أعداء الأمس أصدقاء اليوم، حلقة جديدة في مسلسل التحالفات، غير المعهودة، كشف عنها تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية الشهيرة، التي عنونت أحد تقاريرها الحصرية، كما يلي: «فورين بوليسي»:  إيران تتحالف مع طالبان لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» في أفغانستان.

لطالما كانت «إيران»، ولم تزل تملك عقودًا من العداء مع التنظيمات السنية، ومن بين تلك التنظيمات حركة «طالبان» الأفغانية.

بيد أن للضرورة أحكامها؛ فمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في أفغانستان، بحسب التقرير، يدفع بالدولة الشيعية للتحالف مع تنظيم طالبان السني؛ من أجل وقف زحف داعش.

التقرير استهل بقوله «تعمل إيران مع طالبان لإنشاء منطقة عازلة على طول حدودها مع أفغانستان؛ لمنع دخول تنظيم داعش، في أحدث علامة على كيفية أن صعود التنظيم يحول متنافسين ـ منذ فترة طويلة ـإلى حلفاء متشككين».

داعش أكبر تهديد

وأضاف التقرير أن دفع «طهران» المتزايد لتأمين حدودها التي تمتد إلى 572 ميل مع أفغانستان، يمثل تحولًا كبيرًا للقوة الشيعية. وكانت إيران قد نظرت منذ فترة طويلة إلى طالبان، وهي تنظيم سني متشدد، باعتباره تهديدًا مباشرًا. وقدمت طهران أيضًا أسلحة، ومساعدات أخرى لقوات التحالف الشمالي، خلال حربها مع طالبان، في السنوات التي سبقت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، لأفغانستان، عام 2001.

لكن التقرير استطرد بقوله إن «إيران تعتقد الآن أن تنظيم طالبان يشكل تهديدًا أقل بكثير من التهديد الذي يشكله تنظيم داعش، الذي يمتلك التنظيم التابع له في أفغانستان، وفق ما يعتقد المسئولون الأمريكيون، ما يصل إلى 3000 مقاتل».

وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي كان قد وعد  بإنهاء أطول حرب لأمريكا قبل أن يغادر منصبه، منح «وزارة الدفاع الأمريكية» (البنتاجون)، بدلًا من ذلك، الضوء الأخضر لتكثيف الحملة الجوية ضد مقاتلي تنظيم داعش داخل أفغانستان. بين بداية يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (أذار) 2016، شنت الطائرات الحربية الأمريكية، ما يقرب من 100 هجوم في أفغانستان، والجزء الأكبر في محافظة «نانغارهار»، وهي معقل التنظيم.

وأوضح التقرير أن طهران تمضي قدمًا فيما هو أبعد من ذلك، وتقوم بتجنيد عناصر من حركة طالبان لمواجهة توسع تنظيم داعش داخل أفغانستان، ومنع مسلحي التنظيم – الذي يتبنى أيديولوجية عنيفة ضد الشيعة – من عبور الحدود إلى إيران.

ونقل التقرير عن السفير «مايكل ميلبن»، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في أفغانستان، قوله مؤخرًا «إن الإيرانيين يحاولون بالفعل تأمين حدودهم المباشرة تجاه أفغانستان، ضد اختراق داعش، من خلال العمل جنبًا إلى جنب مع مختلف المجموعات، وأمراء الحرب، وطالبان، على طول حدودها؛ لإنشاء منطقة عازلة».

وأضاف «إنهم يعملون بالفعل في هذا الشأن».

وقال ميلبن إن استعداد إيران لنقض العداوة التاريخية تجاه طالبان، في جزء منه، ينبع من التنافس مع المملكة العربية السعودية. وقال السفير الذي يجتمع بانتظام مع كبار المسؤولين الإيرانيين، إن طهران تعتقد أن تنظيم داعش يعمل بشكل فعال كذراع لحكومة السعودية.

وأضاف بقوله «إن ايران سوف تفسر أي تحرك من جانب داعش، كواجهة سلوك عدواني من قبل المملكة العربية السعودية»، وأضاف «إذا برز داعش على طول حدودهم الشرقية، فسوف يشعر الإيرانيون أن السعودية تخلق جبهة ثانية».

منطقة عازلة

وفيما يتعلق بالمنطقة العازلة سالفة الذكر، ذكر تقرير المجلة الأمريكية أنها ستشمل منطقة ممتدة من التضاريس.

ونقل التقرير عن أحد المطلعين على الأمر أن المنطقة العازلة ستمتد من ولاية «هلمند» جنوب أفغانستان، وحتى إقليم «كوندوز» شمال البلاد.

ورفض مسؤول في المخابرات الأمريكية التعليق على طبيعة التعاون الإيراني مع حركة طالبان، لكنه قال، إنه «في ضوء جهود إيران ضد عناصر تنظيم داعش في سوريا والعراق، فليس من المستغرب أن تقلق إيران من ثأر مقاتلي التنظيم، بما فيهم فرع خراسان (خراسان هو الاسم الذي يستخدمه تنظيم داعش لمقاتليه في أفغانستان)».

كما نقل التقرير عن اثنين من المسؤولين الغربيين، قولهم إن طهران كانت تمد قوات طالبان على طول حدودها بالمال وكميات صغيرة من الأسلحة نسبيًا، بدرجة منخفضة، مثل الرشاشات والذخائر والقذائف الصاروخية.

وفقًا لتقرير «فورين بوليسي»، فإن واشنطن تشارك طهران حرصها على محاربة التنظيمات التابعة لتنظيم داعش داخل أفغانستان، ولكن المخاوف من أن بعض الأموال والأسلحة التي تقدمها إيران لطالبان يمكن أن تستخدم يومًا ما ضد القوات الأمريكية.

وقال «جون كيربي»، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، إن الولايات المتحدة تريد أن تعمل إيران بطريقة بناءة ومباشرة مع الحكومة الأفغانية، والمجتمع الدولي لدعم استقرار وسيادة أفغانستان وسلامة أراضيه».

تحالف غريب

ووصف التقرير التعاون المتزايد بين طالبان وطهران بـ«أغرب» التحالفات التي نشأت عن صعود تنظيم داعش.

ففي سوريا، تحالفت الولايات المتحدة مع الرئيس السوري بشار الأسد لمواجهة داعش، فبينما حاربتهم قوات الأسد على الأرض، شنت الطائرات الجوية الأمريكية العديد من الغارات التي استهدفت تنظيم داعش.

وبالمثل في العراق، فبينما تولت الطائرات الأمريكية مهام الحرب الجوية ضد تنظيم داعش، سعت القوات الإيرانية شبه العسكرية المدعومة من قبل الميليشيات الشيعية المسلحة بواسطة إيران مباشرة، على إبطاء زحف داعش ووقف مكاسبها الإقليمية.

ووفقًا لـ«ليزا مزناكو»، كبيرة مسئولي البيت الأبيض لمكافحة الإرهاب، فقد خسر تنظيم داعش 45 % من أراضيه في العراق، و 20% في سوريا.

وأضافت مزناكو أن القوات الأمريكية والأوروبية وقوات العمليات الخاصة العربية يستعدون لشن هجوم جديد ضد عاصمة داعش في الرقة، معقل التنظيم في سوريا.

غير أن التقرير اعتبر أن أفغانستان تمثل تحديًا مختلفًا تمامًا. فحدودها مع إيران طويلة ومليئة بالثغرات، مما يتيح نظريًا لمقاتلي تنظيم داعش عدة طرق لدخول البلاد الشيعية لشن هجمات جديدة. وفي أواخر عام 2014، قال المتحدث باسم التنظيم، «أبو محمد العدناني»، إن المتشددين مستعدون «لتحويل إيران إلى برك من الدماء».

ولحسن حظ طهران، بحسب التقرير، فإن طهران لديها شريك في الحرب ضد داعش: حركة طالبان.

وذكر التقرير أن كلًا من طالبان وداعش يواجهان بعضها البعض منذ أكثر من عام، وقد حشدت حركة طالبان أكثر من 1000 من قواتها الخاصة لمواجهة داعش. وذكرت «هيئة الإذاعة البريطانية» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أن التنظيمين قد اشتبكوا في جميع أنحاء شرق أفغانستان، مما أسفر عن عشرات القتلى من الجانبين.

وفي علامة أخرى على العلاقات الوثيقة بشكل متزايد بين الخصمين منذ فترة طويلة، قتل زعيم طالبان، «الملا اختر محمد منصور»، في باكستان، بعد أن استهدفته طائرة دون طيار أمريكية، نهاية الأسبوع الماضي، خلال عودته من إيران، حيث تعيش أسرته. ويقول مسؤولون أمريكيون إن «الملا منصور كان يسافر بانتظام وبحرية داخل وخارج إيران».

ونقل التقرير عن «بارنيت روبين»، وهو دبلوماسى أمريكي يحظى بسنوات من الخبرة في أفغانستان، قوله إن وجهات النظر الإيرانية الاستراتيجية بشأن التعاون مع طالبان بدأت تتغير عام 2007، بعد أن وقعت الولايات المتحدة شراكة مع «كابول» تسمح للقوات الأمريكية بالبقاء في البلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد