في ظل مرور 40 سنة على قيام الثورة الإسلامية في إيران نشر موقع «المجلس الأطلسي» تحليلًا لنادرة شاملو الاستشارية في التنمية الدولية تستعرض فيه أداء إيران الاقتصادي منذ الثورة الإسلامية حتى الآن.

واستهلَّت الكاتبة تحليلها بذِكر تصريح آية الله محمد يزدي، الذي يُعد رجل دين ذا نفوذ، بأنَّ التقدُّم الذي شهدته إيران في «السنوات الأربعين الماضية أكبر من تقدُّمها في السنوات الأربعمئة التي سبقت تلك الفترة»، وذلك بعدم مرور 40 سنة على الثورة الإسلامية التي وعدت ببداية عصرٍ من الديمقراطية والحرية والازدهار للجميع.

مترجم: 40 عامًا على الثورة الإسلامية.. كيف أصبحت إيران على ما هي عليه الآن؟

ثم انتقلت إلى استعراض نقاط تحليلها، موضحة أنه سيتناول بعض وجهات النظر حول مؤشرات اقتصادية واجتماعية مختارة، ويُقارن أداء إيران بأداء ثلاث دول ذات نقاط انطلاق نمو مشابهة لها، وكان لديها أعداد سكانية متقاربة في الخمسينات. وأشارت إلى أنَّ البلدان المختارة تشمل تركيا بسبب التقارب التاريخي والثقافي، وكوريا الجنوبية؛ لأنَّ كلًَّا من إيران وكوريا سعت في السبعينات من القرن الماضي إلى أن تصبح قوة صناعية، وفيتنام؛ لأنَّها – مثل إيران – طغى على مسارها التنموي صراعٌ طويل مع الولايات المتحدة، وفترات ممتدة من الحصار الاقتصادي.

وفضلًا عن ذلك فإنَّ الموقع الجيوستراتيجي لهذه البلدان وضعها في الخطوط الأمامية للحرب الباردة أو بالقرب منها، وشكَّل في نهاية المطاف آفاقها الداخلية والخارجية.

وذكرت الكاتبة أنَّ هذا التحليل يعود بالزمن إلى عام 1950 بسبب توافر بيانات متسقة عبر تلك البلدان الأربعة تسمح بمراقبة اتجاهات المؤشرات الاقتصادية قبل عام 1979 وبعده من أجل تقييم ما إذا كانت إيران قد استطاعت التفوق على الدول الثلاث الأخرى المشتركة معها في المقارنة، أم لا.

اتجاهات الناتج المحلي الإجمالي

في عام 1950، بحسب البيانات التي اقتبست منها الكاتبة، كان الناتج المحلي الإجمالي لتركيا أعلى بنسبة 22% من الناتج المحلي الإيراني، لكنَّ الناتج المحلي الإجمالي في كوريا الجنوبية وفيتنام كان أقل بنسبة 60% من الناتج الإيراني. وفي عام 1977 الذي كان آخر عامٍ «عادي» قبل الثورة – إذ شهد عام 1978 بداية الاضطرابات والإضرابات التي أسقطت النظام الملكي في النهاية – كان اقتصاد إيران أكبر بنسبة 26% من اقتصاد تركيا، وبنسبة 65% من اقتصاد كوريا، ويبلغ نحو خمسة أضعاف ونصف حجم اقتصاد فيتنام.

ولكن في عام 2017، كان الناتج المحلي الإجمالي لتركيا يساوي 2.4 ضعف الناتج الإيراني، وكان الناتج المحلي الإجمالي لكوريا الجنوبية يساوي 7.2 ضعف الناتج الإيراني، في حين أن ناتج فيتنام -التي توصف بأنَّها نمرٌ آسيوي ناشئ- بلغ 70% من الناتج الإيراني. ومن ثَّم، تشير البيانات إلى أنَّ اقتصاد إيران – التي لديها أحد أكثر الموارد الطبيعية وفرة في العالم – لم يحافظ على اتجاهه قبل الثورة، ولم يتمكن من مجاراة اقتصادات الدول الأخرى المشتركة في المقارنة.

مترجم: كيف تستطيع إيران التغلب على العقوبات الأمريكية؟ البيتكوين هو كلمة السر

وباستخدام تصنيف الناتج المحلي الإجمالي مقياسًا آخر للأهمية اقتصادية، تشير الكاتبة إلى أنَّه في عام 1960، كانت إيران تُمثِّل الاقتصاد التاسع والعشرون الأكبر في العالم، بينما احتلت تركيا المرتبة 13 واحتلت كوريا الجنوبية المرتبة 33. وبحلول عام 1977، صعدت إيران إلى المركز 18، بينما حلَّت تركيا في المركز 20، وجاءت كوريا في المرتبة 28. وفي عام 2017، كانت إيران في المرتبة 27، وصعدت تركيا إلى المرتبة 18، فيما أصبحت كوريا الجنوبية ثالث أكبر اقتصاد في العالم. بينما حققت فيتنام ارتفاعًا مذهلًا بصعودها من المرتبة 87 إلى المرتبة 46 في أقل من 30 عامًا.

وتُعَد بعض الدول المنتجة للنفط مثل المكسيك والمملكة العربية السعودية في الوقت الحالي من بين أقوى 20 اقتصادًا في العالم، وترى الكاتبة أنَّ إيران يُمكن أن تصل إلى هذه المرتبة بسهولة في ضوء موارد النفط والغاز الهائلة التي تتمتع بها. ولكن في كل الأحوال، تظل إيران ثاني أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وما زال اقتصادها أقوى بكثير من مصر أو النرويج أو جنوب أفريقيا أو إسرائيل، على سبيل المثال لا الحصر.

نصيب الفرد من الدخل

ثم انتقلت الكاتبة عن مؤشر نصيب الفرد من الدخل، قائلةً: إنَّ معدل نمو دخل الفرد الإيراني شهد نموًا أبطأ بكثير منذ الثورة. واستشهدت بالأرقام الواقعية، فأشارت إلى انَّ العقود الثلاثة التي سبقت الثورة شهدت ارتفاع دخل الفرد في إيران بمقدار 3.2 مرات، في حين أنَّه تضاعف فقط في العقود الأربعة التي أعقبت الثورة.

ففي عام 1980، كان نصيب الفرد من الناتج الإجمالي الاسمي الإيراني أعلى من نصيب الفرد من الدخل في الدول الثلاث الأخرى (إذ بلغ آنذاك 2374 دولارًا في إيران، و2169 دولارًا في تركيا، و1711 دولارًا في كوريا الجنوبية، و514 دولارًا في فيتنام. بينما في عام 2018، بلغ نصيب الفرد 4838 دولارًا في إيران، و11125 دولارًا في تركيا، و32774 دولارًا في كوريا الجنوبية، و2482 في فيتنام).

وفي عام 2017، وصل نصيب الفرد من الدخل في تركيا وكوريا إلى ضعف نصيب الدخل في إيران، بينما وصل نصيب الدخل في فيتنام إلى أكثر من نصف نصيب الدخل في إيران. أمَّا على مستوى القوة الشرائية، أشارت الكاتبة إلى أنَّ كوريا الجنوبية تفوقَّت تفوقًا كبيرًا على الدول الثلاث الأخرى، بينما ظلَّت إيران تواكب تركيا، لكنَّ تخلَّفت عنها بعد عام 2000.

وإلى جانب تباطؤ النمو، ترى الكاتبة أنَّ سرعة معدلات النمو السكاني في إيران وانخفاضها في كوريا مثَّلا عاملًا إضافيًا في اختلاف نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. واستشهدت على ذلك بالأرقام، فأشارت إلى أنَّ عدد السكان في إيران وكوريا الجنوبية كان متقاربًا جدًا في عام 1980 (إذ كان عدد سكان إيران يبلغ 39.5 مليون نسمة، بينما كان عدد سكان كوريا يبلغ 38.1 مليون نسمة)، في حين أنَّ إيران اليوم مُطالبةٌ بتلبية احتياجات 30 نسمة زيادةً على عدد سكان كوريا (إذ يبلغ عدد سكان إيران 81 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد سكان كوريا 51 مليون نسمة).

توزيع الدخل ومعدلات الفقر

وبعد ذلك، تناولت الكاتبة مؤشر توزيع الدخل ومعدلات الفقر، قائلةً إنَّ تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي ونصيب الفرد منه أسفرا عن انتشار تصوُّرٍ لدى الشعب الإيراني بأنَّ الفقر منتشر وأنَّ عدم المساواة في توزيع الدخل قد ازداد سوءًا بشدة. لكنَّها أضافت أنَّ عدم المساواة في توزيع الدخل في إيران قد تحسَّن مقارنةً بما قبل الثورة، واستشهدت على ذلك بمؤشر «جيني» الذي يُظهِر فيه عدم المساواة هبوطًا بطيئًا.

ويوضِّح الشكل أدناه أنَّ عدم المساواة يهبط هبوطًا بطيئًا، وأنَّ توزيع الدخل في إيران قد تحسَّن، في اتجاهٍ مماثل لتركيا وكوريا، على الرغم من تفاقم عدم المساواة في فيتنام. ويوضِّح الجدول 2 أنَّ خُمس الشعب الإيراني ما زال يُسيطر على ما يقرب من نصف ثروة البلاد، لكنَّ حصته انخفضت انخفاضًا طفيفًا بالتدريج منذ عام 1990؛ مما أسفر عن زيادات بسيطة في الأخماس الثلاثة الأدنى.

مؤشِّر جيني لعدم المساواة في توزيع الدخول، وجدول 2: توزيع الدخول بين عامي 1990 و2014

وترى الكاتبة أنَّ الأجيال المستقبلية ستُميِّز القرن العشرين بأنَّه الفترة التي شهدت فيها معدلات الفقر المدقع العالمي انخفاضًا ملحوظًا، وفقًا لقيمة خط الفقر التي رفعها البنك الدولي من 1.25 دولار إلى دولارين للفرد الواحد يوميًا.

ووفقًا لهذا المقياس، ذكرت الكاتبة أنَّ الفقر المدقع في إيران شهد انخفاضًا حادًا، مضيفةً أنَّ معدلات الفقر في إيران تُعَد بين أدنى معدلات الفقر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والعالم. لكنَّها أشارت إلى أنَّ معايير الفقر الدولية قد لا تكون مقياسًا حقيقيًا بالنسبة لمعظم البلدان، وأنَّ معايير الفقر القومية تُستخدَم على نطاق أوسع.

وعلى هذا الأساس، ذكرت الكاتبة أنَّ واحدًا من بين كل خمسة إيرانيين يعيش تحت خط الفقر القومي، وأنَّ 40% من الشعب الإيراني تقريبًا يُعتبرون قريبين من خط الفقر، الذي تبلغ قيمته 10 دولارات للفرد الواحد يوميًا. ويشير ذلك، بحسب الكاتبة، إلى أنَّ نسبةً كبيرة من السكان مُعرَّضةٌ للانزلاق تحت خط الفقر أو البقاء في حالة فقر مزمنة.

وترى الكاتبة أنَّ تأنيث الفقر يُعد كذلك ظاهرةً مثيرة للقلق، إذ تشكل النساء نحو ثلثي الفقراء. ومن ثَمَّ، تعترف الكاتبة بأنَّ الفقر المدقع في إيران اُستُئصِل إلى حدٍّ كبير، لكنَّها تعتقد أنَّ الفقر النسبي ما زال يمثل مشكلة حقيقية، ولم يُقضَ عليه في السنوات الأربعين الماضية منذ الثورة.

ووفقًا لهذه المؤشرات، خلُصَت الكاتبة إلى أنَّ أداء إيران -عند مقارنته بأداء الدول الثلاث الأخرى لتوضيح مسار النمو الاقتصادي الذي كان يمكن لإيران أن تسلكه- كان أضعف، مضيفةً أنَّ وعد الثورة بالازدهار لم يتحقق، مع أنَّ إيران أحرزت بعض التقدم في التخفيف من حدة الفقر المدقع. وفقا للبيانات المتاحة، يتضح، بحسب الكاتبة، أنَّ عدم المساواة في توزيع الدخل قد انخفض. لكنَّ التصوُّر بأنَّ عدم المساواة مرتفعٌ ومتفاقم ما زال قائمًا؛ مما يؤجِّج الاستياء العام.

فرصٌ ضائعة

وترى الكاتبة أنَّ النمو الباهت يرجع إلى أسباب عديدة: بعضها بسبب سياسات داخلية، والآخر بسبب عوامل خارجية. وسلَّطت الضوء على فرصتين ضائعتين بسبب السياسات الداخلية:

الأولى هي أنَّ عملية التأميم والمصادرة الهائلة بعد الثورة أسفرت في الأساس، بحسب الكاتبة، عن القضاء على الطبقة الناشئة في قطاعي الصناعة والأعمال الحرة بإيران التي برزت في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضى.

وأشارت الكاتبة إلى الاعتقاد السائد بأنَّ تلك الطبقة استفادت من رأسمالية المحاسيب التي كانت قائمة في عهد الشاه، مؤكدةً أنَّ معظم الصناعيين الأوائل نشأوا من بداياتٍ متواضعة وكانوا رجال أعمال عصاميين. وضربت مثالًا على ذلك بالشقيقين أحمد ومحمد خيَّامي، اللذين ترعرعا من جذور الطبقة الوسطى وبدآ صناعة السيارات في إيران، التي تعد اليوم ثالث أكبر مجالٍ يوفِّر فرص عمل في إيران (بعد النفط والغاز)، وما زالت تضع إيران في المرتبة 16 في قائمة أكبر الدول المنتجة للسيارات في العالم.

وأضافت الكاتبة أنَّ جميع الصناعيين تقريبًا هاجروا البلاد وأنشأوا أعمالًا ناجحة في الخارج، بينما كانوا يؤهِّلون أبناء جيلهم القادم ليصبحوا قادةً في أكثر الشركات العالمية تطورًا. وتعتقد الكاتبة أنَّ إنشاء قطاع خاص قوي يتطلَّب طبقةً من الصناعيين، مثل عائلتي كوتش وصابانجي في تركيا، أو عائلة تشونج سي يونج في كوريا.

وأشارت الكاتبة إلى أنَّ الشركات المُصادَرة في إيران بعد الثورة سُلِّمَت إلى أشخاصٍ موالين للحُكَّام على أسس أيديولوجية. لذا لم تتمكن الجمهورية الإسلامية في السنوات الأربعين الأخيرة من تحفيز طبقةٍ حقيقية مستقلة في مجال ريادة الأعمال الحرة، بحسب ما تراه الكاتبة، التي أضافت أنَّ المحسوبية والفساد والمصالح وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسات، وبيئة الأعمال المرهقة كلها عوامل أعاقت أي شخصٍ رغب في أن يكون رجل أعمال.

وكما يوضح الجدول ثلاثة، فإنَّ إيران تحتل مرتبة منخفضة – وأقل من الدول الثلاث الأخرى – في معظم تصنيفات الدول وفقًا للمؤشرات المتعلقة بالأعمال.

(جدول 3: بعض المؤشرات المرتبطة ببيئة الأعمال)

أمَّا الفرصة الضائعة الثانية، بحسب الكاتبة، فهي إهدار إيران رأس مالها البشري. إذ ذكرت الكاتبة أنَّ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في عام 1950 لدى البالغين (أي بدايةٍ من سنِّ 15 عامًا) في إيران بلغ 13%، وكان ذلك أقل من المعدلات العالمية ومعدلات الدول الثلاثة الأخرى (انظر الشكل أدناه). وترى الكاتبة أنَّ انخفاض مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة يُشكِّل العديد من العقبات، أولها ندرة الأشخاص المتعلمين الذين يمكن تدريبهم ليصبحوا مُعلِّمين كي يُعلِّموا الآخرين؛ مما يجعل التقدم بطيئًا. وأشارت الكاتبة إلى أنَّ جهودًا كبيرة قد بُذِلَت لرفع نسبة معرفة القراءة والكتابة إلى نحو 40% قبل الثورة.

ومنذ عام 1980، وصل معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في إيران إلى نحو 85%، لكنَّه ما زال أقل من معدلات تركيا وكوريا وفيتنام. وتعتقد الكاتب أنَّ هذه الزيادة تُعزى أساسًا إلى تعليم جيل الشباب والقضاء على الفجوة بين الجنسين. وبحسب الكاتبة، فإنَّ نسبة معرفة القراءة والكتابة تكاد تكون عالمية وفي نفس مستوى أفضل الدول في هذا الصدد. وأضافت أنَّ شريحة الإيرانيين الأكبر سنًا، ومعظمهم في المناطق الريفية، ممَّن ما زالوا أميين، يدفعون معدلات معرفة القراءة والكتابة في إيران إلى أسفل (انظر الشكل أدناه).

معدلات الأمية في البلدان الأربعة منذ عام 1950 إلى عام 2010، ومعدلات معرفة القراءة والكتابة بين الشباب والكِبار في تركيا وإيران

وأشارت الكاتبة إلى أنَّ مؤشِّر معرفة القراءة والكتابة وحده قد لا يُقدِّم صورةً كاملة عن الهِبة المتمثلة في رأس المال البشري في إيران، مضيفةً أنَّ ارتفاع نسبة معرفة القراءة والكتابة بعد عام 1980 أدى إلى استثماراتٍ كبيرة في التعليم العالي، لدرجة أنَّ واحدًا من بين كل 10 إيرانيين تقريبًا لديه درجة جامعية واحدة على الأقل.

واستشهدت بتقرير رأسمال البشري الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2015، الذي ذكر أنَّ عدد الخريجين الجامعيين في إيران أكثر بمليون شخصٍ من عدد الخريجين الجامعيين في إيطاليا على سبيل المثال، وأكثر بثلاثة أرباع مليون شخص من عدد الخريجين في تركيا، ويبلغ نحو ثلاثة أضعاف ونصف عدد خريجي إسرائيل، التي تضم مجموعة عالمية بارزة من المواهب.

وترى الكاتبة أنَّ إيران، في ظل ارتفاع نسبة المتعلمين بين شبابها وانخفاض متوسط أعمارهم وبلوغه 27 عامًا فقط، لديها ميزةٌ ديموغرافية فريدة تتيح لها فرصة كبيرة لزيادة معدلات النمو. لكنَّها أضافت أنَّ هذه الإمكانية غير مستغلة إلى حدٍّ كبير، واستشهدت بأنَّ إيران لديها أدنى معدلات مشاركة في القوى العاملة، إذ أنَّ نسبة 45% فقط من القوة العاملة ناشطةٌ اقتصاديًا، ولديها كذلك واحدًا من أعلى معدلات البطالة، لا سيما بين الشباب المتعلم. وهذا موضَّح جيدًا على محور «deployment» أو «تطبيق المهارات المكتسبة» في الأشكال أدناه.

تقرير رأس المال البشري الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2015

وأشارت الكاتبة إلى أنَّ العامل الحاسم في انخفاض معدَّل المشاركة العامة هو النساء، مستشهدةً بأنَّ معدل مشاركة النساء في القوى العاملة يبلغ 17%، وهو من أدنى المعدلات في العالم، مع أنَّ النساء يشكلن أكثر من 60% من خريجي الجامعات وأكثر من 70% من طلاب مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

ولو كانت النساء ناشطات اقتصاديًا «في ظل افتراضاتٍ مشابهة (كما هي الحال في بعض الدول الأخرى)، لبلغت زيادة الناتج المحلي الإجمالي في إيران نحو 40%، وفقًا لتقديرات (صندوق النقد الدولي)»، حسب ما تراه الكاتبة. وتعتقد الكاتبة أنَّ انخفاض المشاركة في القوة العاملة يرجع إلى عدد لا يحصى من القوانين واللوائح التمييزية بين الجنسين.

الأسواق

أشارت الكاتبة إلى أنَّ الأداء الاقتصادي للدول يتحسَّن حين تستفيد من اقترابها من نشاطٍ اقتصادي يتميز بالثقل في دولةٍ أخرى. ويعرض الشكل أدناه خريطة العالم وفقًا لحجم الأسواق. وترى الكاتبة أنَّ من أهم ركائز نمو تركيا، وكوريا الجنوبية، وفيتنام وصعودها هي قدرتها على الاستفادة من النمو في البلدان المجاورة واستخدام هذه البلدان كمنصات انطلاقٍ للوصول إلى أسواق عالمية أوسع.

شكلٌ يوضِّح القوة الشرائية الدولية

وأضافت الكاتبة أنَّ إيران تقع حرفيًا عند مُلتقى منطقتين كبيرتين تزداد أهميتهما الاقتصادية يُمثِّلان الأسواق الآسيوية والأوروبية، وتُقع كذلك بين روسيا وأفريقيا. لذا ترى الكاتبة أنَّ إيران كان يمكن أن تستفيد من جغرافيتها الاقتصادية الفريدة من نوعها وتزيد من حجم صناعتها. وصحيحٌ أنَّها، بحسب الكاتبة، قد حققت بعض التكامل الاقتصادي والإقليمي في العقد الماضي، لكن هناك العديد من الحالات التي استُبعِدَت فيها إيران أو ضيَّعت فرصًا مهمة.

إذ أدت الضغوط الجيوسياسية، ومعظمها نجم عن العلاقات العدائية بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تقويض بعض الفرص، بحسب ما ذكرته الكاتبة، التي أضافت أنَّ ذلك ربما أسفر عن تجاهل إيران في العديد من مشروعات البنية التحتية العابرة للبلدان، مثل مشروع خط أنابيب «تابي» الطموح الذي يربط الهند بأوروبا، أو مشروع بوابة آسيا الوسطى التي سيمر عبر باكستان، أو خط أنابيب جنوب القوقاز الذي يمتد من أذربيجان عبر تركيا إلى أوروبا. وتعتقد الكاتبة أنَّ إيران لو كانت استثمرت في الأسواق المجاورة لها، لأصبحت مثل اليابان أو كوريا الجنوبية، وبقيت ضمن أكبر 20 اقتصادًا في العالم.

«ناشيونال إنترست»: الإمارات وإيران قد تدخلا في صراع مباشر.. لماذا ومن ينتصر؟

واختتمت الكاتبة تحليلها بالإشارة إلى أنَّ إيران كان بإمكانها الاستفادة من سُكَّانها الشباب المتعلمين لو انتهجت سياسات داخلية تُشجِّع الأعمال الحرة، وكان بإمكانها تحقيق استفادةً أكبر بكثير من جغرافيتها الاقتصادية الفريدة لو انتهجت سياسة خارجية رامية إلى التكامل الإقليمي والعالمي. ومن ثَمَّ، ترى الكاتبة أنَّ إيران حققت بعض التقدم بالطبع في السنوات الأربعين الأخيرة، لكنَّها فشلت في اللحاق بركب الدول التي كانت متخلفةً عن إيران قبل الثورة.

وشبَّهت الكاتبة ذلك بقصة السلحفاة والأرنب الخيالية القديمة، إذ قالت إنَّ القوة الاقتصادية الإيرانية تمكَّنت من التقدم على أقرانها مدة زمنية قصيرة، لكنَّ إستراتيجية السير بُخطًى بطيئة ثابتة التي انتهجتها الدول الأخرى أعطتها التفوق على إيران لاحقًا. وأشارت الكاتبة في النهاية إلى أنَّ إيران ما زال لديها الأساسيات لاستعادة مكانتها، مضيفة أنَّ هذه فرصة ينبغي عدم إضاعتها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد