عقدت منصة «ذا سيفر بريف» الأمريكية المتخصصة في قضايا الأمن القومي حوارًا مع نورمان رول، الخبير في شؤون الشرق الأوسط، ومدير الملف الإيرانى في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لمعرفة آرائه وتصوراته بشأن بعض القضايا في الشرق الأوسط التي تواجهها إدارة بايدن في الأشهر المقبلة.

وقد اخترنا لكم عددًا من الأسئلة المهمة التي طرحتها المنصة الأمريكية على الخبير الأمني.

المنصة: كان على إدارة بايدن التعامل مع كثير من القضايا في الشرق الأوسط، فكيف تُقيِّم أداءها؟

رول: أعتقد أنه من المبكر تقييم أداء الإدارة الأمريكية الجديدة التي وصلت إلى السلطة، ولديها أهداف رئيسة تريد تحقيقها، ووعدت بتقليص أعداد القوات الأمريكية في المنطقة، والاعتماد أكثر على الدبلوماسية والتعاون مع أوروبا لحل المشكلات الإقليمية، وإعادة ضبط العلاقات مع عدد من الحلفاء الإقليميين، مثل إسرائيل والسعودية. لكن تحديات المنطقة تفرض نفسها منذ أمد بعيد على أجندة واشنطن للسياسة الخارجية. حتى أصبحت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط مثار خلاف شديد بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

المنصة: هذا استعراض مثير للانتباه. هل توجد أنباء سارة من المنطقة للإدارة الأمريكية؟

رول: في الواقع عدد الأنباء السارة قليل جدًّا؛ إذ وجدت الإدارة تعاونًا من دول المنطقة في قضايا معقدة خارج المنطقة، ومنها الدور المهم الذي تلعبه قطر في السياسة الأمريكية تجاه أفغانستان، كما أن الإمارات والسعودية شريكان أساسيان في حل أزمات شرق أفريقيا. ويولي زعماء دول المنطقة قيمة كبيرة للتعاون الأمني ​​والمشاركة القوية مع القطاع الخاص الأمريكي. وصحيحٌ أن «تنظيم القاعدة» و«تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» لا يزالان يُشكلان تهديدًا، ولكن بقدرٍ أقل من ذي قبل. 

دولي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: تقييم إدارة بايدن في 6 أشهر.. ما مدى نجاح السياسة الخارجية؟

ومن الأنباء السارة أيضًا استمرار الإصلاحات السياسية والاقتصادية التي طال انتظارها، وإن لم تكن بالوتيرة التي يريدها المراقبون الغربيون. وأدخلت السعودية إصلاحات لافتة للنظر في مجال حقوق الإنسان. وبذل عدد من دول المنطقة جهودًا كبيرة لمكافحة الفساد، وإعادة تشكيل اقتصاداتها. وبدأت عمان في اتخاذ إجراءات جادة لإعادة هيكلة اقتصادها. وظل العراق وليبيا مستقرين، على الرغم من انقساماتِهما السياسية. وأعتقد أن الإدارة انبهرت أيضًا بجهود دول الخليج لتنويع اقتصاداتها، خاصةً في مجال الطاقة النظيفة. وحظيت زيارات جون كيري، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي لشؤون المناخ، بشعبية كبيرة، وربما أكثر مما توقَّعه البعض. وأرى في المنطقة كثيرًا من الزخم للمضي قدمًا.

المنصة: يبدو أن المحادثات النووية الإيرانية توقفت. كيف حدث هذا؟ وما المطلوب لكي تعود إيران إلى الصفقة؟

رول: ستعود إيران إلى الاتفاق النووي عندما توقن أولًا أنها انتزعت من الغرب جميع الامتيازات التي تحمي اقتصادها من أي عقوبات تفرض عليها بعد عدوانها غير النووي. كما تسعى للتأكد من أنها قوَّضت قدرة الولايات المتحدة لإعادة فرض العقوبات ضمن الاتفاق النووي نفسه. وتعهدت إدارة بايدن بالعودة إلى الاتفاق النووي، وأنهت سياسة الضغط الأقصى التي وضعتها الإدارة السابقة. وأعلنت الإدارة الأمريكية أيضًا عن نيتها لتقليل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وإعادة تقييم علاقة واشنطن بإسرائيل والسعودية، ودعم المشاركة الإقليمية مع إيران.

ويعتقد البعض أن الإدارة ربما تغض الطرف عن مشتريات الصين من النفط الإيراني بوصفها إشارة لطهران على حسن نية واشنطن. وإذا كانت إيران يحكمها عقلاء، فالمفترض أن يسفر هذا كله عن عودة سريعة إلى الاتفاق النووي. وفي المرحلة الراهنة لا تبدو الظروف مواتية لعودة إيران إلى الاتفاق النووي قريبًا؛ لأن طهران حصلت على جميع المميزات التي قدَّمها النهج الاستباقي لإدارة بايدن دون أن تقدِّم أي تنازلات.

Embed from Getty Images

ويجب أن نضع في الاعتبار أيضًا أن قادة إيران ربما لا يرغبون في العودة إلى الاتفاق النووي. وكان الهدف الأساسي لطهران من الاتفاق النووي لعام 2015 هو حمايتها من فرض عقوبات على القطاعات الأكثر ضعفًا في اقتصادها مقابل فرض قيود على برنامجها النووي غير العسكري. وفي النهاية علينا أن نتذكر أن إيران تاريخيًّا قدمت بعض التنازلات عندما واجهت تهديدًا دوليًّا موحدًا. وبغض النظر عن الاتفاق النووي، فإن بقاءه يُفتت وحدة القوى الدولية ضد إيران، وهو الأمر الذي كان دائمًا هدفًا أساسيًّا لزعماء إيران. وربما يُقربنا دعم هذا الاتفاق من أوروبا، وروسيا، والصين، لكنه سيؤدي حتمًا إلى اعتقاد حلفائنا الإقليميين بأننا تجاهلنا مصالحهم الأمنية المشروعة؛ لأنه لا يوجد سبب وجيه للاعتقاد بأن إيران ستغير من تصرفاتها العدوانية غير النووية.

المنصة: هل تستمر القيادة الإيرانية الجديدة في المشاركة في المحادثات النووية؟

رول: أعتقد أن طهران ستظل تشارك في المحادثات، لكنها قد تستغل الأسابيع المقبلة لتصعيد المواجهة والاستعداد للانسحاب من الاتفاق. وقد تُؤدي الأزمة المتزايدة الناجمة عن الهجمات الإيرانية في بحر العرب إلى تأجيل الصدام، لكن إيران ترى المحادثات إيجابية لها.

وبخلاف تخفيف العقوبات أسفرت المحادثات عن جذب إيران انتباه القوى العالمية بانتظام، وأن تلعب الجهات الفاعلة بعضها ضد بعض. ويعني هذا الاتفاق الاعتراف الضمني بحكومة إبراهيم رئيسي، وهذا ليس بالأمر البسيط نظرًا لخلفيته الدموية. وتسمح المحادثات لحكومة رئيسي بالتباحث مباشرةً مع نظرائها الأوروبيين بشأن العقوبات الجديدة على جرائمها غير النووية؛ مما يمنعها من العودة إلى الاتفاق النووي. كما ستمنح المحادثات حكومة رئيسي منبرًا للخطاب الجريء الذي سيؤدي إلى إزعاج خصومها خارجيًّا، وإرضاء مؤيديها داخليًّا.

المنصة: ما الظروف التي ستجبر إيران على العودة إلى الاتفاق النووي؟

رول: يمكنني التفكير في مسارين يؤديان إلى عودة إيران إلى الاتفاق. أولًا: يجب أن تدرك طهران أن رفضها للاتفاق، وارتكابها إجراءات إقليمية ضارَّة، أدَّى إلى توحيد القوى الدولية للتعاون على دعم الضغوط الاقتصادية ضدها. ثانيًا: إذا كان الاقتصاد الإيراني أو الديناميكية السياسية يعانيان من تراجع يتصور زعماء إيران أنه يؤدي إلى سقوط الجمهورية الإيرانية، فسيضطرهم هذا إلى تقديم تنازلات لحفظ ماء الوجه.

المنصة: كيف ننظر إلى الاضطرابات الحالية في إيران؟

رول: لا تُظهر الاضطرابات المستمرة أي مؤشر على أنها تمثل تهديدًا على المدى القريب للنظام الإيراني. ويبدو أن حجم الحشود يمكن السيطرة عليه حتى الآن، في ظل التنظيم الجيد نسبيًّا لقوات الأمن الإيرانية، ويظل عامل الضعف الرئيس للاحتجاجات متمثلًا في أن المعارضة تفتقر إلى توجيه المجموعات العمالية وقيادتها ودعمها. ويبدو أنه لا توجد مراكز قوى خارجية أو داخلية قادرة على معارضة المرشد الأعلى.

Embed from Getty Images

بيد أن الاضطرابات الحالية تنطوي على جوانب قد تثير قلق طهران. ومنها إضراب عمال صناعات النفط، بالإضافة إلى تنظيم إضرابات داعمة في مدن إيرانية رئيسة. وتظل مظالم الشعب الإيراني منطقية لدرجة أن المسؤولين الحكوميين يُقرِّون بها، لكن من غير المرجح أن تتحسن الظروف في إيران. وبينما تستمر جائحة كوفيد-19 في إحداث فوضى، فإن تغير المناخ يجعل نقص المياه والكهرباء أكثر صعوبة. ولهذا ستستمر الاضطرابات، وقد تتفاقم.

المنصة: ما تصورك للإستراتيجية الأمريكية الرادعة الفعَّالة لأنشطة إيران الإقليمية؟ مثل الهجمات على التجارة البحرية، ودعم الهجمات بالوكالة على السعودية، وأنشطتها في اليمن وسوريا. هل يمكنك تخيل سيناريو تتدخل فيه الولايات المتحدة عسكريًّا؟

رول: يجب أن تشمل إستراتيجيتنا إشراك حلفائنا الدوليين، وأن نتجنب أي شيء يجعل الأمر يبدو وكأنه صراع أمريكي إيراني، بدلًا عن كونه تصرفات إيرانية تهدد دولًا ومواطنيها. والسؤال المطروح هو هل سينضم إلينا المجتمع الدولي أم سيرجع إلى الوراء في الوقت الذي تتخذ فيه الولايات المتحدة الإجراءات الصعبة اللازمة لاحتواء إيران؟ وبالتأكيد تحرم العقوبات إيران من الموارد التي تزوِّد بها وكلاءها، لكن العقوبات وحدها لن تنهي العداء مع إيران.

المنصة: ما هي خطط إيران المحتملة في أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي؟ ما الذي يُقلقك أكثر؟

رول: يوجد أمور كثير باعثة على القلق بشأن أفغانستان. لقد تمتعت إيران بالاستقرار الأمني الذي وفره وجود القوات الأمريكية في أفغانستان، لكن الآن تقف طالبان على حدودهم. ومن المرجح أن تشتبك القوات الإيرانية مع طالبان ومع الحكومات الأفغانية وأمراء الحرب على حد سواء لتضمن أن بإمكانها ممارسة بعض النفوذ على الجميع.

وربما تنقل إيران جزءًا من وكلائها الأفغان الموجودين في سوريا إلى غرب أفغانستان لحماية مصالحها. كما يُثير قلقي مصير خلية القاعدة في إيران، والتي أجازت طهران وجودها على أراضيها لسنوات. وقد تختار هذه المجموعة العودة إلى أفغانستان لاستعادة مركز قوتها السابق. وينبغي على المجتمع الدولي تحميل إيران المسؤولية إذا حدث ذلك.

المنصة: دعنا ننتقل إلى قضايا الطاقة. أين تقف أسواق الطاقة في أعقاب اتفاق الأوبك؟ وما هي الدوافع الأساسية؟

رول: توجد ثلاثة دوافع تُحدد حاليًا أسواق الطاقة. أولًا: الأصول، وفيها نشاهد عمليات سحب ثابتة للمخزونات، ويظل الإنتاج أقل مما يمكن للسوق أن يستوعبه، كما أن الإمدادات ستكون محدودة لباقي العام. ويبدو أن المنتجين الأمريكيين يُركزون عمومًا على العائد على حقوق الملكية، بدلًا عن التوسُّع؛ ما يعني على الأرجح أننا سننتج حوالي مليوني برميل في اليوم من النفط أقل من العام الماضي.

Embed from Getty Images

ويبلغ عدد منصات الحفر الأمريكية هذا العام ضعف ما كان عليه العدد في العام السابق. وانخفض معدل الاستثمار الرأسمالي في صناعة النفط في عام 2020. ويضغط المساهمون على قادة الشركات لاستخدام الأرباح من أسعار النفط المستردة للاستثمار في التكنولوجيا الخضراء. وتظل سياسة أوبك متحفظة حتى في التصدي للمتغيرات، وعندما تستأنف إيران وفنزويلا الإنتاج، ومنها مسألة عودة التضخم، وتأثير مضاربات المستثمرين.

ثانيًا: سيظل كوفيد-19 موجودًا حتى في أفضل السيناريوهات. وفشلت جهود المجتمع الدولي في التوصل إلى نهج موحد لإجراء التباعد الاجتماعي والسفر وإعادة الانفتاح الاقتصادي. ونحن نميل إلى النظر إلى هذا من خلال منظور أمريكي، ولكن قد يكون من الحكمة رؤية كيف يؤدي كوفيد-19 إلى توقف بعض الصناعات إقليميًّا أثناء انتشاره على مستوى العالم. 

ثالثًا: بوجه عام، تؤدي التطورات الجيوسياسية مؤقتًا إلى ضغوط على الأسعار، لكنني أشعر بالقلق من الأحداث في الشرق الأوسط. وربما يكون لتصاعد الهجمات الإيرانية في الممرات المائية الإستراتيجية وتأثيرها على الحركة التجارية الضخمة وحركة الطاقة نتائج أكثر خطورة. وربما تزيد تكاليف الحماية لأية صناعة مع تحقيق هوامش ربح قليلة. والأسوأ من ذلك أن الهجمات حتى ضد عدد قليل من سفن الحاويات الكبيرة قد تؤدي إلى تعطيل سلاسل التوريد العالمية. وننتقل بذلك إلى حقبة جديدة تتساوى فيها أهمية الشرق الأوسط في مجال أمن النقل مع أهميته في مجال الطاقة.

المنصة: ماذا تتوقع لأسعار النفط في الأشهر المقبلة؟

رول: ينبغي أن نشهد استمرارًا في ارتفاع الأسعار التي شاهدنها خلال الأشهر الأخيرة، مع غياب أي انكماش اقتصادي مفاجئ، أو عمليات إغلاق واسعة النطاق جرَّاء كوفيد-19، أو اندلاع صراع في الشرق الأوسط. ويجب أن يُحافظ هذا التوجه على الأسعار ما بين 70 و80 دولار. وتوجد عدة عوامل تجعل الحركة التصاعدية تتجاوز تلك المشكلة. أولًا: تخلي قادة أوبك عن استدعاء الضغوط التضخمية (والسياسية كذلك) التي قد تعقب مثل هذا الارتفاع المفاجئ. وسيواصل السعوديون الضغط من أجل استقرار السوق الذي يهيمن على إستراتيجيتهم. ثانيًا: ستعتمد الهند، وربما الصين، على احتياطاتها الإستراتيجية إذا ارتفعت الأسعار إلى هذا الحد. ثالثًا: سيؤدي مثل هذا السعر إلى جذب المنتجين في الولايات المتحدة وأوبك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد