فاجأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العالم بواحدٍ من قراراته الصادمة، حين قرَّر أن تنسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي التاريخي مع إيران. ومرَّ عامٌ تقريبًا على صدور ذلك القرار، لكن التوقُّعات بعودة واشنطن تحت مظلة خطة العمل الشاملة المشتركة مُستقبلًا لا تزال قوية.

إذ أصدر أكثر من 50 جنرالًا مُتقاعدًا ودبلوماسيًّا بيانًا يَحُثُّ واشنطن على العودة إلى الاتفاقية، بحسب التقرير الذي نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، الذي أوضحت فيه السبب وراء توقعها بأن ذلك الأمر لن يكون سهلًا على الإطلاق.

بين الشعب والمحافظين.. كيف رأى الإيرانيون قرار ترامب إلغاء الاتفاق النووي؟

وذكرت الصحيفة الأمريكية أن الأوروبيين والروس والصينيين مُهتَّمون بالحفاظ على استمرار الاتفاقية، وكذا هو الحال بالنسبة للشعب الأمريكي. إذ كشف استطلاعٌ للآراء، أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية في أعقاب الانسحاب الأمريكي، أن 66% من الأمريكيين يُفضِّلون المُشاركة في اتفاقيةٍ ترفع بعض العقوبات الاقتصادية، مقابل فرض قيودٍ صارمةٍ على البرنامج النووي لطهران.

لكن يبدو أن قرار إدارة ترامب بالخروج من الاتفاقية أحدث تغييرًا مُهِمًا في المزاج العام داخل إيران، بحسب الصحيفة. إذ كشف استطلاعٌ للرأي، أجرته شركة IranPoll مُؤخرًا، أن الشعب الإيراني أصبح مُتشائمًا للغاية بشأن نتائج تلك العملية، لدرجة أن أي مُحاولةٍ للتفاوض من جديدٍ بين الولايات المُتحدة، وإيران ستموت في مهدها.

المواقف الإيرانية تجاه الاتفاق النووي تتغيَّر

جاء في تقرير الصحيفة أن الإيرانيين خرجوا بأعدادٍ ضخمةٍ في عام 2015 ليستقبلوا محمد جواد ظريف، مُفاوضهم الرئيسي ووزير خارجيتهم، استقبال الأبطال إثر نجاحه في التوصُّل لاتفاقية بشأن البرنامج النووي. لكن استطلاعات الرأي، التي أجرتها شركة IranPoll عبر الهاتف داخل إيران، وجدت أن مُعدلات تأييد ظريف والرئيس حسن روحاني تشهد انخفاضًا ملحوظًا.

ويشهد التأييد الشعبي الإيراني للاتفاق النووي انخفاضًا أكبر، بحسب الصحيفة. إذ وجد استطلاع للآراء، أجرته IranPoll في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أن التأييد الشعبي الإيراني لخطة العمل الشاملة المشتركة انخفض من 76% في أغسطس (آب) عام 2015 إلى 51% في ديسمبر عام 2018.

وكَرِهَ الإيرانيون تجربة المفاوضات بأكملها، إذ يقول سبعةٌ من أصل كل 10 إيرانيين إن تجربة الاتفاق النووي أظهرت أنه ليس من المُجدي لإيران أن تُقدِّم تنازلاتٍ؛ لأن طهران لا يُمكن أن تثق في التزام القوى العالمية بجانبها من الاتفاق. ووصلت نسبة المُقتنعين بذلك الرأي إلى 72% في ديسمبر، مُقابل 67% فقط في يناير (كانون الثاني) عام 2018.

ما أسباب ذلك التغيير؟

ترى «واشنطن بوست» أن شرح أسباب انخفاض الدعم الشعبي للصفقة يتطلَّب إدراكًا لأسباب تأييد الإيرانيين لها أول الأمر؛ لأن ذلك التأييد لم يَكُن نابعًا من رغبةٍ في القضاء على البرنامج النووي، أو الجيش الإيراني.

إذ حافظ الدعم الشعبي الإيراني لبرنامج البلاد النووي على مستواه الثابت عند 90%، منذ عام 2014. فضلًا عن ذلك، يُؤمن جميع الإيرانيين تقريبًا بأهمية تطوير البلاد للصواريخ. ويرى 76% أن الأمر بالغ الأهمية، و20% يرون أنه مُهمٌّ إلى حدٍّ ما، وذلك بحسب استطلاعات الرأي التي أُجريَّت عام 2019.

وتوضح الصحيفة أن الإيرانيين توقعوا أن يحصدوا الأرباح الاقتصادية في أعقاب الاتفاق النووي، وأرادوا أن يستمتعوا بأموال الغرب، غير أنه في الواقع بدا أن تطلُّعاتهم تلك بالرخاء المُفاجئ استبقت شروط الاتفاق الصارمة، إذ اعتقد الكثير من الإيرانيين أن العقوبات ستُلغى بأكملها، ولن يقتصر الأمر على العقوبات النووية فقط. لكن واشنطن أعادت تطبيق كافة العقوبات المفروضة قُبيل توقيع الاتفاقية، وذلك في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة.

وتستهدف العقوبات قطاعات النفط، والنقل، والمصرفي، التي تُعَّد قطاعاتٍ حيوية في الاقتصاد الإيراني، فضلًا عن الدُّوَل التي تُتاجر معها إيران. واقترح مايك بومبيو، وزير الخارجية، مُؤخرًا أن تُدرِجَ الحكومة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني على قوائم المنظمات الإرهابية. وفي حال مُرِّرَ ذلك الاقتراح، ستكون هذه هي المرة الأولى التي تُدرَجُ خلالها وحدةٌ عسكريةٌ تابعةٌ لدولةٍ أخرى تحت هذا التصنيف.

وبحسب تقرير «واشنطن بوست»، يشعر كثير من الإيرانيين بأن الغرب لم يُوف بوعوده نتيجةً لذلك. وقال ستةٌ من أصل كل 10 إيرانيين: إن الولايات المُتحدة لم ترفع كافة العقوبات التي اتفقت على إلغائها في الاتفاق بحلول يناير عام 2018، وهو ضعف عدد أصحاب الرأي نفسه عام 2016. وانخفضت الثقة في وفاء الولايات المتحدة بالتزامات الاتفاق المفروضة من 45% عام 2015 إلى 12% فقط عام 2018.

وسمحت تلك الانطباعات للنظام الإيراني بتحميل العقوبات مسؤولية المصاعب الاقتصادية، بحسب الصحيفة. ورغم إيمان غالبية الإيرانيين بأن الأوضاع الاقتصادية للبلاد هي مسؤولية سوء إدارة زعمائهم، لكن القطاع الذي يُحمِّل العقوبات الغربية المسؤولية ارتفع من 26% في مايو (أيار) عام 2015 إلى 36% في ديسمبر عام 2018.

ورغم إعادة فرض العقوبات الأمريكية، تعمل الدول الأوروبية التي وقعت الاتفاق الإيراني من أجل الحفاظ على تجارتها مع طهران، وذلك من خلال آلية دعم التبادل التجاري (إنستكس INSTEX) التي تُمثِّل وسيلة دفعٍ للأغراض التجارية الخاصة.

لكن ظريف وآية الله علي خامنئي وجَّها انتقاداتٍ كبيرةٍ لآلية الدفع تلك، قائلين إن الاتحاد الأوروبي لا يفي بالتزامات الاتفاق النووي.

ووصلت تلك الرسائل إلى الرأي العام الإيراني، بحسب الصحيفة. وللمرة الأولى منذ عام 2016، يُؤمن أقل من نصف الإيرانيين أن الدول الأوروبية ستفي بالتزاماتها بموجب الصفقة. إذ انخفضت النسبة إلى 44% مُقارنةً بـ61% في يونيو (حزيران) عام 2018.

وترى الصحيفة أن روحاني، الذي مثَّل وصوله إلى الحكم عام 2013 دفعةً قويةً لبدء المُحادثات مع الولايات المتحدة، استغل المشاعر السائدة حاليًا في إيران خلال خطابٍ أُذيع على الهواء مُباشرةً في تلفزيون الدولة، في وقتٍ مُبكِّر من هذا الشهر. إذ أعلن في خطابه أنه «لا تُوجد احتماليةٌ للدخول في مفاوضاتٍ جديدةٍ مع أمريكا». وتقدَّم ظريف باستقالته مُؤخرًا، ثم تراجع عنها سريعًا، في خطوةٍ، تقول الصحيفة، إنها لم تنجح في الحد من السلطة التي تتَّجه بقوةٍ إلى المُتشدِّدين في طهران.

ما مدى أهمية ذلك؟

تتوقَّع «واشنطن بوست» أن يمثل الاتفاق الإيراني قضيةً كبيرةً في الحملات الانتخابية عام 2020، مشيرة إلى أن خمسة مُرشَّحين مُحتملين للرئاسة من الحزب الديمقراطي، من بينهم بيرني ساندرز، وإليزابيث وارن، وكامالا هاريس، قالوا إنهم سيعودون بالولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي في حال واصلت إيران الامتثال لاشتراطات اتفاقية عام 2015.

لكن رغبة رئيسٍ أمريكيٍ في العودة إلى طاولة المُفاوضات لا تعني أن الزعماء الإيرانيين سيقبلون الدعوة مُباشرةً من وجهة نظر الصحيفة. إذ لا يُفرِّق الزعماء الإيرانيون بين الديمقراطيين والجمهوريين حين يُوجِّهون انتقاداتهم للولايات المتحدة أمام الرأي العام.

وفي ظل الوضع الراهن، تستبعد «واشنطن بوست» أن يُؤدي تغيير مُفاجئ في سياسة إدارة ترامب أو وعد انتخابي ديمقراطي بالعودة إلى الاتفاق إلى إعادة إيران لطاولة المُفاوضات قريبًا، وقالت إن الإيرانيين لن يضغطوا من جهتهم من أجل ذلك بكل تأكيد.

لماذا تفشل العقوبات الأمريكية دائمًا في «تركيع» إيران؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد