لا ريب أنَّ الصراع الإسرائيلي الإيراني بلغ مستوًى غير مسبوق في العقد الجاري، في إطار الحرب السورية والصراع مع حزب الله في لبنان، فضلًا عن النفوذ الإيراني في العراق. ومؤخرًا، أطلقت إسرائيل عملية درع الشمال، التي كشفت عن العديد من الأنفاق الحدودية التي تستخدمها حركة حزب الله المدعومة من إيران ما أوضح حجم المخططات الإيرانية التي تُشكِّل تهديدًا واضحًا لأمن إسرائيل. وفي مقالٍ نشرته صحيفة «هآرتس»، استعرض الخبير الإعلامي العسكري عاموس هاريل أبعاد هذا التهديد الإيراني ومدى تطوُّره في السنوات الأخيرة.

أوضح هاريل أنَّ الجيش الإسرائيلي كشف حتى الآن ثلاثة أنفاق تابعة لحزب الله أسفل الحدود اللبنانية بينما تدخل عملية درع الشمال أسبوعها الثاني، في حين تتواصل عمليات التنقيب في عددٍ من المواقع بطول الخط الحدودي. وذكر أنَّه من المتوقع أن تستمر الجهود الهندسية لأكثر من شهر، وأنَّ الجيش الإسرائيلي سيضطر بعدها على الأرجح لإجراء بعض التعديلات المتعلقة بحالة تأهب الجيش على السياج الحدودي.

وأشار هاريل إلى زيارةٍ هذا الأسبوع أجراها بنيامين نتنياهو، في دوره المزدوج باعتباره رئيسًا للوزراء ووزيرًا للدفاع (إلى جانب الوزارات الأخرى التي يتولاها)، عاد فيها إلى المنطقة التي هدد منها حزب الله في الماضي. لكن يرى هاريل أنَّ هذه الزيارة كانت مخصصةً للاستهلاك المحلي أيضًا. إذ يستعد رئيس الوزراء للانتخابات العامة القادمة لإسرائيل في العام القادم، وتُوفِّر زياراته المستمرة للضباط والجنود أجواءً مثاليةً لحملته الانتخابية.

من بينها «فيلق القدس» و«فرع فلسطين».. كيانات حملت اسم قضية فلسطين ولا تدافع عنها

وأشار هاريل إلى فيلمٍ ترويجيٍ أصدره حزب الله عام 2014، وذكره العقيد (احتياط) بيساك مالوفاني، المسؤول الرفيع السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في مقالٍ نُشِر الأسبوع الماضي على موقع «إسرائيل ديفينس». وعدت حركة حزب الله في الفيلم بـ«تحرير البعنة ودير الأسد ومجد الكروم»، وهي ثلاث قرى عربية في الجليل، وقدَّمت خطةً هجوميةً تعتمد على ما لا يقل عن 5 آلاف مقاتل.

وفقًا للفيلم، ستتقدم الوحدات على أربعة محاور، من نهاريا في الغرب إلى مسجاف عام في الشرق، فضلًا عن قوةٍ خامسةٍ في الاحتياط. وسيُغطي تلك القوات وابلٌ من الصواريخ التي سيُطلقها حزب الله من الجليل.

يذكر الكاتب أنَّ المسؤولين الإسرائيليين تجاهلوا ذلك الفيلم بوصفه حربًا نفسيةً محضة. وحتى الآن يصعب تخيُّل كيف ستنقل حزب الله هذا العدد من الجنود دون انكشاف أمرهم تحت الأرض عبر أنفاقٍ ضيقةٍ وقصيرةٍ نسبيًا. والمثير للاهتمام هو أنَّ حجم القوات التي ذُكرت يُقارب الأعداد التقريبية للمقاتلين في وحدة الرضوان للقوات الخاصة التابعة لحزب الله. وحين تُؤخذ الأنفاق المُكتشفة مؤخرًا في الاعتبار، يسهُل إدراك الكيفية التي تُفكر بها حزب الله في ما يتعلق بالمعركة المُقبلة.

Embed from Getty Images

بحسب هاريل، تُعَدُّ خطوات حزب الله جزءًا من التغيير في خُطط إيران. ففي الأشهر الأخيرة، شهد التدخل العسكري الإيراني في سوريا تراجعًا بسبب الضغط الروسي، وتناقصت كذلك شحنات الأسلحة المُهرَّبة إلى حزب الله في لبنان أيضًا.

وفي الوقت ذاته، ضغطت موسكو على إسرائيل من أجل تخفيف ضرباتها الجوية في سوريا إثر إسقاط السوريين لطائرة استطلاع الروسية عن طريق الخطأ في سبتمبر (أيلول) الماضي. ووافق الروس هذا الأسبوع أخيرًا على استقبال وفدٍ عسكريٍ من إسرائيل برئاسة اللواء أهارون هاليفا، رئيس الأركان العامة بإدارة العمليات، لكنَّ جيش الدفاع الإسرائيلي يرفض وصف الأمر بأنه مُؤشرٌ على نهاية الأزمة.

ووسط الصعوبات التي تُواجه العمليات الإسرائيلية داخل سوريا، يوضح الكاتب أنَّ إيران تُكثِّف من جهودها في الدولتين المجاورتين. إذ تنشر صواريخها بعيدة المدى القادرة على ضرب إسرائيل في غرب العراق. أما في لبنان، فتحاول بناء مصانعَ تسمح لها بتحسين دقة توجيه صواريخ حزب الله القديمة. وتُصاحب تلك الجهود نزاعاتٌ تتعلَّق بأولويات الاستثمار في أجندة النظام الإيراني، في ضوء العقوبات المتزايدة من الولايات المتحدة واحتجاجات الإيرانيين العاديين نتيجة الاقتصاد المتدهور.

«كابوسٌا مُروِّعٌا»: بالأرقام.. من يفوز لو قامت الحرب بين إيران وإسرائيل؟ 

منذ اكتشاف الأنفاق، حرصت هيئة الأركان العامة على إيضاح أنَّ حزب الله لا يمتلك سوى بضع عشراتٍ من الصواريخ الدقيقة، على الرغم من هوس وسائل الإعلام بمشروع الصواريخ الدقيقة في لبنان.

وينفي هاريل امتلاك الإيرانيين للقدرة «الصناعية» التي تُمكنِّهم من تحقيق التحوُّل السريع إلى الصواريخ الدقيقة في لبنان. فضلًا عن أنَّ تهريب الأسلحة على متن الطائرات من إيران إلى بيروت يحدث على نطاقٍ ضيق بحسب الكاتب، أضيق مما كان يحدث في قوافل الأسلحة على الأراضي السورية.

وفي الشمال، شهد عام 2018 تفوقًا استراتيجيًا كبيرًا لصالح المحور الذي يدعم نظام الأسد في سوريا، إذ استولى مُجدَّدًا على معظم الأراضي السورية وأعاد استقرار الحكومة. لكنَّ الإيرانيين عانوا حالات فشلٍ أيضًا وفقًا لهاريل؛ إحداها كان تباطؤ جهودهم لترسيخ وجودهم العسكري في سوريا بسبب الضربات الإسرائيلية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار). والسبب الآخر هو الكشف عن خطة أنفاق حزب الله.

لكن هذا لا يعني أنَّ قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، سيستسلم في عام 2019. وينصح الكاتب إسرائيل بأن تفترض أنَّ إيران ستُحاول الهجوم على جبهاتٍ أخرى. وفي الوقت الحالي، يبدو أنَّ ذلك سيحدث في لبنان، حيث تُشكِّل مصانع الصواريخ الدقيقة المشكلة الرئيسية.

ويوضح هاريل أنَّه إذا وجدات طهران مُبرِّرًا للهجوم على إسرائيل مستقبلًا، مثل الجهود الأمريكية لمواجهة البرنامج النووي والصواريخ الإيرانية، فمن الصعب الاقتناع بأنَّ حزب الله سيقف مكتوف الأيدي، كما حدث خلال المواجهة مع إسرائيل في سوريا هذا العام. وفي ضوء المليارات التي استثمرها الإيرانيون داخل لبنان، سيأتي يومٌ يُطالبون فيه حسن نصر الله بعائد تلك الاستثمارات. وهو ما اتضح مؤخرًا في تصريحٍ لمسؤولٍ كبير في وزارة الدفاع خلال اجتماعٍ مع نظرائه الأوروبيين، قال فيه إنَّه من الصعب الحفاظ على الهدوء في لبنان لعامٍ آخر.

وأضاف ذلك المسؤول بحسب هاريل: «سنُدمر الأنفاق ونُخرجها من المعادلة، لكنَّ مشروع الصواريخ الدقيقة سيظل مشكلةً بالنسبة لنا. إذ تُحاول إيران بناء نظامٍ صاروخيٍ في العراق وسوريا، فضلًا عن الصواريخ التي قدَّمتها لحزب الله في لبنان والمنظمات الفلسطينية في غزة بالفعل. وهذا أكثر من المسموح به بالنسبة لنا؛ على الإيرانيين أن يُغادروا سوريا بالكامل. ولا يكفي أن يكونوا على بُعد 60 أو 80 كيلومترًا من الحدود الإسرائيلية».

تحدٍ غير مسبوق

Embed from Getty Images

يوضح هاريل أنَّ الخطاب الإسرائيلي المُعادي لإيران خلال العِقْدِ الماضي ركَّز على البرنامج النووي. لكنَّ الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وما أعقبه من رفع العقوبات عن إيران (والتي أُعيد فرض بعضها مؤخرًا حين تخلَّت واشنطن عن الاتفاق)، كشف القناع عن تقدُّم الجهود الإيرانية الأخرى لتطوير الصواريخ بعيدة المدى وزيادة نفوذها في المنطقة.

ويشير الكاتب إلى أنَّ التهديد العسكري التقليدي الذي تتعرَّض له إسرائيل تضاءل إثر انهيار الجيش السوري وتوطيد العلاقات مع مصر. لكن من ناحيةٍ أخرى، يرى هاريل أنَّ التهديد الهجين المُشترك الذي تُطوِّره إيران من عدِّة اتجاهاتٍ وبأساليبَ عديدة هو تحدٍ لم تُواجهه إسرائيل في الماضي. أمَّا رشقات الصواريخ الثقيلة ضد المدنيين والبنية التحتية الاستراتيجية، ومحاولة الاستيلاء على الأراضي الحدودية، والحرب السيبرانية والحرب الإلكترونية، واحتمالية فتح جبهةٍ ثانيةٍ في غزة، والتساؤل الأكبر عن رد الفعل الروسي، فكل تلك العوامل تضمنتها السيناريوهات التي درستها هيئة الأركان العامة في السنوات الأخيرة.

وهنا يبرز سؤال مهمٌ وفقًا للكاتب: هل القوات البرية الإسرائيلية، التي تعتمد جزئيًا على الإسهامات الكبيرة من جنود الاحتياط، جاهزةٌ لسيناريوهاتٍ أشد وطأة؟ ويوضح هاريل أنَّ هذا السؤال هو جزءٌ من الجدل الدائر حول اللواء (احتياط) يتسحاق بريك، مُفوَّض شكاوى الجنود بوزارة الدفاع، الذي لم يتعرض للانتقاد بسبب أسلوبه المُشين وتصريحاته الساحقة، لكن يبدو أنَّ الصفعة التي وجَّهتها تقاريره للجماهير قد تسبَّبت في فتح عملية تحقيقاتٍ إيجابيةٍ داخل جيش الدفاع الإسرائيلي ولجنة الشؤون الخارجية والدفاع في الكنيست.

ويرى هاريل أنَّ الجيش سيكتشف أن التحقيقات الداخلية من وقتٍ لآخر ليست فكرةً سيئةً على الإطلاق، حين يَكُفُّ الجنرالات عن الشعور بالإهانة. إذ يميل مُديرو المنظمات الكُبرى لاكتشاف أنَّ الواقع أقل بريقًا من توقعاتهم الشخصية عن ذواتهم.

وداخل الجيش، تنقسم الآراء حول القوات البرية بحسب هاريل. ويتساءل هل كانت الخطوات التي اتَّبعها غادي أيزنكوت رئيس الأركان لرفع مستوى جيش الدفاع الإسرائيلي كافية؟ إذ يعتقد البعض أنَّها مُتخلِّفةٌ بعقودٍ من الزمن. ويذكر الكاتب أنَّ أيزنكوت تحدَّى القادة السياسيين في صيف عام 2015 حين نشر وثائقَ مُتعلَّقةً باستراتيجية جيش الدفاع الإسرائيلي، في محاولةٍ منه لإجبار الساسة على الانخراط في نقاشاتٍ أعمق بشأن الجيش ومستقبله.

ويُنهي هاريل تحليله بالإشارة إلى تصريحات نتنياهو القليلة التي تطرَّقت للإجابة عن هذا السؤال خلال الأشهر الأخيرة، إذ تُوضِّح أنه يتصوَّر جيشًا أكثر اعتمادًا على القوات الجوية والتكنولوجيا والاستخبارات. أما القوات البرية، ونظام جنود الاحتياط تحديدًا، فهي على الأرجح ستظل مُتخلِّفةً عن الركب. ويوضح الكاتب أنَّ نتنياهو سيتعيَّن عليه في منصبه بوصفه وزيرًا للدفاع أن يجد الوقت الكافي لمناقشة هذه الأمور المثيرة للجدل بتعَمُّقٍ أكبر خلال النصف الأول من العام المُقبِل، حين يتولى اللواء أفيف كوخافي منصب رئيس الأركان.

علي السيستاني.. الإيراني الذي ينافس «خامنئي» ويتحكم في مصير العراق

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد