نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية مقالًا للكاتب إيال بينكو، الذي خدم في البحرية الإسرائيلية لسنوات في مهام تشغيلية وتكنولوجية واستخباراتية، سلَّط فيه الضوء على التعاملات السرية بين إيران والصين لتشغيل أسطول نقل النفط الإيراني، الذي يخدم مصالح البلدين.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن طائرة مسيَّرة إيرانية هاجمت سفينة تجارية مملوكة لإسرائيل في خليج عُمان في 30 يوليو (تموز) 2021.

هجمات بحرية متبادلة

وأوضح الكاتب أن هذا الهجوم، الذي أسفر عن مقتل اثنين من طاقم السفينة أحدهما بريطاني والآخر روماني، يأتي بعد سلسلة من الهجمات البحرية المتبادلة بين إسرائيل وإيران في العام الماضي، والذي هاجمت خلاله طهران عددًا من السفن التجارية المملوكة لإسرائيل، في حين زعمت تقارير أن إسرائيل استهدفت ناقلات نفط إيرانية في البحر المتوسط والخليج العربي.

دولي

منذ 4 أسابيع
مترجم: لماذا لا يخشى أحد الجيش الإيراني؟

وفي غضون ذلك، وضع الهجوم الأخير قضية «اقتصاد العقوبات» (الذي طوَّرته إيران لتجاوز العقوبات الأمريكية) على الأجندة الأوروبية، ولو للحظة وجيزة. ومع ذلك، فإن حقيقة إرسال الاتحاد الأوروبي لممثل عنه لحضور حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي، المعروف بتطرفه وعدائيته، تشير إلى إسقاط قضية نفط القرصنة الإيرانية من جدول أعمال الاتحاد الأوروبي.

في مواجهة العقوبات

ويلفت الكاتب إلى أن إيران تكافح من جانبها من أجل جلب العملة الأجنبية إلى البلاد وتحسين وضعها الاقتصادي الآخذ في التدهور منذ عام 2018، عندما بدأت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فرض عقوبات اقتصادية قاسية على الجمهورية الإسلامية. وتشمل التدابير الأمريكية حظرًا على مشتريات النفط من إيران إلى جانب قائمة طويلة من القيود المالية الأخرى، من بينها حظر الاستثمار الأجنبي في إيران.

وسرعان ما أدركت إيران، التي كان النفط يمثل دومًا مورد دخلها الأساسي، ضرورة حصولها على الأموال وتوفير القُوت لمواطنيها الجياع. وقد دفع هذا الإدراك طهران إلى محاولة تحدي العقوبات الأمريكية في عام 2019، من خلال استخدام أسطولها الجديد من ناقلات النفط في عمليات قرصنة مختلفة.

ويضم أسطول الناقلات الإيرانية نحو 143 سفينة بإمكانها حمل أكثر من 102 مليون برميل من النفط الخام أو الوقود و11.8 ملايين برميل من الغاز الطبيعي المسال يوميًّا، بقيمة إجمالية تزيد على 7.7 مليارات دولار في اليوم.

Embed from Getty Images

وعلى هذا فقد بدأت إيران، عبر أسطول ناقلاتها النفطية، في نقل النفط سرًّا إلى الصين وكوريا الشمالية وروسيا وسوريا ولبنان وفنزويلا، مع أن فنزويلا دولة غنية باحتياطياتها النفطية وكانت حتى بضع سنوات مضت واحدة من أكبر الدول المصدِّرة للنفط في العالم. لكن العقوبات الأمريكية على فنزويلا عطلت قدرات إنتاج النفط فيها، وهو ما يضطرها الآن لاستيراد النفط لدعم احتياجاتها.

عدو عدوي صديقي

وتطرَّق الكاتب إلى الطريقة التي تنسجم بها الصين مع الجهد الإيراني، موضحًا أن الصين تَعُد إيران منذ عدة عقود شريكًا إستراتيجيًّا في تنفيذ «مبادرة الحزام والطريق»، وهو مشروع يقوده الرئيس الصيني شي جين بينج لإنشاء طريق تجاري عابر للقارات يشبه طريق الحرير الشهير، والذي يمتد من شرق آسيا إلى أوروبا.

واستثمرت الصين أكثر من 300 مليار دولار منذ عام 2003 حتى اليوم في مشروع مبادرة الحزام والطريق، ومن المتوقع أن تنفق مئات المليارات الأخرى خلال العقد المقبل.

ووقَّعَت إيران والصين اتفاقية تعاون إستراتيجي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وبناءً على هذه الاتفاقية، نقلت الصين المعرفة التكنولوجية وخطوط إنتاج الأسلحة والطائرات والصواريخ إلى إيران. وفي المقابل، زودت إيرانُ الصينَ بالنفط، وهو ما تحتاجه الصين لتحقيق رؤيتها وتطوير اقتصادها.

ونوَّه الكاتب إلى أن إيران تُعد المورد الرئيس للنفط في الصين، وأسهم موقعها الجغرافي الإستراتيجي، بين بحر قزوين وبحر العرب، في أن تكون الجسر البري الوحيد من آسيا الوسطى إلى الصين.

وبعبارة أخرى، يشكل الاستثمار في إيران أيضًا جسرًا لكي تصبح الصين من خلاله قوة عالمية، وليس مجرد قوة إقليمية. وفضلًا عن ذلك، تشكل نظرة إيران تجاه الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغربية، والعداء بينها، أداة أساسية في أيدي الصين.

وأضاف الكاتب أن الصين، التي ترتكز إستراتيجيتها على الحرب غير المباشرة (المعروفة أيضًا باسم حرب «عدم الاتصال») ترى في إيران دولة حدودية ضد الولايات المتحدة في الخليج العربي. وتسعى الصين لصَرْف انتباه الولايات المتحدة عن بحر الصين الجنوبي، حيث تقوم الصين بحملة بحرية حقيقية وتستولي على الأراضي البحرية التابعة لدول المنطقة.

Embed from Getty Images

وفي عام 2019، جددت الصين وإيران الاتفاقية الإستراتيجية بينهما. وتضمن تلك الاتفاقية للصين موطئ قدم أكثر أهمية في إيران والسيطرة على جمع المعلومات الاستخبارية في إيران، وكذلك موارد إضافية متاحة للاستخدام الصيني.

أسطول الظل الجديد

وأضاف الكاتب أن الصين في إطار دعمها الإستراتيجي لإيران، تساعد طهران أيضًا في بيع النفط المهرب واستخدام أسطول ناقلات النفط الإيرانية، أسطول الظل الجديد، لتجاوز العقوبات المفروضة على النفط الإيراني.

وخلال العام الماضي، كانت الصين تشتري أكثر من 700 ألف برميل من النفط يوميًّا من إيران. وهذا التصدير النفطي الذي ترعاه الصين يسمح لإيران بالحفاظ على استقرار النظام وضخ الأموال الأجنبية في خزائن الدولة. ولم تكتف الصين بشراء النفط الإيراني، بل إنها حتى تساعد إيران في تشغيل أسطول الظل خاصتها حتى لا يُكتشف أمر الناقلات.

على سبيل المثال، تنقل الناقلات موقعها غير الصحيح في أنظمة تحديد الهوية الآلي (AIS) التي تتطلبها قوانين الشحن الدولية. بل أكثر من ذلك؛ إذ يُعاد طلاء الناقلات وتغيير أسمائها لإخفاء الهوية الحقيقية للناقلات.

وبالإضافة إلى ذلك، تعمل ناقلات أسطول الظل الإيراني على تغيير العلم الذي ترفعه بين حين وآخر. وتدعم هذه الخطوة بِنْية تحتية تشغيلية عالمية أنشأها فيلق القدس الإيراني، التي تضم مجموعة ضخمة من الشركات الوهمية التي تسجل ناقلاتها على أنها مملوكة.

وتسمح لعبة القط والفأر الإيرانية، بمساعدة الصين ودعمها، لطهران بالاستمرار في دعم اقتصادها الذي يلتف على الحظر المفروض، متجاهلة العقوبات الأمريكية، وخاصة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، التي يَعُدها البعض إدارة ضعيفة.

ويخلص الكاتب في نهاية المقال إلى أن تلك هي الطريقة التي تتمكن بها إيران من ضخ كثير من الأموال في خزائنها، وإنعاش اقتصادها، ومواصلة سباق التسلح لبناء قدرات هجومية وإكمال برنامجها النووي، الذي باتت قاب قوسين أو أدنى من بلوغه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد