تُعَدُّ إيران واحدةً من القوى النافذة على الساحة السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، لكنَّ مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية ترى أنَّها قد تخسر في أي صراعٍ مستقبليٍ مع الإمارات العربية المتحدة، خاصةً في ظل العداء القديم بين الدولتين على خلفية استيلاء الجمهورية الإسلامية على جُزرٍ في الخليج العربي تزعم الإمارات أنَّها تابعةٌ لها.

«هآرتس»: هل تريد إيران تدمير إسرائيل حقًا؟

توضح المجلة أنَّ الجيش الإيراني شهد تغييراتٍ كبيرة منذ آخر مواجهةٍ مباشرةٍ مع الولايات المتحدة عام 1988، إذ أنَّ مُعظم المُجندين الذين شاركوا حينها في المواجهة أصبحوا متقاعدين الآن، وارتقَى قادةٌ جُدد في الرتب بعد تلقينهم مبادئ الحرس الثوري الإيراني.

وهناك أيضًا حركة حزب الله، التي لم تعد بعد تدخلها في سوريا مجرد حركةٍ قومية لبنانية، بل وكيلٍ تابعٍ لإيران في المنطقة، ورأس حربتها في تهديداتها لإسرائيل، التي تمتلك خياراتٍ مختلفة للرد على إيران من خلال القصف الجوي أو باستخدام الغواصات، وتستهدف بالفعل شحنات الأسلحة الإيرانية داخل سوريا منذ أشهر.

لكنَّ المجلة ترى أنَّ الشرق الأوسط أكبر من إيران وإسرائيل، وأنَّ أكبر تغييرٍ في موازين القوى داخل الشرق الأوسط على مدار العقد الماضي ليس له علاقةٌ بهاتين القوتين، لكنَّه كان نهوض الإمارات العربية المتحدة.

ففي الوقت الذي تتعرَّض خلاله المملكة العربية السعودية للإدانة من الصحفيين والمُحلِّلين الغربيين نتيجة تدخُّلها الفاشل في اليمن، يتجاهل أولئك النجاح الكبير الذي مُنِيَت به الإمارات: إذ دحرت تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وأوشكت القوات الإماراتية على إخراج الميليشيات الحوثية من الحديدة، وهو آخر ميناءٍ رئيسيٍ تُسيطر عليه الميليشيا التابعة لإيران. وبكل بساطة، لم تَعُد الإمارات مُجرَّد دولةٍ خليجيةٍ كسولةٍ تتظاهر بمشترياتها الباهظة من الأسلحة دون الرغبة في تلطيخ يديها.

مترجم: وثائق تثبت تدريب الجيش الأمريكي لقوات إماراتية للقتال في اليمن

لكن ما الذي قد يدفع الإمارات إلى صراعٍ مباشرٍ أكبر مع إيران؟ تقول المجلة إنَّ العداء بين الإمارات وإيران يعود إلى حقبةٍ تسبق الثورة الإسلامية. فأثناء انسحاب البريطانيين من الخليج الفارسي عام 1971، احتل الجنود الإيرانيون ثلاث جُزُرٍ منحتها المعاهدات الدولية لإيران. منها جزيرة أبو موسى التي تبعد 50 ميلًا (80 كم) عن الساحل الإيراني و40 ميلًا (64 كم) عن سواحل الإمارات. لكنَّ الجزيرة تقع على بعد 10 أميالٍ فقط (16 كم) من مضيق هرمز، وتمر حركة ناقلات النفط بينها وبين جزر طنب الكبرى، مما يُضاعِف النفوذ الإستراتيجي الإيراني.

ويُعَدُّ الدعم الأمريكي للمطالبات الإماراتية بالجُزر نوعًا من النفاق، لأنَّ إدارة نيكسون غضَّت الطرف عن سيطرة إيران عليها نظرًا للعلاقات الوثيقة ين الشاه والبيت الأبيض آنذاك. لكنَّ الحسابات الاستراتيجية تغيَّرت مع سيطرة الثوريين على طهران. وفي أعقاب الثورة، ضاعفت السلطات الإيرانية وجودها العسكري على الجزر، لدرجة أنَّ محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري، يزور ثكناتها العسكرية بنفسه أحيانًا. ورغم سعي الإمارات للتفاوض من آنٍ لآخر، وهو ما قد تسعى إليه مجددًا، فإنَّ تلك المحادثات لم تؤدِّ إلى أي نتائج.

وتُرجِّح «ناشيونال إنترست» أن طهران ستخسر الجزر الثلاثة في حال تطوَّر السلوك الإيراني إلى صراعٍ مع إسرائيل والولايات المتحدة. وتستبعد أن تُخاطر الإمارات بالدخول في صراعٍ مُباشرٍ مع إيران الآن، لكنَّها ترى أن الجزر ستكون صيدًا سهلًا إذا دخلت إيران في صراعٍ مع خصومٍ أكثر قوة. ولا شك أنَّ ثكنات الحرس الثوري على كافة الجزر ستُقاتل دفاعًا عنها، لكنَّ انقطاع إمدادات الذخيرة والأسلحة والطعام سيُجبر أكثر رجال الحرس الثوري إيمانًا بقضيتهم على إعادة النظر في استعدادهم للقتال.

اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني

وحسبما ترى المجلة، لن تخشى الإمارات انتقام الإيرانيين في أعقاب صراعٍ أوسع كهذا. إذ أنَّ الدفاع عن الجُزر أسهل من الاستيلاء عليها. ورغم براعة الحرس الثوري في إدارة العمليات الحربية غير المتكافئة ودعم الحركات المسلحة، فإنَّ عمليات الإنزال الحربي تتطلَّب مجموعة مهاراتٍ مختلفةٍ تمامًا. والإمارات عام 2019 تختلف كثيرًا عن إمارات عام 1971.

وفكرة سيطرة أبوظبي ودبي على استثماراتٍ إيرانيةٍ تُقدَّر بمئات الملايين وربما مليارات الدولارات تشكل عقبةً أكبر في وجه شن طهران عمليةٍ مباشرةٍ أو حملةٍ مناهضةٍ للإمارات. فالسلطات الإيرانية مستعدة لأن تُحارب حتى آخر جندي في حركاتها الوكيلة، لكنَّ الحسابات تتغير حين تُصبح محافظها المالية الخاصة على المحك.

وفي ختام التقرير، أشارت «ناشيونال إنترست» إلى الدرس الذي تعَلَّمَه آية الله الخميني والأجيال السابقة من قادة الحرس الثوري من «العملية فرس النبي»، وهو أنَّ الخلط بين خطابهم الشخصي وواقعهم العسكري له تكلفةٌ كبرى.

فأي ضربةٍ عسكريةٍ إسرائيليةٍ أو أمريكيةٍ ضد المواقع النووية والعسكرية الإيرانية ستتسبب في تعطيل العمليات الجوية والعسكرية الإيرانية لأسابيع وربما شهور، لكنَّ النظرة الاستراتيجية الأوسع ترى أنَّ الضربات الجوية ستؤجل التعامل مع الشكوك حول برنامج الصواريخ النووية والباليستية الإيرانية، والمعرفة التكنولوجية التي اكتسبتها إيران على مدار عقودٍ لن تذهب أدراج الرياح مع ضربةٍ كهذه.

وترى المجلة أنَّه في حالة نشوب صراعٍ كهذا، سيحتشد الإيرانيون حول علم بلادهم، مما سيُنقذ الثورة الفاشلة كما حدث أثناء غزو صدام حسين عام 1980. لكن مع تزايد التبجُّح الإيراني، ربما تكون أبوظبي هي من يلقن إيران درسًا لن تنساه. وفي حال فقدت إيران جزر أبو موسى والطنب خلال ذلك الصراع، فلن تستعيدها في وقتٍ قريب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد