ظهر مؤخرًا اسم الجنرال الإيراني قاسم سليماني على الساحة السياسية كثيرًا في خِضَم الأوضاع السياسية المضطربة بالشرق الأوسط، لكن حتى الآن ما زال سليماني شخصيةً مجهولةً إلى حدٍ كبير، تتحرك وتنفذ أهدافها بعيدًا عن الأعين، في حيرةٍ من متابعيه وخصومه.

سليماني يصافح الرئيس الإيراني حسن روحاني

وفي تقريرٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، شارك الجنرال المتقاعد ستانلي مكريستال، القائد السابق لإدارة العمليات الخاصة المشتركة بالجيش الأمريكي، ما يعرفه عن الجنرال الإيراني الفتاك الذي يتولى تحريك شبكة إيران الواسعة من الميليشيات، ويرأس «فيلق القدس»، وحدة القوات الخاصة في الحرس الثوري الإيراني، التي تعد مزيجًا بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وإدارة العمليات الخاصة المشتركة بالجيش الأمريكي على حد وصف مكريستال.

محرك دمى يعمل من خلف الكواليس

روى مكريستال حادثةً جمعته بسليماني عام 2007، حين شهد قافلةً تمر من إيران إلى شمال العراق وعلى متنها الجنرال الإيراني. وجد مكريستال نفسه في حيرةٍ من أمره في تلك الأمسية من شهر يناير (كانون الثاني)؛ هل يأمر بالهجوم على القافلة أم لا؟ إذ كانت لديه أسبابٌ كافيةٌ للقضاء على سليماني. فالقنابل الإيرانية التي تُصنَّع وتُزرع على جوانب الطرق تحت إمرته في ذلك الوقت كانت تحصد أرواح الجنود الأمريكيين في كافة أنحاء العراق.

من بينها «فيلق القدس» و«فرع فلسطين».. كيانات حملت اسم قضية فلسطين ولا تدافع عنها

لكنَّ مكريستال قرَّر أن يُراقب القافلة ولا يُهاجم على الفور لتجنُّب معركةٍ بالأسلحة النارية، والأزمات السياسية المثيرة للجدل التي ستعقبها. وبوصول القافلة إلى أربيل، اختفى سليماني في جُنح الليل.

أشار الجنرال الأمريكي المتقاعد إلى أنَّ سليماني كان يعمل بعيدًا عن الأضواء في تلك الأيام، لكنَّه تحوَّل من قائدٍ عسكريٍ إلى مُحرِّك دمى فتاك من وراء الكواليس، معتمدًا على براعته وشجاعته الهادئة في تعزيز نفوذ إيران الدولي.

ونال ذكاؤه وفاعليته والتزامه تجاه بلاده احترام الحلفاء وإدانة النُقَّاد بنفس الدرجة. لكنَّ الجميع يتَّفقون بحسب مكريستال على أنَّ اليد الراسخة لهذا القائد المتواضع أسهمت في توجيه السياسية الخارجية الإيرانية لعقود، ولا جدال على نجاحاته داخل ساحات المعارك.

إذ يُمكن القول إنَّ سليماني هو الشخصية الأقوى والأكثر حريةً في تحركاتها في الشرق الأوسط اليوم. ووفقًا لمسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، فهو يُدير الحرب السورية من خلال وكلاء إيران المحليين بمفرده.

كيف تأثر سليماني بحرب بلاده مع العراق؟

يرى مكريستال أن النجاح الذي حقَّقه سليماني معسول اللسان يُشكِّل صدمةً بالنظر إلى أصوله. إذ وُلِدَ فقيرًا في جبالٍ شرق إيران، وأظهر صلابةً ملحوظةً في وقتٍ مبكِّرٍ من عمره. فحين عجز والده عن سداد أحد الديون، عَمِلَ سليماني ليتمكَّن من سداد الدين بنفسه، وكان يبلغ من العمر حينها 13 عامًا فقط.

قاسم سليماني “رجل الظل” من جديد

كان يقضي وقت فراغه يرفع الأثقال، ويحضر الخطب التي يُلقيها أحد تلاميذ آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الحالي، إذ كان مُتيَّمًا بالثورة الإيرانية في شبابه. وفي عام 1979 بدأ سليماني صعوده داخل الجيش الإيراني وهو في الثانية والعشرين من عمره فقط، وأشارت التقارير إلى أنَّه تلقَّى ستة أسابيعَ من التدريب التكتيكي فقط قبل أن يشهد معركةً قتاليةً للمرة الأولى في محافظة أذربيجان الغربية الإيرانية.

لكنَّه في الواقع ابن الحرب الإيرانية العراقية التي بدأت في العام التالي، إذ خرج من رحم الصراع الدامي بطلًا بفضل المهمات التي أدارها بطول الحدود العراقية، والأهم من ذلك هو أنَّه خرج قائدًا واثقًا وقوي الشكيمة.

جهود سليماني ضمنت للأسد بقاءه

لم يَعُد سليماني جنديًا عاديًا وفقًا لمكريستال، بل أصبح خبيرًا استراتيجيًا ماكرًا نجح في إقامة علاقاتٍ دائمةٍ لتعزيز نفوذ إيران في المنطقة بلا رحمةٍ ومهما كان الثمن. ولم ينل أي فردٍ آخر نجاحًا بهذا القدر في تنظيم وتدعيم الحلفاء الشيعة في بلاد الشام؛ إذ أدَّى دفاعه المستميت عن الرئيس السوري بشار الأسد إلى وقف تقدُّم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وغيرها من جماعات المعارضة فعليًا، مما ضمن بقاء الأسد في السلطة وقوة تحالفه مع إيران.

وأشار مكريستال إلى أن فيلق القدس وسَّع قدراته توسُّعًا ضخمًا تحت قيادة سليماني، الذي أسهمت واقعيته المتبصرة في تحويل الوحدة القتالية إلى عنصرٍ بالغ النفوذ من الناحية الاستخباراتية والمالية والسياسية خارج الحدود الإيرانية.

وأفاد الجنرال الأمريكي أنَّ دراسة نجاح سليماني تتطلَّب وضعه في سياقٍ جيوسياسيٍ أوسع. فهو زعيمٌ إيرانيٌ فريدٌ من نوعه وُلِدَ من رحم تطلُّعات البلاد التي أعقبت ثورة عام 1979. ويتطابق تقييمه التوسُّعي للمصالح والحقوق الإيرانية مع تقييم النخبة الإيرانية.

إذ جاءت المقاومة الإيرانية ضد التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط نتيجةً مباشرة لتدخُّل الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية العراقية، وهو نفس الوقت الذي تطوَّرت خلاله نظرة سليماني إلى العالم. فضلًا عن أنَّ سليماني تُحرِّكه القومية المُتحمِّسة التي تُشكِّل شريان حياة المواطنين والقيادة الإيرانية.

القائد العسكري الذي لا نظير له في أمريكا

ونسب مكريستال الفضل في إنجازات سليماني بنسبةٍ كبيرةٍ إلى النهج الذي تبنَّته بلاده على المدى الطويل تجاه السياسة الخارجية. إذ تُثير إيران الدهشة بثبات مواقفها في ما يتعلَّق بأهدافها وأفعالها، على عكس الولايات المتحدة التي لا تتبنى سياسةً ثابتةً تجاه الشؤون الدولية. فضلًا عن أنَّ فترة خدمة قائد فيلق القدس المُطوَّلة في منصبه، الذي وصل إليه عام 1998، تُشكِّل عاملًا مهمًا آخر.

لماذا تفشل العقوبات الأمريكية دائمًا في «تركيع» إيران؟

إذ يتمتَّع سليماني بحريةٍ في التصرُّف على المدى البعيد، بفضل المناخ السياسي الإيراني المعقد، وهو الأمر الذي يحسده عليه الكثير من متخصصي الجيش والاستخبارات الأمريكية. هذه الحرية تُمكِّن سليماني من التحرُّك بمصداقيةٍ أكبر مما كان سيحدث لو كان قائدًا مؤقتًا؛ لأنَّ سلطة القائد تُحدد بصورته في عيون الآخرين، وتتزايد مع احتمالية استمرار سلطته في المستقبل.

ومن هذا المنطلق، يدين سليماني بالفضل في نجاحه إلى مهارته واستمراريته في السلطة، بحسب الجنرال الأمريكي. ونفى مكريستال إمكانية وجود قائدٍ من هذا النوع في الولايات المتحدة اليوم؛ إذ لا يسمح الأمريكيون للقادة العسكريين أو غيرهم أن يظلَّوا في مناصبهم العليا لعقود. وهو الأمر الذي يراه مكريستال مُبَرَّرًا على الصعيدين السياسي والتجريبي. ولم تسمح الحكومة الفيدرالية لموظِّف حكوميٍ أن يتمتَّع بذلك القدر من النفوذ الغامض منذ أيام إدجار هوفر.

لكنَّ مكريستال يرى أنَّ هذا النوع من القيود هو مصدر قوة النظام السياسي الأمريكي، برغم غيرته من حرية سليماني التي تسمح له بالتصرُّف سريعًا. إذ إنَّه يعتقد أنَّ عقليةً حماسيةً وميَّالةً للتحرُّك كهذه إن لم تخضع للرقابة يُمكن أن تسُخَّر لتحقيق أهدافٍ وقيم شريرة، والعواقب ستكون وخيمةً في تلك الحالة.

وتميز الوضع الذي يتمتع به سليمان يجعله بحسب وصف الجنرال الأمريكي شخصًا استثنائيًا بالغ الخطورة، يحتل موضعًا يسمح له بتشكِّيل مستقبل الشرق الأوسط.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات