تناولت الكاتبة جنيف عبده المتخصصة في شئون الشرق الأوسط في مقالها لموقع «بلومبرج» حالة الغضب التي تنتاب المؤسسة الدينية الإيرانية من الداخل بوصفها رد فعل على اعتقال رجل الدين البارز آية الله حسين الشيرازي، مشيرة إلى أن حالة الغضب تلك لم يتم إظهارها في الإعلام الغربي بوضوح، ربما لأن الاعتقالات التعسفية هي بالأساس عادة متكررة للنظام الإيراني تحدث طوال الوقت.

ذلك الحدث الأخير، بحسب المقال، فتح الباب أمام الكثير من الأسئلة من جانب علماء الدين في إيران، أبرزها يدور حول حق المرشد الأعلى في كل هذه القوة والسلطة باسم الإله دون مراجعة من الدولة. وعلى الرغم من أن هناك جدل قائم بالفعل بين الشيعة منذ قيام آية الله الخميني بإضفاء الطابع المؤسسي على نظام الحكم الديني، أو ما يعرف بولاية الفقيه، عقب الثورة الإسلامية عام 1979، إلا أن حالة الجدل والاستياء من النظام القائم تنمو باستمرار.

سلطة المرشد الأعلى

حاليًا، ينتشر اعتقاد عام داخل المجتمع الشيعي بأن اختزال السلطة والقوة بأكملها في يد شخص واحد هو المرشد الأعلى لم يعد مناسبًا، وأن ثمة حاجة لإصلاح ذلك النظام أو حله كليًا. تصاعدت حالة من الغضب مؤخرًا في السادس من مارس (آذار) الجاري بالقرب من مدينة قم ذات المكانة الدينية الرفيعة، حينما اعتُقِل آية الله الشيرازي، ووالده آية الله صادق الشيرازي، من جانب الحرس الثوري الإيراني، كونهما معارضين لحكم الخميني، إذ وصف الابن آيه الله الخميني بأنه فرعون، ضمن إحدى محاضراته، ما كان سببًا مباشرًا في اعتقاله.

آية الله حسين الشيرازي

عقب عملية الاعتقلال، انطلقت مظاهرات معارضة تجاوزت حتى حدود إيران نفسها ووصلت إلى دول أخرى، خاصة بعدما أدان علماء الشيعة في الكويت والعراق عملية الاعتقال، ما أدى إلى حالة من الغضب في مدن شيعية كبرى مثل كربلاء والنجف والبصرة والكويت العاصمة. امتدت المظاهرات أيضًا إلى لندن، إذ تجمع عدد من المحتجين أمام مبنى السفارة الإيرانية، قاموا باختراق أسوار السفارة وإنزال العلم الإيراني، وهو ما أدى إلى اعتقال أربعة من المحتجين.

تقول الكاتبة إنه على الرغم من عدم ضخامة تلك المظاهرات، وأن أعداد المشاركين فيها يتراوح من عشرات إلى بضع مئات من المتظاهرين، إلا أنها يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لدى قراءة المشهد. الخلفية الأساسية للمشهد هي كون عائلة الشيرازي من أخرجت عدد من أبرز علماء الدين الشيعة منذ القرن التاسع عشر، ويقدم آية الله الشيرازي الكبير عددًا كبيرًا من المحاضرات بالفارسية والعربية، وتُنشر بشكل دائم على الإنترنت مع ترجمة إنجليزية، كما تُنشر مواده على 18 قناة شيعية وثلاث محطات للراديو.

يميل بعض العلماء من تلك العائلة إلى انفصال المسجد عن الدولة، في حين أن بعضهم لا يعارضون نظام ولاية الفقيه، ولكن يعتقدون أن الخميني وخامنئي قد أفسدوا النظام من خلال سيطرتهم على كل مفاصل الدولة، وجعل أمر عزلهم أشبه بالمستحيل. بعض الأصوات الأخرى في مدينة قم، التي تعد مركزًا للدروس الدينية، يعارضون أيضًا طريقة الحكم الديني، بعضهم حتى ليسوا من أتباع مدرسة الشيرازي.

المعارضة ليست بالجديدة

تقول الكاتبة إنها حين كانت تعمل صحافية لدى صحيفة الجاريان البريطانية في تسعينيات القرن الماضي التقت عددًا من رجال الدين الإيرانيين الذي أخبروها بأنهم لا يؤمنون بأن هناك شخصًا ما على وجه الأرض يملك قوة إلهية أو مطلقة، وأن المرشد العام لا يمكن أن يمثل الله على الأرض، كما تضيف أن النظام الإيراني أراد أن يُبقي ذلك الخلاف سرًا، ما أدى لاحقًا إلى منعها من دخول مدينة قُم.

الآن، وبعد مرور أربعة عقود على الثورة الإيرانية، خرج المارد الذي حبسه النظام الإيراني طيلة الوقت. انتشار حالة عدم الرضا تلك داخل المجتمع الإيراني قادت عائلة الشيرازي وغيرهم من الرموز الدينية لنشر آرائهم علنًا. في العراق على سبيل المثال، يعارض رجل الدين في مدينة النجف المرشد الأعلى والنظام الإيراني بوضوح، ويسعون إلى تقليص التأثير الإيراني على بلادهم دينيًا وسياسيًا.

في الفترة الحالية والتي تسبق الانتخابات الوطنية في العراق المزمع عقدها في مايو (أيار) المقبل، كونت الأحزاب الشيعية تحالفًا مع أحزاب سنية وأخرى قومية، أملًا في أن يكون البرلمان القادم أقل ولاءً لإيران، وأن يكون رئيس الوزراء الجديد أكثر تحررًا من القيود الإيرانية. هذه الفكرة يمكن تعميمها إلى حد بعيد على الكثيرين، إذ إن هناك خلاف تاريخي بين الشيعة العرب والإيرانين في وجهات النظر الدينية، ولكن هذه الصورة لا يتم إظهارها بوضوح في الغرب، والذي يعتبر أن الشيعة العرب تابعين لإيران.

هل ينتهي منصب المرشد العام؟

نتيجة لكل تلك الأسباب، ترى الكاتبة أن المظاهرات الأخيرة اعتراضًا على اعتقال الشيرازي ووالده هامة للغاية في سياق إظهار وجود معارضة للنظام والسلطة الدينية الإيرانية. تلقى الشيرازي حُكمًا مبدئيًا من محكمة دينية بالسجن لـ120 عامًا. في المقابل، يرى المدعي العام المتشدد محمد جعفر منتظري أن تلك الاحتجاجات تقتصر على مجموعة بعينها في قُم، مقللًا من مدى تأثيرهم على الرأي العام الإيراني.

تقول الكاتبة إن ذلك الادعاء أصبح غير منطقي الآن، خاصة مع انتشار المظاهرات في مناطق مختلفة، ومع انتشار تقارير إيرانية غير مؤكدة تقول بأن السلطات الإيرانية أطلقت سراح الشيرازي في 18 مارس الجاري، أي بعد أسبوعين من اعتقاله. إذ كانت تلك الأخبار مؤكدة، فذلك الأمر يظهر بوضوح مدى التضارب داخل الدولة الإيرانية.

بحسب المقال، لا يعد الشيرازي أول رمز شيعي بارز يهاجم السلطات المطلقة للمرشد الأعلى، ففي عام 1999، أجرت الكاتبة لقاءً مع آية الله حسين علي منتظري، والذي قضى عدة سنوات رهن الإقامة الجبرية، قبل وفاته لاحقًا عام 2009، وقد لخص وجهة نظره، والتي يؤيديها عدد كبير من العلماء المعارضين حاليًا، قائلًا «ليس من حق المرشد الأعلى أن يتصرف وكأنه السلطة الوحيدة في الدولة أو بصورة استبدادية. لا يمكنه أن يكون فوق القانون وأن يتدخل في كل أمور الدولة، خاصة تلك التي تقع خارج نطاق اختصاصه وخبرته، كالمشاكل الاقتصادية أو العلاقات الخارجية».

ومع ذلك، تقول الكاتبة إنه خلال فترة حكم خامنئي التي امتدت طيلة 30 عامًا، لم يتوان عن فعل كل تلك الأمور التي يرى منتظري أنها ليست من حقه، والآن حان الوقت لظهور الأصوات المعارضة وانتشارها، خاصة مع تدعيم العلماء لفكرة أن يموت منصب المرشد الأعلى بموت خامنئي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد