فيزياء الكم عادة ما تكون مخيفة من البداية، إنها ذات نوع من الغرابة فتبدو مخالفة للبديهة، حتى للفيزيائيين الذين يتعاملون معها يوميًا. لكن هذا لا يعني أنها مبهمة. إذا قرأت حول فيزياء الكم، فهناك ستة مفاهيم مفتاحية يجب أن تحتفظ بها في ذهنك. افعل ذلك وستجد أن فيزياء الكم سهلة الفهم.

1- إن كل شيء مكون من موجات وجسيمات

(Light as both a particle and a wave. (Image credit: Fabrizio Carbone/EPFL

 

 

هناك العديد من الجوانب لبدء هذا النقاش:

كل شيء في الكون يمتلك طبيعة موجية وجسيمية، في الوقت نفسه. هناك سطر في ثنائية كريك بير الخيالية (كونشيرتو اللانهائية والأفعى الساحرة)، حيث إن الصفة التي تصف أساسيات السحر تقول: “إن الجميع موجات، بدون شيء يتموج، على أية مسافة إطلاقـًا” إني أحب ذلك دائمًا، كقصيدة وصفية في فيزياء الكم – وبعمق أكثر إن كل شيء في الكون له طبيعة موجية.

وبالتأكيد، كل شيء في الكون له طبيعة جسيمية. هذا يبدو جنونيًّا بالكامل، لكنه حقيقة تجريبية، تحققت بعملية معروفة بشكل مدهش.

 

بالتأكيد إن وصف الأشياء الحقيقية كموجة وكجسيم معًا، هو بالضرورة غامض إلى حد ما. لنقل بشكل أدق، إن الأشياء التي توصف بواسطة فيزياء الكم ليست موجات وليست جسيمات، لكنها مجموعة ثالثة تشارك بعض خواص الموجة (التردد المميز والطول الموجي وبعض الانتشار في الفراغ) وبعض خواص الجسيم (بشكل عام هي معدودة ومحددة الموقع إلى درجة معينة). إن هذا يقودنا بحيوية إلى نقاش في مجتمع الفيزياء التعليمي فيما إذا كان بالفعل مناسبًا الكلام عن الضوء كجسيم في مقدمة (كورسات) الفيزياء، ليس لأن هناك خلاف حول الضوء إذا كان ذا طبيعة جسيمية، لكن بسبب وصف الفوتونات بـ”الجسيمات” بدلا من “استثارات الحقل الكمومي” ربما تقود بعض الطلبة لفكرة خطأ، لا أميل للموافقة على هذا بسبب كثير من المخاوف نفسها من الممكن أن تزداد حول وصف الإلكترونات بـ”جسيمات” لكنه وضع كمصدر موثوق من أجل مناقشات المدونة.

هذا “الباب الثالث” حول طبيعة الأشياء الكمومية ينعكس أحيانا في اللغة المشوشة المستخدمة من الفيزيائيين عند التكلم عن ظاهرة الكوانتم، أن بوزون هيغز اكتشف كجسيم في مصادم الهيدرونات الكبير، لكنك ستسمع الفيزيائيين يتحدثون عن “مجال هيغز” على أنه شيء بلا مكان يملأ جميع الفراغ، إن هذا يحدث في بعض الحالات، مثلا تجارب الاصطدام، من المناسب أن نناقش استثارات مجال هيغز بطريقة تؤكد الخصائص شبه الجسيمية، بينما في حالات أخرى، كما في نقاش عام حول لماذا هناك جسيمات محددة لها كتلة، إنه من المناسب جدًا أن نناقش الفيزياء بطريقة الحقل الكمومي الذي يملأ الكون، إنها لغة مختلفة لوصف نفس الأشياء الرياضية.

2- فيزياء الكم منفصلة

(These oscillations created an image of “frozen” light. (Credit: Princeton

 

فعلاً إن الاسم “الكم” مأخوذ من اللاتينية “ما الكمية” ويعكس حقيقة أن النموذج الكمي يتطلب دائمًا شيئًا ما يأتي بمقادير منفصلة غير مترابطة. الطاقة الموجودة في الحقل الكمومي يأتي في مضاعفات الأعداد الصحيحة حول بعض الطاقة الأساسية للضوء، هذا يرتبط مع التردد والطول الموجي، التردد العالي والطول الموجي القصير للضوء يكون له طاقة متميزة كبيرة، بينما التردد المنخفض والطول الموجي الطويل تكون الطاقة صغيرة.

في كلتا الحالتين، الطاقة الكلية يتم احتوائها في مجال ضوئي خاص هي من مضاعفات العدد الصحيح للطاقة – 1، 2، 14، 137 أضعاف – ليس جزءًا غريبًا كما في واحد ونصف، π، أو الجذر التربيعي للعدد2. هذه الخاصية تشاهد في مستويات الطاقة المنفصلة للذرة، وكذلك في حزم الطاقة للجسم الصلب – قيم محددة من الطاقة يسمح بتواجدها بينما لا يسمح للأخرى.

الساعة النووية تعمل بسبب الانفصال في فيزياء الكم، باستعمال تردد ضوء مرتبط مع حالة انتقالية بين حالتين في Leap second عنصر السيزيوم للحفاظ على الوقت في مستوى يحتاج ثانية القفز

منظار التحليل الطيفي العالي الدقة، يمكن أن يستخدم للبحث عن أشياء كالمادة السوداء في الفضاء، وهو جزء من التشجيع من أجل معهد الفيزياء الأساسية للطاقة الواطئة.

هذا لا يكون دائمًا واضحًا – حتى بعض الأشياء التي تعتبر بشكل أساسي كمومية مثل إشعاع الجسم الأسود الذي يتطلب توزيعًا مستمرًا. لكن دائمًا هناك نوعًا من الخاصية الجسيمية في الواقع إذا حفرنا في الرياضيات وهذا جزء كبير الذي يقودنا لغرابة النظرية.

3- فيزياء الكم احتمالية

(Credit: Graham Barclay/Bloomberg News)

 

واحد من الجوانب الأكثر دهشة (على الأقل تاريخيًّا) والأكثر خلافية في فيزياء الكم وهو أن من المستحيل التنبؤ بالتحديد عن نتيجة تجربة مفردة في نظام كمومي. عندما يتنبأ الفيزيائيون بنتيجة بعض التجارب، التنبؤ يأخذ دائمًا الشكل الاحتمالي للعثور على كل النتائج الممكنة، والمقارنات بين النظرية والتجربة دائمًا يستلزم استنتاج التوزيعات الاحتمالية لعدة تجارب مكررة.

الوصف الرياضي لنظام كمومي نموذجيًا يأخذ شكل “دالة الموجة”، يمثل عمومًا في المعادلات بالحرف اليوناني ψ

هناك الكثير من الجدل حول ماذا تمثل بالتحديد دالة الموجة، فينقسمون إلى رأيين: أولئك الذين يعتقدون أن دالة الموجة هي شيء فيزيائي حقيقي (ويصطلح عليهم بالنظريات الوجودية ontic therory، psi-ontologist) وأولئك الذين يعتقدون أن دالة الموجة هي مجرد تعبير عن معرفتنا (أو نقص في ذلك) فيما يخص الحالة الكامنة للجسم الكمومي (النظريات المعرفية epistemic theory)

في كل فصل من النموذج الأساسي، احتمالية الحصول على نتيجة لا تعطى مباشرة بواسطة دالة الموجة، بل بمربع دالة الموجة (ولنقل إن دالة الموجة هي شيء رياضي معقد، هذا يعني أنها تستلزم أعدادًا خيالية مثل الجذر التربيعي للعدد واحد السالب، وعملية الحصول على الاحتمالات تتطلب ذلك، لكن مربع دالة الموجة كاف للحصول على فكرة أساسية) هذا ما يعرف بـ”قانون بورن” بعد العالم الألماني ماكس بورن max born الذي اقترح أولاً (في هامش ورقة بحثية عام 1926) وصفها بعض الناس بالإضافة الظرفية السيئة. هناك جهد فعال في بعض أجزاء مجتمع أساسات الكم لإيجاد معادلة بورن من مبدأ أساسي، حتى الآن، لم تنجح واحدة منها بشكل كامل، لكنها أوجدت اهتمامًا أكثر بالعلم.

هذا جانب من النظرية التي أدت إلى أمور كوجود الجسيم في أكثر من حالة في الوقت نفسه. كل ما يمكننا توقعه هو الاحتمالية، وسابق للقياس الذي يحدد النتيجة، النظام التي يتم قياسه يكون في حالة غير محددة وهي رياضيًّا ترسم لنا التراكب superposition لجميع الممكنات مع الاحتمالات المختلفة. فيما إذا اعتبرت هذا الأمر كنظام يوجد بشكل حقيقي في كل الحالات في ذات الأوان، أو كونه في حالة واحدة غير معروفة، إن ذلك يعتمد بشكل كبير على مشاعرك حول نموذج الوجودية ontic في مقابل المعرفية epistemic.

4- فيزياء الكم غير موضعية

A quantum teleportation experiment in action. (Credit: IQOQI/Vienna)

آخر إسهام لأينشتاين في الفيزياء لا يتلفت إليه بشكل واسع، غالبًا لأنه كان مخطئـًا فيه. في ورقة بحثية عام 1935 مع زميليه الشابين بورس بودولسكي ونيثن روزن ” EPR paper” أعطى أينشتاين صيغة رياضية واضحة حول شيء ما كان يزعجه لبعض الوقت، الفكرة التي نعرفها بـ”التشابك entanglement”.

ورقة أينشتاين وزميليه ناقشت أن فيزياء الكم سمحت بوجود أنظمة، حيث تتم القياسات في أماكن متباعدة بشكل واسع يمكنها أن ترتبط بشكل ما، مقترحًا أن نتيجة أحدهما تتحدد بواسطة الأخرى. لقد ناقشوا أن هذا يعني أن نتائج القياسات يجب أن تحدد مسبقـًا، بواسطة عامل مشترك، لأن البديل الآخر يتطلب نقل نتيجة قياس واحد إلى موقع الأخرى في سرعات أكثر من سرعة الضوء. لذلك، فإن ميكانيكا الكم يجب أن تكون غير كاملة، مجرد تقريب لنظرية أعمق (نظرية المتغيرات الخفية الموضعية) إن نتائج قياس معين لا تعتمد على أي شيء بعيد عن مكان القياس من غير إشارة يمكنها الانتقال بسرعة الضوء (محلية أو موضعية) لكنها تحدد بعامل مشترك لكلا النظامين في الزوج المتشابك (المتغير الخفي).

لقد اعتبر هذا أمرًا هامشيًا غريبًا لثلاثين سنة، بسبب أنه لم تكن هناك طريقة لقياسه، لكن في أواسط الستينات، عالم الفيزياء الأيرلندي جون بيل حقق نتائج ورقتهم البحثية وبتفاصيل عظيمة. أوضح بيل أنه يمكننا أن نجد ظروفـًا تستطيع فيها ميكانيكا الكم التنبؤ بالروابط بين قياسات متباعدة وأنها أقوى من أية نظرية ممكنة من النوع الذي يفضله أينشتاين أو بودولسكي أو روزن . تم اختبارها تجريبيًا في منتصف السبعينيات بواسطة جون كلوسر وسلسلة تجارب بواسطة ألين اسبكت في بداية الثمانينات، موضحة أن النظامين المتشابكين لا يمكن تفسيرهما بواسطة نظرية المتغيرات الخفية الموضعية.

 

إن أفضل طريقة لفهم هذه النتيجة هي أن نقول إن ميكانيكا الكم غير موضعية أو غير محلية: إن نتائج القياسات التي تمت في موقع معين يمكنه الاعتماد على خصائص أجسام بعيدة بطريقة لا يمكن تفسيرها باستخدام إشارات تتحرك بسرعة الضوء. إن هذا لا يسمح بإرسال المعلومة في سرعات تتجاوز سرعة الضوء، مع ذلك كانت عدة محاولات لإيجاد طريقة لاستخدام اللاموضعية الكمومية لفعل ذلك. وبدحض كل ذلك فقد تحول بشكل مفاجأ إلى مشروع مثمر – راجع كتاب ديفيد كيسير، كيف أنقذ الهيبز الفيزياء – لتفاصيل أكثر. اللاموضعية الكمومية تعد أمرًا مركزيًا لمشكلة المعلومة في الثقب الأسود المتبخر، وفي الخلاف حول برنامج الحماية الذي سبب عدة نشاطات حديثة، وهناك أفكار متطرفة تتطلب ارتباطات رياضية بين الأجسام المتشاكبة الموصوفة في ورقة أينشتاين البحثية مع الثقب الدودي.

5- فيزياء الكم (غالبًا) صغيرة جدًّا

Images of a hydrogen atom as seen through a quantum telescope. (Credit: Stodolna et al. Phys. Rev. Lett.)

إن لدى فيزياء الكم سمعة كونها محيرة، لأن تنبؤاتها لا تشابه خبرتنا اليومية (على الأقل للإنسان – التصورات في كتابي أنها لا تبدو محيرة للكلاب) إن ذلك يحصل بسبب أن التأثيرات تكون أصغر كلما كان الجسم كبيرًا، إذا أردت أن تشاهد تصرفـًا كموميًّا بشكل واضح، فإنك أساسًا تريد مشاهدة جسيمات تتصرف مثل الموجات، والطول الموجي يقل كلما زاد زخم الدوران. إن الطول الموجي لجسم يشاهد بالعين المجردة كالكلب يمشي خلال الغرفة يكون صغيرًا جدًّا؛ ذلك أنه إذا وسعت كل شيء لكي تكون النواة المفردة في الغرفة بحجم المجموعة الشمسية بالكامل، فإن الطول الموجي للكلب سيكون تقريبًا بحجم النواة المفردة في النظام الشمسي.

ذلك يعني أن الظاهرة الكمومية محصورة على مستوى الذرة والجسيمات الأساسية، حيث السرعات والكتل تكون صغيرة بشكل كاف لتكون الأطوال الموجية كبيرة ليمكن رصدها مباشرة. هناك جهود فعالة في عدة أماكن لدفع حجم الأنظمة لإظهار التأثيرات الكمومية في أحجام كبيرة. وهناك مجاميع أخرى تحاول استخدام الضوء لتقليل حركة أجزاء من السليكون إلى أن نصل إلى نقطة حيث تكون فيها الطبيعة المنفصلة للكوانتم عند الحركة واضحة، ومن المقترح أنه ربما من الممكن أن نفعل ذلك بمرايا معلقة ذات كتلة من عدة غرامات والتي ستكون رائعة بالفعل.

6- فيزياء الكم ليست سحرًا

Comic from “Surviving the World” by Dante Shepherd. (https://survivingtheworld.net/Lesson1518.html )
Used with permission.

النقطة السابقة قادتنا بشكل طبيعي إلى: رغم كل الغرابة التي تبدو عليها، إلا أن فيزياء الكم بشكل مؤكد ليست سحرًا. الأشياء التي تتنبأ بها تكون غريبة بالنظر إلى مقاييس الفيزياء اليومية، لكنها بشكل صارم محددة بواسطة قواعد ومبادئ رياضية مفهومة جيدًا.

إذا أتى إليك شخص ما بفكرة حول الكوانتم، قد تبدو من الصعب تصديقها – الطاقة الحرة، طاقات الشفاء الغامضة – فإنها غالبًا تكون كذلك. هذا لا يعني أننا لا نستطيع استخدام فيزياء الكم لفعل أشياء رائعة، يمكنك أن تجد بالفعل فيزياء رائعة في التكنولوجيا البسيطة، لكن هذه الأمور تبقى جيدة ضمن حدود قوانين الديناميكا الحرارية.

تشاد أورزيل هو بروفيسور في الفيزياء، كاتب في العلوم، مدون، وصاحب كتاب وجدتها: اكتشف العالم في داخلك (2014)

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد