الحرب الباردة المستمرة بين إيران والمملكة العربية السعودية، وتأثيرها في المنطقة.

لم يتعرض رئيس أمريكي لمهانة كتلك التي أحرجت أوباما لدى زيارته لما يفترض أنه الحليف الأكبر للولايات المتحدة في العالم العربي. في أبريل «نيسان» الماضي، أحد أكثر رجال العالم نفوذًا استقبل استقبالًا فاترًا من حاكم الرياض، بلا احتفالات أو مراسم، الملك سلمان كان حينها يستريح في قصره دون أن يكلف نفسه عناء الذهاب للمطار. وقف أوباما على مدرج المطار حائرًا للحظات، لكنه تدارك الموقف، ليتستر على إهانته بابتسامة عريضة

كانت الرسالة واضحة. السعودية تشعر أنها تركت في وضع حرج، فليس من الواضح لديها الآن مع أي طرف تقف واشنطن فعلًا. الترحيب الفاتر يظهر كم اتسعت الفجوة بين الحليفين المفترضين، وكم تغيرت خارطة العلاقات في الشرق الأوسط في الأعوام الأخيرة، ثمة تحالفات جديدة وخصومات جديدة تغرق المنطقة في الحرب الباردة لهذا العصر.

تغيرات سريعة وكثيرة

الشرق الأوسط الجديد يرزح تحت وطأة الكثير من النزاعات التي تأخذ شكلًا طائفيًّا. الحرب الأهلية الأكثر دموية في عصرنا مستمرة في سوريا منذ 6 سنوات، وقف إطلاق النار المطبق منذ أشهر لا يبدو مرشحًا للصمود طويلًا. العراق واليمن تمزقهما الصراعات أيضًا. ثمة سلام هش في لبنان والبحرين، لكن الاضطرابات الطائفية قد تؤدي لانهياره في أي لحظة. في خضم كل هذا، ظهر المارد الجديد، ذاك الذي لا يكتفي بالشرق الأوسط كأرض لمعاركه، بل يوسع الرقعة لتشمل بروكسل وإسطنبول وباريس، وكل بلاد العالم. الدولة الإسلامية ميليشيا سنية، لكنها لا ترى إيران فقط كعدو لدود لها، بل السعودية أيضًا.

الدمار في حلب

في كل تلك النزاعات تقف الرياض أو طهران مع أحد الأطراف، فالدين لدى كليهمها محور أساسي للسلطة. المملكة العربية السعودية تحمي مكة والمدينة، وهي موطن الإسلام السني كما تحب أن تعتبر نفسها. إيران على الطرف الآخر، دولة دينية شيعية، ترى نفسها زعيمًا لشيعة العالم، ونسبتهم 13% تقريبًا من المسلمين.

بعد عقود من العداوة، وقعت إيران مع أمريكا اتفاقًا نوويًّا. تأمل أمريكا أن يحد هذا من قدرة إيران على امتلاك أسلحة نووية، وتأمل إيران أن يمكنها من العودة لعلاقات طبيعية أكثر مع الغرب. كانت إيران منعزلة عن المجتمع الدولي لعقود طويلة، الآن تريد أن تستعيد دورها السابق في المنطقة، كلما زادت عدد الدول الشيعية شعرت إيران بقوة أكبر، وغضبت السعودية الأصولية أكثر. الحرب الباردة الجديدة تؤثر في العالم كله، فريق من صحفيي شبيغل زار البلدين، وقابل العديد من القادة الدينين والسياسيين والنشطاء والأشخاص العاديين.

أقلية شيعية في السعودية.. وقود آخر للاضطرابات

«إنهم يقتلوننا لأننا شيعة»، «لن ننساك يا نمر»، «نمرنا لم يمت»، عبارات تغطي الكتل الخرسانية السميكة بمنتصف مدينة العوامية، تبدو المدينة بتلك الكتل ونقاط التفتيش والمدرعات على مداخلها، وكأنها في حرب أهلية.

نمر النمر كان معارضًا شرسًا لآل سعود، ومدافعًا عن حقوق الأقلية الشيعية في البلاد، والتي تبلغ نسبتها 10% من سكان المملكة. وجهت له تهم تتعلق بالإرهاب وتلقي الدعم من إيران، في يناير (كانون الثاني) من العام الجاري أعدمته السعودية مع 46 سجينًا آخرين، معظمهم أدين بتهمة الإرهاب أيضًا. كانت تلك أكبر موجة إعدام تشهدها المملكة منذ عقود ثلاثة، تلاها موجة غضب في إيران. أحاطت المظاهرات بالسفارة السعودية في طهران، ثم سحبت إيران سفيرها، وأصبحت العلاقات أكثر جمودًا.

محمد النمر، شقيق نمر النمر، رجل أعمال يقع مكتبه في ضواحي العوامية، يبدو رجلًا حذرًا محتاطًا، يدين الهجوم على سفارة المملكة قائلًا إنه يحب بلده. يتحدث محمد عمّا قاله شقيقه عند وفاة الأمير نايف بن عبد العزيز: «ستأكله الديدان وسيعاني من عذاب النار في قبره». الرجل الذي جعلنا نعيش في معاناة وخوف، هكذا يصف محمد الأمير نايف، «كنا فرحين لموته، لكن هذا ليس إرهابًا». ابن محمد، يقبع في السجن منذ 5 سنوات، محكوم عليه بالإعدام لمشاركته في مظاهرات معارضة، كان عمره حينها 17 عامًا. الأب يدافع عن ابنه قائلًا: «لقد كان طفلًا، ذكيًا وطموحًا ويستعد للجامعة، الآن يجلس خلف جدران زنزانته».

إعدام النمر والعقوبة التي صدرت على ابن أخيه أثارت الاستياء في جميع أنحاء العالم. يظهر هذا كم تشعر السعودية بالضغط من وجود الشيعة، لتثير توترًا طائفيًّا حتى على أرضها، ثم لتتوسع بمغامراتها لتشمل جيرانها. الحملة العسكرية ضد المتمردين الشيعة الحوثيين فشلت بالرغم من شهور من القصف. تبقى من ذاك صور المدنيين القتلى والدمار، الصور التي لا تخدم إلا إيران.

تراشق سياسي.. ووجهات نظر متباينة

علي أكبر ولايتي وزير الخارجية الإيراني الأسبق، ومستشار السياسة الخارجية لعلي خامنئي تحدث لدير شبيغل عن «صداقة إيرانية يمنية عمرها 2000 عام»، كما تحدث عن تشابه الأحداث الجارية مع الأمجاد الإيرانية السابقة. منذ قرون، صدت القوات الفارسية «الغزاة» الإثيوبيين عن اليمن، «مثلهم تمامًا، سيتعرض السعوديون لهزيمة ساحقة لأنهم غارقون حتى آذانهم في المستنقع»؛ كما يؤكد ولايتي. لا يبدو الرجل مهتمًا بحقائق على الأرض، مثل أن الرئيس اليمني «عبد ربه منصورهادي» معترف به دوليًّا، وليس «غير شرعي» كما يصفه الإيرانيون. ولايتي واثق مما يقول، لديه كبرياؤه الفارسي، إذ كيف تُقارن بضعة عقود من حكم آل سعود أو العقوبات الغربية، بتاريخ الإمبراطورية الفارسية الذي يتجاوز الـ 4000 عام؟

«عادل الجبير» وزير الخارجية السعودي، التقته «دير شبيغل» أيضًا. يقول الجبير إن الحرب اليمنية لم تخترها السعودية، يضيف: «لقد فرضت علينا، لم يكن لدينا خيارات، مليشيا شيعية مدعومة من إيران وحزب الله سيطرت على جارتنا الجنوبية». السعودية لديها الحق في القلق. إيران التي يبلغ تعداد سكانها أكثر من 3 أضعاف السعوديين، تريد السيطرة على الشرق الأوسط، أمريكا الحليف القديم تغير خططها. على السعودية إذًا ألا تبقى ذاك الحليف الإستراتيجي الذي يوفر النفط دائمًا، ولا يعتمد في خططه العسكرية سوى عقلية دفاعية. المملكة الآن تريد إعادة توازن القوى في الشرق الأوسط، تحول جذري عن الماضي، قد لا تكون عواقبه كلها محسوبة.

نقطة تحوّل فاصلة على الجانبين

لم تكن الأمور كذلك دائمًا، في منتصف القرن العشرين، بعد أن أصبحت البلدان مصدرين كبيرين للنفط، وحليفين رئيسين للولايات المتحدة، كان هناك تفاهم وربما تعاون بينهما. حتى إن في نهاية ستينيات القرن الماضي كان الملك فيصل والشاه يتبادلان الرسائل.

تغيرت الأوضاع تمامًا بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، العام الذي لم يشهد تغيرًا إيرانيًّا فحسب، ولكن أحداثًا مأساوية على الجانب السعودي أيضًا.

في العشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) كان الحرم المكي على موعد مع اضطرابات عنيفة، احتجزت مجموعة يقودها رجل يدعي أنه المهدي بعض الحجاج كرهائن، وطالبوا بسقوط الملك. الموقف كان محرجًا ومهينًا للغاية للعائلة المالكة؛ خادم الحرمين الشريفين لم يتمكن من حماية زوار الحرمين الشريفين، بل ولم يكن أمامه من خيار سوى الاستعانة بالقوات الفرنسية الخاصة -الكفار- لإنقاذ بيت الله الحرام. بعد الحادث كان على الملك استعادة هيبته وغسل العار الذي لحق به، فشرع في إنفاق الملايين من أموال النفط على الدعاة المتطرفين كبرهان على إيمانه أمام شعبه. لكن الدعاة، مدعومين بملايين الملك وسلطتهم الدينية التي ظلت تأخذ أبعادًا جديدة عملوا على نشر الوهابية -النسخة الأكثر تطرفًا وصرامة من الإسلام- في جميع أنحاء العالم.

أصبح عام 1979 إذًا علامة في التاريخ المعاصر الإسلامي، سواء السني أوالشيعي؛ روح الله الخميني تبنى في هذا العام فكرة تصدير«الثورة الإسلامية»، بينما تبنت المملكة السعودية غرس بذور التطرف السني حول العالم. البذور التي ما زالت مرارة ثمارها تدمر ليس فقط الشرق الأوسط، بل والمملكة العربية السعودية نفسها.

عداوةٌ قديمةٌ متجددة

uni.png1توالت منذ ذاك العام حوادث التراشق السياسي بين البلدين، لعل أكثر الحوادث بروزًا هو الاشتباك بين الحجاج الإيرانيين وقوات الأمن السعودية، والذي راح ضحيته 400 من الحجيج. تلا الحادث اتهامات متبادلة، بل ودعا الخميني لإسقاط آل سعود. تدهورت العلاقات شيئًا فشيئًا، لتصل إلى مراحل الجمود والعداوة، كان واضحًا أن التاريخ المعاصر للبلدين سيحمل على عاتقه قدر العداء القديم بين العرب السنة، والفرس الشيعة.

بدأ الأمر منذ القرن السادس عشر، حينها تبنى الفرس الإسلام الشيعي كمذهب رسمي للبلاد. بعدها بقرن واحد كان محمد بن عبد الوهاب يؤسس الوهابية في شبه الجزيرة العربية وينشر فيها ازدراءه بل وكراهيته للشيعة. كانت دعواه تجديد الإسلام السني، وهو الفرع الأكبر بكثير من الإسلام.

أصبح الانتماء المذهبي إذًا أداة تسلط سياسي، ووسيلة لتعريف المجتمعات. اليوم تستخدم الدولتان المذهب لبسط سيطرتهما السياسية، لا عجب إذًا أن تشهد الدولتان صراعًا مشابهًا بين إصلاحيين ومحافظين. نظرة على المجتمعين تظهر أنه على الرغم من اختلاف المذاهب والعداوة السياسية الرسمية، فهناك تشابه مثير للدهشة بين التحديات التي تواجه المجتمعين.

تحديات واحدة.. ومجتمعات متشابهة

طهران والرياض مدينتان كبيرتان، تتشابهان من حيث شرطة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والملصقات الدعوية التي توجد في كل مكان، وتتشابهان أيضًا في مظهر الحداثة التي تزحف عليهما بشكل لا يستطيع أحد إيقافه. يبدو هذا جليًّا بشكل كبير في تطور الدور التي تلعبه المرأة في المجتمعين. تشكل الفتيات في طهران 60% من طالبات الجامعات، في مجتمع تساوي فيه شهادة المرأة نصف شهادة الرجل رسميًّا، كما ترث البنات نصف ميراث إخوتهن الذكور.

شهيندخت مولاوردي استطاعت أن تصل في ظروف كتلك لمنصب نائب رئيس الجمهورية، مكتبها يعج بصور الولي الفقيه وعلامات الدولة الدينية، لا تنتقد النظام بشكل صريح أبدًا، كما أنها ترتدي «الشادور» الذي يغطي جزءًا من وجهها؛ مع ذلك توصف شهيندخت بأنها نسوية تقدمية، تحاول تحسين قوانين الأسرة والعقوبات، لتجعلها أقل تمييزًا ضد النساء.

الوضع في الرياض يشهد تحسنًا أيضًا بالنسبة للنساء، وإن كانت الأمور أكثر صعوبة بكثير، فالمملكة العربية السعودية هي الدولة الأكثر تمييزًا ضد النساء في العالم. تُمنع النساء من قيادة السيارات ومن السفر وحدهن، لكنهن مثل إيران يدخلن الجامعات بأعداد متزايدة. النساء  استطعن مؤخرًا دخول مجلس الشورى أيضًا، وهو شبيه بالبرلمان، مع الفارق أن معظم أعضائه يتم تعيينهم. قابلت ديرشبيجل «هدى الجيريسي»، سيدة أعمال وعضوة بمجلس الشورى. في الشركة التي ترأسها يمنع دخول الرجال، تقول الجيريسي إن عدم وجود الرجال يساعد النساء على أن يكن بحرية أكبر، داخل شركة الجيريسي تجلس الموظفات بلا عباءات وبلا أغطية رأس، وجود الرجال كان سيحتهم عليهن زيًّا مختلفًا وغرف عمل منفصلة ومغلقة. خارج أسوار الشركة أصبحت سيدة الأعمال مغطاة بالسواد لا يظهر منها إلا عينيها، تمامًا مثل معظم النساء الأخريات.

الجيريسي هي واحدة من 20 امرأةً اختيرت لعضوية مجلس الشورى في أول انتخابات تشارك المرأة فيها في البلاد، سواء بالترشح أو بالاقتراع. تجلس النساء في غرفة منفصلة عن الرجال بالمجلس، ويتواصلن مع زملائهن عن طريق أجهزة وشاشات. لكن الجريسي تقول إن الأمر لا يزعجهن، وأن الأمور تتحسن حتى لو كان الأمر بطيئًا،  تضيف الجريسي: «منذ 20 عامًا كان وجود نساء عاملات ليقيم حربًا أهلية في البلاد، الآن الأمر مقبول». الآن 15% من النساء السعوديات موظفات، ربما كضرورة اقتصادية أكثر من أي شيء آخر.

قداسة مطلقة.. وسلطة مطلقة

في إيران، المرشد الأعلى علي خامنئي يسيطر على كل مراكز القوى في البلاد، وله الحق في أخذ قرارات فيما يتعلق بكل شيء. تخضع لسلطته مؤسسة الحرس الثوري، وهي دولة داخل الدولة وأقوى مؤسسات الجمهورية الإسلامية أمنيًّا واقتصاديًّا. هذه مواصفات دولة ديكتاتورية بامتياز، لكن على الرغم من ذلك، وعلى النقيض من السلطة المطلقة في المملكة العربية السعودية يملك الإيرانيون بعض القدرة على المشاركة في صنع القرار. يحب الإيرانيون أن يطلقوا على نظامهم «الديمقراطية الإسلامية».

الديمقراطية الإسلامية إذًا هي تلك التي تحدد صلاحية المتقدمين لأي انتخابات بناءً على درجة «إسلاميتهم»، يحدد تلك الدرجة مجالس تخضع لسلطة مباشرة أو غير مباشرة من علي خامنئي. في الانتخابات الأخيرة الكثير من الإصلاحيين لم يعتبروا صالحين بما يكفي ليسمح لهم بخوض الانتخابات. أولئك الأكثر جرأة في مطالبهم الإصلاحية ودعوتهم لحرية التعبير وقضاء مستقل، لم يُستبعدوا من الترشح فقط، بل تم الزج بهم في السجون أيضًا.

المملكة العربية السعودية على النقيض لا تدعي حتى أنها ديمقراطية. «جمال خاشقجي» أحد المحللين السياسيين الأكثر نفوذًا في البلاد، يشرح لديرشبيغل قائلًا: «إذا كانت الديمقراطية هي الدواء، فنحن لسنا مرضى». في حقيقة الأمر كانت هياكل السلطة في السعودية مستقرة إلى حدٍّ كبير حتى وفاة الملك عبد الله عام 2015. لكن الملك الجديد، سلمان بن عبد العزيز قام بتغييرات جذرية تشمل حتى أولياء العهد. محمد بن سلمان، ولي ولي العهد مسؤول عن الجيش الآن، ويشرف على احتياطيات البلاد من النفط بصفته رئيسًا لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية. مع هذا، الحكومة الجديدة تأخذ خطواتها بحرص، وتحاول باستمرار التأكد من دعم القبائل القوية ورجال الدين أصحاب النفوذ.

اعتماد على النفط لا يمكن أن يستمر طويلًا

ما تزال المملكة العربية السعودية قادرة على البقاء بالمليارات التي حصلت عليها خلال الطفرة النفطية منذ عقود طويلة. لكن سعر النفط قد انهار تمامًا، وهناك عمليات عسكرية مكلفة في اليمن، وحروب بالوكالة في بلاد عدة تستنزف اقتصاد المملكة. مع ذلك تجد السعودية نفسها مضطرة لزيادة إنتاجها من النفط للحفاظ على انخفاض الأسعار لتضر الاقتصاد الإيراني. كل هذه المغامرات تكلف السعودية كثيرًا. إذا استمر الوضع كما هو عليه ستكون احتياطيات المملكة من العملة في خطر.

لا تجد المملكة بُدًّا إذًا من محاولة تنويع مصادر دخلها وتقليل اعتمادها على النفط. حتى لو ارتفعت أسعار النفط مجددًا، فمخزون النفط السعودي ليس دائمًا، تمامًا كمخزون النفط الإيراني؛ الدولتان كلاهما تعلمان أن النفط سينتهي مهما كانت كميته. تواجه الدولتان نفس المعضلة إذًا، اقتصاد غير متوازن، وكتلة سكانية شابة لا ترضى بأن يظل النفوذ كله في يد الشيب، بينما الشباب لا يجدون فرص عمل، ولا يجدون آذانًا مصغية لرغبتهم في الانفتاح، والإصلاحات السياسية والاجتماعية.

خطط طموحة.. واقتصاد متذبذب

برج المملكة في الرياض

برج المملكة في الرياض

في المملكة أعلن الأمير محمد بن سلمان عن رؤية مختلفة للبلاد يعمل على تحقيقها بحلول عام 2030. تزامن الأمر مع إقالة وزير النفط السابق، والذي شغل المنصب طويلًا. تبني السعودية ناطحات سحاب، وتحدّث الجهاز الإداري، وتوسع الخدمات في الحج، وتقوم بعمليات تطوير كبيرة في مجالات عدة. حتى آرامكو السعودية لحقتها عمليات بيع جزئية.

الأمر يبدو مشابهًا في إيران، على الرغم من كونها دولة منبوذة دولّيًا، لكن بمساجدها وحدائقها ومعابدها تطمح الجمهورية الإسلامية لزيادة السياح الذين يزورونها بنسبة 400% بحلول عام 2025. في سبيل ذلك يجري بناء 125 فندقًا فخمًا لاستيعاب الزيادات المتوقعة. بالإضافة لذلك، يبدو أن كل شيء سيخضع للتطوير، مثل صناعة السيارات وأساطيل السفن والمطارات. قد تكون سنوات العزلة انتهت، لكن الآثار المترتبية على العزلة طويلة الأمد، ومن أهمها سيطرة الحرس الثوري على مفاصل الاقتصاد. مؤسسة الحرس الثوري كانت تحاول ملء الفراغ الذي يسببه عزوف الشركات الأجنبية عن البلاد، لكن هذا جعل المؤسسة عملاقًا اقتصاديًّا ليس من السهل أن يعطي مكانه لأحد.

مسجد وكيل في شيراز- إيران

شراكة وتعاون لابد منهما

ليست السعودية وإيران كما قد يصورهما المتعصبون من الطرفين؛ مباراة مصارعة في حلبة لا تحتمل سوى فائز واحد. المملكة السعودية دولة قوية بأغلبية سكانية شابة، علاقتها مع الغرب ممتازة، وتمتلك شبكة علاقات متميزة في جميع أنحاء العالم. إيران، دولة قوية وشابة أيضًا، وتستطيع الآن أن تؤسس شبكة علاقاتها الخاصة، لتستمتع بالتعاملات الاعتيادية مع الأسواق العالمية مثل المملكة.

البعض في الغرب يرى الشرق الأوسط منطقة صراعات أبدية، يحكم فيها التعصب والجنون بدل العقل والمنطق. محللو ديرشبيغل يرون أن الغرب يستطيع أن يحاول تقوية الأصوات العاقلة، بدلًا من أن ينسحب وحسب.

آثار الصراع في اليمن

السياسة أوسع من أن تفرض على الغرب شريكًا واحدًا، إيران والسعودية ليستا شريكين مثاليين على كل حال، فالبلدان كلاهما معاقل تعذيب وحشية للمعارضين، وسجلاتهما حافلة بانتهاكات حقوق الإنسان. على مدار عقود كانت الولايات المتحدة لاعبًا أساسيًّا في منطقة الشرق الأوسط، بعد فشل مهمتي العراق وأفغانستان، ليس من الحكمة أن تنسحب أمريكا من الشرق الأوسط، هذا طبقًا لديرشبيغل سيترك فراغًا سياسيًّا كالذي استغلته روسيا مؤخرًا في سوريا.

اعتادت الولايات المتحدة اتهام إيران بكل مشاكل الشرق الأوسط، بعد تحسن علاقتها بإيران عقب الاتفاق النووي، لا يجب أن توجه أمريكا دفة اتهاماتها نحو السعودية، لا بد من توازن في العلاقة مع البلدين كليهما. هناك مشاكل كبرى في الشرق الأوسط مثل الصراع في سوريا، هذه مشاكل لا يمكن أن تحل دون تفاوض حقيقي بين إيران والسعودية.

لدى أوروبا وسيلتان مهمتان لممارسة الضغط على البلدين للقبول بمفاوضات: 500 مليون مستهلك في الأسواق الأوروبية، وإمكانية فرض قيود أكثر صرامة على الصادرات العسكرية. لفترة طويلة كانت سويسرا وسيطًا دبلوماسيًّا بين الولايات المتحدة وإيران، وبين الرياض وطهران. وساطة وجهود توجت بالاتفاق النووي، لكن الاتفاق ليس إلا بداية لعهد جديد من مفاوضات لا مفر منها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد