام 2012 استهدف السياح الإسرائيليين، وهجوم عام 1996 على القوات الأمريكية في السعودية، والهجمات الانتحارية في الأرجنتين التي استهدفت السفارة الإسرائيلية في عام 1992 ومركزًا للجالية اليهودية في عام 1994. يمكن لإيران أيضًا استهداف القوات الأمريكية في الخليج العربي، كما فعلت في الماضي. في حين أنه إجراء متطرف، فإن إيران تحتفظ أيضًا بقدرة تخريب التجارة التي تمر عبر مضيق هرمز.

ومع قدوم الربع الثالث من هذا العام، ستؤثر قرارات إيران الانتقامية على الأصول السيبرانية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج العربية. وتستطيع إيران استهداف أي كيان أو مجموعة من الكيانات في القطاعات الرئيسة مثل البنية التحتية للبنوك والطاقة أو ضرب المواقع الإلكترونية الحكومية والمواقع الخاصة. وستكون دول الخليج أكثر عرضة للخطر؛ لأنها تفتقر إلى الوسائل الانتقامية، كالتي تمتلكها إسرائيل أو الولايات المتحدة. إن إيران قادرة على استهداف الشركات أو البلدان الأوروبية، ولكن من المحتمل بدرجة أقل، طالما أنها ترى قيمة في علاقاتها الدبلوماسية مع أوروبا.

وكما هو الحال مع جميع الخيارات المتاحة أمامها، يمكن لإيران أن تزيد من نطاق هجماتها الإلكترونية واستجابتها لتحركات إسرائيل والولايات المتحدة. وإذا ما وجهت الضربات المباشرة ضد إيران ضغوطًا عليها، فإنها قد توسع من هجماتها الإلكترونية لتشمل بنية تحتية أكثر أهمية في كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وتستهدف محطات توليد الطاقة والمستشفيات والمواقع العسكرية. كما ستوسع إيران هجماتها على الإنترنت إلى الشركات الأوروبية عندما تنهار مفاوضات الإبقاء على الاتفاق النووي.

مع بحث كل من الولايات المتحدة وإسرائيل عن أسباب لضرب إيران، ومع استمرار المفاوضات مع الأوروبيين، ستستخدم طهران خيارات منخفضة المخاطر للرد على منافسيها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد