كتب إيشان ثارور، الكاتب المتخصص في العلاقات الخارجية تحليلاً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» حول الاحتجاجات الأخيرة في إيران، وموجة العنف غير المسبوقة التي مارسها النظام الإيراني ضد المحتجين العُزّل؛ مما أدى إلى مقتل 208 أشخاص، بحسب تقديرات صادرة عن منظمة العفو الدولية.

في مستهل المقال يقول ثارور إن السلطات الإيرانية اعترفت أخيرًا بأنها قتلت المحتجين في شوارع البلاد، إذ قالت وسائل إعلام رسمية يوم الاثنين الماضي إن مسؤولي الأمن في البلاد استخدموا القوة المميتة ضد «البلطجية ومثيري الشغب» الشهر الماضي بعد اندلاع احتجاجات ردًا على قرار الحكومة برفع أسعار البنزين.

ونقل المقال عن وزارة الداخلية قولها إن الاحتجاجات اجتاحت أكثر من 100 بلدة ومدينة في 29 من 31 محافظة، وتمخضت عن إحراق 731 بنكًا و70 محطة بنزين و140 موقعًا حكوميًا خلال المظاهرات.

ولفت الكاتب إلى أن قطع الإنترنت في شتى أنحاء البلاد حجب تغطية التظاهرات، مما جعل التوثيق من الخارج صعبًا.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
«بلومبرج»: طريقتان قد تستغل بهما أمريكا احتجاجات إيران لإضعاف النظام

موجة غير مسبوقة من العنف

يستدرك الكاتب: لكن ناشطين ومنظمات دولية وصحفيين محليين استطاعوا تجميع صورة مروعة لما جرى من عنف غير مسبوق، بمباركة من أجهزة الدولة، ضد متظاهرين عُزّل، ربما أدى إلى مقتل أكثر من 450 شخصًا في الأيام الأربع الأولى للاحتجاجات التي اندلعت في 15 من نوفمبر (تشرين الثاني).

وبحسب إحصائية منظمة العفو الدولية التي قدرت حصيلة قتلى الاحتجاجات بما لا يقل عن 208 أشخاص، مرجحةً ارتفاع حصيلة القتلى، واستندت في تقديراتها إلى تقارير ولقطات مصورة جمعتها وهي عبارة عن آلاف المقاطع المصورة باستخدام الهواتف النقالة والتي أرسلت إلى خارج إيران بنجاح.

ورغم أن العاصمة طهران لم تتأثر بالاضطرابات، فإن المشاهد الأكثر إثارةً جاءت من البلدات الأكثر فقرًا والضواحي التي تسكن فيها الطبقة العمالية في أماكن أخرى من البلاد.

مجزرة معشور

وينقل الكانب عن تقرير لمراسلي صحيفة «نيويورك تايمز» فرناز فاسيهي وريك جلادستون تحدثا خلاله عن مجزرة مروعة في مدينة ماهشهر «معشور» جنوب غربي البلاد (مدينة أحوازية عربية)، حيث قتل عناصر من الحرس الثوري الإيراني ما بين أربعين إلى مائة متظاهر من المدنيين العزل.

ويشير ثارور إلى تصريحات نقلتها «نيويورك تايمز» عن خريج جامعة عاطل (24 عامًا) شارك في الاحتجاجات التي أغلقت طرقًا في ماهشهر قوله إن أعز أصدقائه وابن عمه كانا من بين القتلى.

وأضاف أنه جرى إطلاق النار على الشابين في منطقة الصدر، وأعيدت جثتاهما إلى أسرتيهما بعد خمسة أيام، فقط بعد توقيع ذويهم على أوراق بعدم إقامة جنازات أو مراسم تأبين لهما وعدم إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام.

ويتابع ثارور: كشفت أحداث الشهر الماضي عن سخط عميق بين الإيرانيين العاديين، في الوقت الذي أشاد فيه مسؤولو إدارة ترامب ومن بينهم وزير الخارجية مايك بومبيو بالانتفاضة التي حدثت نتيجة استراتيجية الضغوط القصوى التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، والتي قلصت عائدات النفط التي يحتاجها النظام بشدة للمساعدة في دعم قطاعات الاقتصاد المتدهور في البلاد.

احتجاجات 2019 تعبير عن غضب متأصل

ويكمل ثارور أن الإيرانيين العاديين تأثروا بشدة من العقوبات الأمريكية التي تسببت في رفع أسعار الغذاء وهددت حصولهم على الأدوية الأساسية.

ويشير إلى أن التيار المحافظ، الذين هم على خلاف مع إدارة الرئيس حسن روحاني، سعوا للابتعاد عن السخط الشعبي، ونأوا بأنفسهم عن قرار الحكومة بخفض الدعم، لكنهم فوجئوا أيضًا بالنطاق الواسع لحركة الاحتجاجات.

ولفت الكاتب إلى أن غضب المحتجين حيال الاقتصاد تزامن مع الإحباط الشعبي الكبير تجاه سوء الإدارة وفساد النخب السياسية، مما أطلق دعوات، في بعض الأماكن، للمطالبة برحيل المرشد الأعلى للبلاد علي خامنئي.

وقال الكاتب إن الحصيلة المذهلة للقتلى خلال أيام قليلة من الاضطرابات تظهِر جليًا أن خامنئي وحلفاءه ينتابهم القلق، فقبل عِقد، قُتِل 72 شخصًا خلال أشهر من الاحتجاجات في أعقاب انتخابات كان ينظر إليها على نطاق واسع باعتبارها مزورة. أما هذه المرة، بسقوط مئات القتلى في غضون بضعة أيام، بدا أن هناك شيئًا أكثر قوة يحدث.

يرى ثارور أن الاحتجاجات الأخيرة وتختلف عن احتجاجات عام 2009، عندما نزل الإيرانيون إلى الشوارع بعد أن أعلن مرشحا الرئاسة الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي عن تزوير الانتخابات.

وينقل ثارور عن روح الله فقيهي الذي عمل مع منافذ إعلامية إيرانية في مقال له بموقع المونيتور قوله «إن احتجاجات 2009 كان لديها قادة وأهداف سياسية، لكن أحداث 2019 ليس لديها قائد أو هدف محدد بل هي تعبير عن غضب وألم متأصلين».

قمع خامنئي يشبه مجازر الشاه

ينقل الكاتب أيضًا تحذيرات موسوي، الذي لا يزال قيد الإقامة الجبرية، للنظام في مطلع الأسبوع؛ حيث شبّه القمع الذي ارتكبته السلطات الشهر الماضي بمجزرة عام 1978 التي سبقت سقوط شاه إيران وقيام الجمهورية الإسلامية.

وفي منشور منسوب إلى موسوي عبر شبكة الإنترنت، رصد التشابه بين الحادثين قائلًا: إن «قتلة عام 1978 كانوا يمثلون نظامًا غير ديني، وإن مطلقي النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 يمثلون الحكومة الدينية». وأضاف «هناك كان الشاه هو القائد العام، واليوم هنا ولي فقيه يتمتح بصلاحية مطلقة».

يلمِح محللون آخرون إلى وجود تشابه أكثر وضوحًا ربما يعود إلى فترة أقدم، فقد أشار فالي نصر الأستاذ بمدرسة جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة إلى الاحتجاجات الكبيرة التي اندلعت عام 1963 ردًا على خطط إصلاحات أعلنها الشاه أطلق عليها «الثورة البيضاء».

وربما قُتِل الآلاف على أيدي قوات الأمن خلال تلك الاحتجاجات، وشنت قوات الأمن حملة قمع شرسة في طهران يوم الخامس من يونيو (حزيران) من ذلك العام.

ينقل ثارور عن عباس أمانات، المؤرخ بجامعة ييل، عام 2017 في كتابه الذي ألفه حول التاريخ المعاصر لإيران قوله: «حوكم زعماء العصابات المسؤولون عن انتفاضة طهران وشنقوا، وأزيلت جميع العلامات المادية التي تشير للدمار في طهران بسرعة، ومع ذلك ظلت الجروح النفسية التي سببها التمرد دون علاج».

وقال نصر لصحيفة «واشنطن بوست»: إن «هذه اللحظة مثّلت نقطة تحول لإيران، تسببت في تطرف المعارضة وتوحدها ضد الملكية ووضعت إيران على مسارها نحو ثورة 1979».

وأضاف نصر أن الدرس المستفاد من احتجاجات 1963 هو أنه لا يمكننا دائمًا توقع أن يؤدي هذا النوع من إراقة الدماء إلى اشتعال للأمور أكثر على الفور، ولكنها يمكن أن تتجسد في السياسة مستقبلًا.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
رغم أن خامنئي نجح في إخمادها.. 5 أشياء غيرتها احتجاجات إيران الأخيرة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد