قبل أسبوعٍ على تظاهرات الذكرى السنوية للثورة الإسلامية التي تُقام في 11 فبراير (شباط)، نشرت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية تقريرًا أعدَّته مراسلتها في طهران عن مشاعر الإيرانيين حيال الجمهورية الإسلامية التي دام حُكمها 40 عامًا منذ اندلاع الثورة وحتى الآن.

وأوردت الصحيفة أن جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي المُتشدِّد، توقع العام الماضي أن الجمهورية «لن تعيش حتى عيد ميلادها الأربعين». ويبدو بوضوحٍ أنه كان مخطئًا. لكن الجمهورية الإسلامية تشهد جدلًا جادًا داخلها للمرة الأولى حول قدرتها على البقاء في صورتها الحالية.

مهدي بازرغان.. سلحفاة السياسة على طريق الثورة السريع  

ويسخر الساسة الإيرانيون من التعليقات التي تُشبه تصريح بولتون باعتبارها ساذجةً، بحسب الصحيفة، ويتحدثون عن دولةٍ أسهمت في تطوير طبقةٍ متوسطةٍ كبيرةٍ ومتعلمةٍ تعي التاريخ الحديث المضطرب وتُدرِك المخاطر التي تُهدِّد أمنها. ويُصرّ رجال الدين الحاكمون أن المذهب الشيعي -الذي قامت على أساسه الجمهورية الإسلامية- يتَّسم بالمرونة الكافية لتكييف أحكامه مع المتطلبات المعاصرة عند الضرورة.

إيران 1979-1989

ذكرت «فاينانشال تايمز» أن الإيرانيين أمضوا عقدًا كاملًا من الزمان في ثورتهم التي كللت بالنجاح في 16 يناير (كانون الثاني) عام 1979، حين تخلى الشاه محمد رضا بهلوي عن منصبه وغادر إيران. وفي مطلع فبراير، عاد آية الله روح الله الخميني إلى إيران بعد أن قضى 14 عامًا في المنفى، ليُسيطر المُتظاهرون بعد 10 أيامٍ فقط على الإذاعة والتلفزيون ويُعلنوا انتصار الثورة. وفي 1 أبريل (نيسان)، صوَّت الإيرانيون بالموافقة على تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية باكتساح. ثم هجم الطلاب الإيرانيون على سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، واحتجزوا 52 دبلوماسيًا كرهائن لمدة 444 يومًا.

وفي سبتمبر (أيلول) من عام 1980، هاجمت العراق إيران في حربٍ استمرت حتى عام 1988، وراح ضحيتها قرابة نصف مليون جنديٍ من الجانبين بحسب الصحيفة. وإبان نهاية الحرب في صيف نفس العام، أعدمت إيران الآلاف من أنصار منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية بعد انضمام الجماعة للهجمات العراقية. لكن آية الله الخميني تُوفِّي في يونيو (حزيران) من العام التالي، ونُصِّب آية الله علي خامنئي خلفًا له في منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية.

جنود عراقيون أثناء الحرب بين العراق وإيران

وفي نفس الشهر من عام 1989، انتُخِب أكبر هاشمي رفسنجاني -أحد أركان الثورة المُطالبين بحكم رجال الدين- رئيسًا للبلاد في ظل وعده بوضع خطةٍ لإعادة الإعمار، وشغل المنصب لثمانية أعوام.

وأوردت الصحيفة البريطانية أن المعارضة التي واجهها الشاه المدعوم من قِبَل الولايات المتحدة تزايدت خلال الإثني عشر شهرًا التي سبقت ثورة 1979. إذ أصبح نظامه شديد الوحشية، وأدخل إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ على الطراز الغربي أثارت حفيظة المجتمع شديد التديُّن والتقليدية. كما أثار حنق التجار الذين لا تعنيهم السياسة داخل الأسواق الشعبية، مما دفعهم إلى الانضمام لرجال الدين والطلاب والعمال في الاحتجاجات والإضرابات التي عمَّت البلاد.

وترى الصحيفة أن آية الله روح الله الخميني، الذي أصبح مؤسس الجمهورية الإسلامية لاحقًا، أسهم في تأجيج الاضطرابات من محل إقامته في باريس. وبعد أن نفاه الشاه عام 1964 لقيادته الاحتجاجات المناهضة لإصلاحاته العلمانية، تواصل الخميني مع مؤيديه الذين يسكن الكثير منهم في المناطق الريفية عبر أشرطة الكاسيت التي سجَّلها في ضواحي العاصمة الفرنسية. وهُرِّبت تلك الأشرطة إلى إيران بجانب البيانات الورقية التي وزعها رجال الدين الشباب عبر شبكةٍ من المساجد بالتعاون مع مجموعةٍ منتقاةٍ من الماركسيين والقوميين الذين اتَّحدوا تحت راية إسقاط الشاه، رغم أن كلًا منهم كان يسعى للسيطرة على النظام الذي سيحل محله.

ويُناقش الكثير من الإيرانيين الآن بانفتاحٍ ما إذا كان النظام الحالي يتَّجه نحو قدرٍ مماثلٍ لما أصاب الشاه محمد رضا بهلوي بحسب الصحيفة. وقال بهمان، رجل الأعمال البالغ من العمر 65 عامًا والذي شارك في ثورة عام 1979: «كيف تظنون أن الثورة حدثت؟ حدثت في أيامٍ تُشبه هذه الأيام تمامًا، حين كنا مُحبطين ونبحث عن تغييرٍ كبير».

إيران 1989 وحتى اليوم

محادثات نووية وعقوبات وتمسك بالسلطة

ترى «فاينانشال تايمز» أن أبرز الأحداث التي سطرت الحياة السياسية الإيرانية منذ عام 1989 وحتى اليوم هي: المحادثات النووية والعقوبات المفروضة على إيران وتمسُّك رجال الدين بالسلطة.

فاز محمد خاتمي بانتخابات الرئاسة باكتساحٍ، في مايو (أيار) عام 1997، إثر تعهُّده بإصلاح النظام السياسي. وبدأت إيران محادثاتها النووية مع الاتحاد الأوروبي بداية من عام 2003 وحتى عام 2005، دون التوصُّل إلى اتفاقٍ حول البرنامج الإيراني.

وبحلول يونيو من عام 2005، أصبح محمود أحمدي نجاد رئيسًا للجمهورية بعد أن وعد باستعادة مبادئ الثورة وتسريع الخطة النووية. وبعد أربعة أعوامٍ بالضبط من ذلك التاريخ، لقي 100 شخصٍ على الأقل مصرعهم في الاحتجاجات التي اندلعت بشأن التلاعب المزعوم بالانتخابات التي أبقت على أحمدي نجاد في منصبه لفترةٍ رئاسيةٍ أخرى.

محمود أحمدي نجاد

وأوردت الصحيفة أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة فرضت عقوباتٍ على المخططات النووية الإيرانية، بين شهري مايو (أيار) ويونيو (حزيران) من عام 2011. ولكن حسن روحاني فاز برئاسة الجمهورية في مايو من عام 2013، مُتعهِّدًا بـ«التصالح مع العالم» مع وعدٍ بالتوصُّل إلى اتفاقٍ نووي. وأوفى روحاني بوعده في يوليو (تموز) من عام 2015، حين وقعت إيران الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا. ورُفعت العقوبات المُتعلِّقة بالبرنامج النووي عن إيران.

لكن الاحتجاجات التي عمَّت البلاد ضد السياسات الاقتصادية، بدايةً من ديسبمر (كانون الأول) عام 2017 وحتى يناير (كانون الثاني) عام 2018، تحوَّلت إلى تظاهراتٍ مناهضةٍ للنظام. وكتب الرئيس دونالد ترامب نهاية شهر العسل الأمريكي الإيراني بإعلان انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية وإعادة فرض العقوبات.

تحويل مسار الثورة وولادة الجمهورية الإسلامية

ترى «فاينانشال تايمز» أن عودة الخميني إلى إيران في مطلع فبراير عام 1979 -بعد أسبوعين من تخلِّي الشاه عن منصبه ومغادرته البلاد- غيَّرت مسار الاحتجاجات. إذ اعتقد الكثير من المراقبين أن رجال الدين سيعودون إلى صوامعهم ويتركون السلطة داخل إيران للتكنوقراطيين (حكومة الكفاءات) في غياب الشاه. ولكن بعد عشرة أيامٍ فقط، في 11 فبراير، صادر الثوار مبنى الإذاعة والتلفزيون التابع للدولة وأعلنوا انتصارهم. ووضع الجيش أسلحته جانبًا مُعلنًا حياده. وكشف استفتاءٌ أُجري بعد شهرين أن 98% من الناخبين يُؤيِّدون تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وأفادت الصحيفة أن رجال الدين -الذين لا يمتلكون خبرةً في حُكم إيران- رحَّبوا أول الأمر بالشخصيات المُثقَّفة التي ترتدي البدلات الرسمية وأربطة العنق، لكنهم قرَّروا لاحقًا أن يشغلوا المناصب التنفيذية العليا بأنفسهم مخافة أن يُواجهوا نفس مصير الشاه.

تظاهرات الثورة الإيرانية في سبعينيات القرن الماضي

وأعاد الكثير من الإيرانيين النظر في تأييدهم للثورة، بحسب الصحيفة، في ظل استمتاع الجمهورية الإسلامية بدعم مؤيديها الرئيسيين -الذين يُقدِّر المُحللون المؤيدون للإصلاح أن أعدادعم تبلغ عدة ملايين.

ينقل التقرير عن عزيز، الذي كان طالبًا يبلغ من العمر 26 عامًا، إنه انضم للثورة حين «صُدِمَ» برؤية النساء في الشوارع دون تغطية رؤوسهم وأصابه «الغثيان» من مشهد الحانات التي تبيع الكحوليات. ولكنه يقول الآن بعد 40 عامًا إنه سئم ما وصفه بـ«نفاق» النظام وما يعتبره استغلالًا للإسلام في الأغراض السياسية. ويُحمل النظام المسؤولية عن تباطؤ النمو الاقتصادي في البلاد، قائلًا: «كانت إيران قريبةً من أن تكون في مكانة كوريا الجنوبية الآن لو لم تحدث الثورة. لقد اعتقدنا بسذاجةٍ أن العدالة الاجتماعية ستسود في ظل نظامٍ إسلامي».

وتحدَّثت الصحيفة البريطانية إلى فريد أيضًا، وهو نجل عضوٍ بارزٍ في حزب توده الذي كان أكبر حزبٍ شيوعيٍ داخل إيران وأدَّى دورًا كبيرًا في ثورة 1979. ولكن والده سُجِن لسبع سنواتٍ في أعقاب الثورة، ضحيةً لعمليات التطهير التي بدأت بمُجرَّد استيلاء رجال الدين على الحكم. وازدادت وتيرة عمليات التطهير في أعقاب غزو العراق لإيران عام 1980، إذ سُجِنَ الآلاف وشُنِقَ آخرون مثل أعضاء مجاهدي خلق الذين دعموا العراق في الحرب.

وقال فريد، الذي وصف والده بالمحظوظ لأنه لم يُعدَم: «لا أريد أن تحكمني الجمهورية الإسلامية، لكن ذاكرتي التاريخية تُثير مخاوفي من أيامٍ أسوأ. ويبدو اليوم أشبه بالطريق المسدود، حيث لا يُمكنك المضي قُدُمًا أو التراجع للوراء. وأشعر أنني لا أمتلك إلهامًا أو طاقةً في مواجهة الجمهورية الإسلامية شديدة النفوذ».

«فورين بوليسي»: تعرف إلى الجنرال الإيراني الذي ضمن للأسد بقاءه

وترى الصحيفة أن المهندس الحقيقي الذي بنى الجمهورية الإسلامية المعاصرة هو آية الله علي خامنئي، الذي حكم البلاد كمرشدٍ أعلى للثورة الإسلامية على مدار الأعوام الثلاثين الماضية. وبنى «سلطته المطلقة» على أساس ولاء نخبة الحرس الثوري ورجال الدين المُتشدِّدين، رغم أنه ما يزال يُعامل بازدراءٍ من بعض كبار رجال الدين الذين يُشكِّكون في شرعيته. لكنه سيبلغ الثمانين من عمره هذا العام.

وتحدَّى العديد من الرؤساء قراره بمنح الحرس الثوري دورًا أكبر، بحسب الصحيفة، لأنهم رأوا أن القوات الموالية للمرشد الأعلى عرقلت إصلاحاتهم الاقتصادية والسياسية في فترة ما بعد الحرب. وفي الوقت ذاته، أسهم التحضُّر في تغيير التركيبة الأساسية للبلاد، كما يعد التوسع في إنشاء الجامعات -وخاصةً للنساء- واحدًا من أكثر الخطوات التقدُّمية في تاريخ الجمهورية من وجهة نظر الصحيفة البريطانية.

حالةٌ الاستياء تسود مختلف الطبقات الاجتماعية

أفادت الصحيفة أن البعض اتجَّه إلى الشبكات الاجتماعية -مثل إنستجرام وتطبيق الرسائل الشهير تيليجرام– للتعبير عن غضبهم إزاء المؤسسة الدينية، مُتبادلين النكات حول مدى رجعية رجال الدين المُسنِّين بمدينة قم المقدسة في التعامل مع القضايا المُعاصرة.

وقال أحد رجال الدين: «يحق للإيرانيين أن يروا أن أصل مشكلاتهم يكمن في الخلط بين الدين والسياسة. وتزداد الأصوات المطالبة بالفصل بين الاثنين». لكن مسؤولًا إصلاحيًا سابقًا حذَّر من أن الساعين إلى تغييرٍ جذريٍ سيُصابون بخيبة الأمل: «أولئك الذين يتحدَّثون عن انهيار الجمهورية الإسلامية لا يعرفون الكثير عن إيران والمذهب الشيعي. إذ سيحول صمود وبراجماتية المؤسسة الدينية الشيعية بالتعاون مع الإيرانيين أنفسهم دون قيام حركةٍ راديكاليةٍ على غرار ثورة 1979».

نساء يتدربن على حمل السلاح قبل نهاية الحرب بين العراق وإيران – طهران- 1988

وترى الصحيفة البريطانية أن الجمهورية الإسلامية تبدو ضعيفةً الآن في ظل العقوبات التي أنهكتها والانتقادات التي تُواجهها نتيجة مشاركتها في الصراعات الخارجية داخل العراق وسوريا واليمن، فضلًا عن الانقسامات الداخلية حول الشخصية التي ستحل محل المرشد الأعلى المُسنِّ. إذ خرجت التظاهرات إلى الشوارع العام الماضي بمشاركة العمال والمُدرِّسين وضحايا الفضائح المصرفية. وتحدَّت النساء السلطات علنًا في المظاهرات المناهضة للحجاب التي انتشرت عبر الإنترنت.

وبنهاية عام 2017، تسبَّب ارتفاع الأسعار في اندلاع تظاهراتٍ واسعة النطاق ضد الفقر والفساد في المناطق التي تقطنها الطبقة العاملة والتي ضجَّت بالهتافات المطالبة بتغيير النظام.

ولا يستبعد الساسة إمكانية اندلاع احتجاجاتٍ أخرى، بحسب الصحيفة، لكنهم يُطالبون بالحذر. وقال حمید-رضا ترقی، السياسي المُقرَّب من القوى المُتشدِّدة: «سينهار النظام في حال انعدام الأمن أو حين يفقد سيطرته على شؤون البلاد، ولم يحدث ذلك حتى الآن داخل إيران. والفجوة بين النظام السياسي والشعب ليست كبيرة؛ إذ أن القوات العسكرية الإيرانية تتبع تعليمات القادة السياسيين وتتمتَّع البلاد بهيمنةٍ استخباراتيةٍ شاملةٍ تفتقر إليها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط».

وتحدَّثت «فاينانشال تايمز» إلى حامد (38 عامًا)، الذي وُلِدَ من رَحِمِ الثورة، إذ كان والداه من بين آلاف المتظاهرين الذين شاركوا في إسقاط النظام الملكي وولادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي ستُتِمُّ عامها الأربعين الأسبوع القادم. انضم والده للحرس الثوري دفاعًا عن النظام وحارب لبقائه في حرب إيران مع العراق التي راح ضحيتها قرابة نصف مليون شخص.

ولم يشهد حامد أي نظامٍ آخر سوى نظام الحكم الثيوقراطي (الديني)، بحسب الصحيفة، على غرار أكثر من نصف الشباب الإيراني. ولكن قُبيل عيد الدولة الأربعين، تساءل خريج كلية التجارة عن الأسباب التي دفعت بوالديه إلى إسقاط الدولة البهلوية التي حكمت البلاد بين عامي 1925 و1979. وقال إنها «غلطةٌ» لن يسعى لتكرارها: «أحترم رغبات جيل والديَّ في التغيير، لكنني لا أفهم تصرفهم الصبياني الذي أدَّى إلى إسقاط نظام حكمٍ كان أمامه مجالٌ للتحسُّن. النظام المثالي بالنسبة لي هو النظام العلماني، لكنني لست مستعدًا لتدمير كلٍ شيءٍ ما دامت هناك مساحةٌ للإصلاح».

الطبقة الوسطى.. بين الوعود الواهية وخيبات الأمل

أفادت «فاينانشال تايمز» أن الطبقة الوسطى الإيرانية، التي تقف وراء كل حركات التغيير التي حدثت في البلاد على مدار القرن الماضي، واصلت مقاومتها للحدود الاجتماعية والسياسية. لكن علماء الاجتماع يقولون إن تلك الطبقة، التي كانت في طليعة احتجاجات عام 2009 بشأن التلاعب بالانتخابات، أُصيبت بالإرهاق وأصبحت أقل حماسةً -على الجانب السياسي- من أي وقتٍ مضى بحسب الصحيفة.

وترى الصحيفة البريطانية أن مسؤولية خيبة الأمل هذه تقع على عاتق الرؤساء الذين وعدوا دائمًا بالتغيير لكنهم لم يُوفوا بوعودهم على مدار العقود الثلاثة الماضية. وفي عام 2013، بدا وكأن حسن روحاني سيكون المُخلِّص الذي يبحث عنه الإصلاحيون. إذ وقع الرئيس الوسطي على الاتفاقية النووية مع القوى العالمية عام 2015، وأُعيد انتخابه عام 2017. لكن إنجازاته الاقتصادية -في خفض معدلات التضخم واستقرار سوق العملة وتخفيف العقوبات- أتت بآثارٍ عكسيةٍ حين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية من طرفٍ واحدٍ في مايو الماضي وأعادت فرض العقوبات. وعادت معدلات التضخُّم المرتفعة إلى سابق عهدها، إذ وصل المُعدَّل السنوي إلى 42% خلال شهر ديسمبر الماضي مقارنةً بالعام السابق، ومن المتوقع أن تشهد البلاد حالةً من الركود هذا العام.

كاتب أمريكي يكشف تفاصيل جديدة عن صفقة إيران كونترا في الثمانينات

وقال أحد علماء الاجتماع: «حين يُعاني الناس من الفراغ وإحساس بعدم الانتماء، تنمو أحلام مغادرة الوطن الأم والعيش داخل أرض أحلامٍ في الغرب أو إجراء جراحةٍ تجميلية». ودلَّلت الصحيفة على ذلك بقصة المهندس علي الذي يبلغ من العمر 44 عامًا، والذي يتذكَّر والده الذي كان يعمل طبيبًا ويرغب في دولةٍ علمانيةٍ وهو يحمله خلال التظاهرات في الأيام الأولى للثورة.

وحين عاد الخميني إلى طهران، كتب والد علي ورقةً تحمل عنوانه وعلَّقها حول رقبة طفله الذي يبلغ من العمر أربعة أعوامٍ خشية أن يتوه وسط الحشود الضخمة. ولكن علي «فرَّ» من وطنه الأم، الذي يقول إنَّه «آلمه كثيرًا» بحسب الصحيفة، وانتقل للعيش في أستراليا منذ 10 سنوات. وعاد إلى بلاده ليُؤسِّس شركةً تجاريةً في أعقاب توقيع الاتفاقية النووية. لكن العقوبات ضربته في مقتلٍ بعد أن تسبَّبت في انخفاض قيمة الريال الإيراني بنسبة 50% خلال العام الماضي.

واليوم، أصبح علي جزءًا من الطبقة الوسطى التي تُعَدُّ نعمةً ونقمةً على حُكَّام إيران بحسب الصحيفة. ويقول المُحلِّلون إن الطبقة الوسطى لا تُشكِّل خطرًا وجوديًا على النظام، رغم أن احتجاجات عام 2009 أجبرت الجمهورية على توسيع نطاق الحريات السياسية والاجتماعية. وشاركت أعدادٌ صغيرةٌ فقط من تلك الطبقة في الاحتجاجات ضد الفقر عام 2017، وهو الأمر الذي فسَّره المُحلِّلون بأن الطبقة الوسطى لا ترغب في زعزعة الأمن في أعقاب الربيع العربي الذي أثار الأزمات في كافة أرجاء المنطقة.

وقال محمد علي أبطحي، نائب الرئيس الإصلاحي الأسبق الذي اعتُقِل إبان اضطرابات عام 2009: «يظل الأمن على رأس أولويات الطبقة الوسطى. ويخشى الإيرانيون أن تتحَّول بلادهم إلى سوريا أو العراق، فضلًا عن أن سطوة جيش النظام الحاكم داخل البلاد وفي المنطقة تعني أن الجمهورية الإسلامية لن تنهار قريبًا».

وذكرت فرزانه، التي وُلِدَت في ديسمبر عام 1979 بعد شهرٍ واحدٍ من اجتياح الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية، أنها تُريد أن يُعيد قادة البلاد النظر في مواقفهم تجاه القوى الغربية -التي يُستقى مُعظمها من أزمة الرهائن. وأوردت الصحيفة البريطانية أنها قالت إن الهتاف بشعارات مثل «تسقط أمريكا» و«تسقط إسرائيل» يجب أن تتوقف، مُضيفةً أنها تكره العزلة التي سبَّبتها الثورة. وقالت الموظفة العاملة في شركةٍ تجارية: «لا أُحب الولايات المتحدة، لكني أرغب في أن أكون جزءًا من العالم».

مترجم: هل قد نشهد تحالفًا بين الشيعة والإخوان المسلمين ولماذا؟

وأفادت الصحيفة أن القيادة الإيرانية ما تزال تنأى بنفسها عن التعامل مع الولايات المتحدة، وخاصةً في أعقاب انسحابها أُحادي الجانب من الاتفاقية النووية. كما حذَّر آية الله خامنئي الشهر الماضي من تنفيذ مُخطِّطٍ أمريكيٍ كبيرٍ ضد الجمهورية الإسلامية هذا العام، وحثَّ الشعب على رفع حالة التأهب. وقال المسؤول السابق المُقرَّب من القيادة: «إقامة علاقاتٍ مع الولايات المتحدة سيعني انهيار النظام. ومصير الزعماء الدكتاتوريين المدعومين من قِبَل الولايات المتحدة في المنطقة هو خير مثالٍ على ذلك بالنسبة لنا».

وأوردت «فاينانشال تايمز» في ختام تقريرها تصريحات حامد، الذي تحرَّر والده من أوهام الثورة قبل وفاته عام 2012 وأصبح يرى الآن أن الأمل ضئيلٌ للغاية في ظهور دولةٍ علمانية، إذ قال: «تُقاوم الجمهورية الإسلامية التغييرات الكبرى، والتنظيمات المُعارضة على غرار أنصار الملكية ومجاهدي خلق ليست مُجدية. ولا أعلِّق أمالي على الولايات المتحدة أيضًا. إذ لا يحمل الجنود الأمريكيون أي ديمقراطيةٍ لأي دولة. وأشعر أنني عالقٌ في المنتصف».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد