المخاوف بشأن الشرعية ستُلاحق الرئيس الإيراني الجديد، إبراهيم رئيسي، بعد أن فاق عددُ مَنْ لم يدلوا بأصواتهم عددَ مَنْ صَّوتوا للمرة الأولى.

كتب محمد علي شعباني، رئيس تحرير منصة «أمواج ميديا» التي تركز على شؤون إيران والعراق والجزيرة العربية، مقالًا نشرته صحيفة «الجارديان» البريطانية عن الانتخابات الإيرانية الأخيرة، موضحًا أنها لم تسفر عن نجاح أحد في واقع الأمر، وأنها انتخابات مدبَّرة قُصِد منها الانتقال السلس لمَنْ سيفوز بمنصب الرئيس إلى موقع المرشد الروحي للثورة الإيرانية، في ظل تساؤلات مُلحَّة بشأن مَنْ يخلف آية الله خامنئي في منصبه وهو البالغ من العمر 82 عامًا، ويعاني من تدهور في صحته.

منطقة الشرق

منذ 5 شهور
«ميدل إيست آي»: 5 من أكثر تصريحات رئيس إيران الجديد إبراهيم رئيسي إثارة للجدل

وفي مطلع مقاله، يشير الكاتب إلى أن أول شيء تحتاج لمعرفته بشأن الانتخابات الإيرانية الأخيرة هو أنه بينما تمخَّضت هذه الانتخابات عن رئيس جديد، إلا أنه لا يوجد فائز حقيقي. وأن هذه الانتخابات «مدبَّرة» – نعم، وهو مصطلح فعليٌّ مُستخدَم في إيران – لتمهيد الطريق إلى خلافة المرشد الروحي للثورة الإيرانية؛ بحيث يأتي رئيسٌ يحظى بتأييد من القيادة العليا. وحققت الانتخابات ما استعصى على أعداء الجمهورية الإسلامية لمدة طويلة: تغيير فعَّال للنظام في طهران. ولم يكن هذا التغيير من النوع الذي يرنو إليه كثيرون في الغرب في ظل سيطرة المتشددين الآن بقوة.

خامنئي وخط النهاية

ولفت الكاتب إلى أنه بعد أن مالت شمس حياة آية الله علي خامنئي إلى الغروب، يبحث الرجل الآن عن خليفةٍ له في المنصب. ومن وجهة نظر زعيم البلاد البالغ من العمر 82 عامًا، يُعَد الخليفة المثالي له شخصًا مواليًا مطيعًا، يمكنه محاكاة رحلة سلفه الخاصة من الرئاسة إلى أعلى منصب في البلاد. ونظريًّا هذا هو بالضبط ما تكشف عنه الأحداث. غير أن الشيطان، كما هو الحال دائمًا، يكمن في التفاصيل.

Embed from Getty Images

وأوضح الكاتب أن إبراهيم رئيسي، الذي يشغل حاليًا منصب رئيس الهيئة القضائية، حصل على ما يقرب من 62% من الأصوات يوم الجمعة. لكن الطريقة التي جرى من خلالها هذا العمل الفذ تجعل أي «نصر» باهظ الثمن في أحسن الأحوال. ويُنظر إلى رئيسي على نطاقٍ واسعٍ على أنه المستفيد الرئيس من إقصاء مجلس صيانة الدستور لجميع المعتدلين والإصلاحيين البارزين من السباق الانتخابي، وبلغت عملية تطهير المرشحين شوطًا بعيدًا حتى إن رئيسي نفسه حث المجلس على إعادة النظر في قراره. وتزداد الصورة كآبة عندما نعرف أن رئيسي، بوصفه رئيسَ الهيئة القضائية، قدَّم في عام 2019 عديدًا من أعضاء مجلس صيانة الدستور إلى البرلمان للموافقة عليهم.

الناخبون وإبطال الأصوات

وشدد الكاتب على أنه لا شك أن المخاوف بشأن شرعية السباق ستلاحق رئيسي، لا سيما بالنظر إلى أن صاحب المركز الثاني في السباق لم يكن أيًّا من المرشحين الآخرين المختارين بعناية. وفضَّل أكثر من 12% من الناخبين الإيرانيين إبطال أصواتهم؛ أي أكثر بثلاث مرات من أي انتخابات رئاسية سابقة. ويزداد هذا أهميةً عند الأخذ في الاعتبار أنه قبل أسبوعين فقط من الاقتراع، أصدر خامنئي فتوى للتنديد ببطاقات الاحتجاج الفارغة بوصفها غيرَ مسموح بها دينيًّا.

والإصلاحيون أيضًا هم الخاسرون الرئيسيون في هذه اللعبة. ونظرًا لأنه لم يُسمح لهم إلا بمرشح اعتباري واحد فقط، حاول قادة المعسكر الإصلاحي بدلًا من ذلك حشد الناخبين بطريقة تفتقر إلى الحماسة باعتبار ذلك مسعى أخيرًا للوقوف خلف المنافس الوحيد لرئيسي، عبد الناصر همتي، وهو مصرفي سابق بالبنك المركزي غير فعَّال، ترشح على منصة مستقلة. وجاء في المرتبة الرابعة بنسبة تزيد قليلًا عن 8% من الأصوات.

غياب المنافسة والمقاطعة

وألمح الكاتب أن غياب المنافسة هذا كفل للمرة الأولى أن يفوق عددُ مَنْ لم يدلوا بأصواتهم عددَ مَنْ أدلوا بها في انتخابات رئاسية إيرانية. وأدلى 28.9 مليون فقط بأصواتهم من بين أكثر من 59 مليون ناخب مؤهل للتصويت، وهي نسبة قياسية منخفضة بلغت 48.7%. وتنخفض نسبة التصويت أكثر لتصل إلى 42.5% عند استبعاد الأصوات الباطلة. وبالموازنة، تجاوزت نسبة المشاركة 70% في الانتخابات الرئاسية الثلاثة السابقة.

تكتسب المقاطعة الانتخابية غير المسبوقة أهميةً إضافيةً عند الأخذ في الاعتبار أن الجمهورية الإسلامية لطالما نظرت إلى اقتراعاتِها على أنها اختبار أساسي لشرعيَّتها. والأهم من ذلك، كانت المقاطعة هذا العام ناشئة من الداخل. إذن، ما الذي يعنيه ذلك لإيران والعالم؟

Embed from Getty Images

قبل أيام فقط من الانتخابات، انتقد والد زوج رئيسي، إمام صلاة الجمعة المتشدد في مدينة مَشْهَد المقدسة، أولئك الذين رفضوا الإدلاء بأصواتهم بقصد الإضرار بالنظام السياسي ووصفهم بأنهم «كفار». وتُضْمِر عناصر قوية في الدولة الإيرانية هذه المشاعر؛ لأنهم في النهاية يرون أن الشرعية مشتقة من الله، وليست من الناخبين. وهم الآن يسيطرون بقوة على جميع أدوات السلطة، ويدينون بصعودهم السياسي إلى إخفاقات الحركة المؤيدة للديمقراطية في إيران والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

وأفاد الكاتب أن إدارة حسن روحاني المنتهية ولايتها لم تتابع بجدية في البداية، ولا في وقتٍ لاحقٍ، جدولَ أعمالها الطموح للاقتصاد وحالة حقوق الإنسان الأليمة في الداخل، وركزت طاقتها على التفاوض بشأن الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي جرى تصويره على أنه مفتاح التغيير. وانهار هذا الرهان عندما سحب ترامب من جانب واحد الولايات المتحدة من الاتفاق الذي أقرته الأمم المتحدة، في عام 2018. وقد أدَّى إعادة فرضه للعقوبات على إيران إلى القضاء على الطبقة الوسطى المؤيدة للإصلاح في إيران وتمكين الراديكاليين.

رئيسي مرشح المؤسسة

وأضاف الكاتب أن أولئك الذين «دبَّروا» الانتخابات الإيرانية يرون في رئيسي مرشحًا للمؤسسة سيدين بكل شيء لخامنئي. والافتراض الذي بُني عليه ذلك مفاده أن هذا يضمن تنسيقًا أكبر بين المرشد الأعلى والرئيس. ولأنهم فشلوا في تنفيذ تغيير الأجيال، فمن المرجح أن يعيش الإصلاحيون الآن في حالة من الفوضى لمدةٍ طويلةٍ قادمةٍ. وفي غضون ذلك، يمكننا أن نفترض ظهور أصوات أكثر راديكالية وأصواتٍ شابة على اليمين، خاصةً عندما يواجه رئيسي البراجماتية التي يفرضها موقعه الجديد. وسيخضع هذا الافتراض، بالإضافة إلى عديد من الافتراضات الأخرى – بما في ذلك عدم رغبة المحافظين الإيرانيين في التعامل مع الولايات المتحدة – للتجربة والاختبار مع تولي رئيسي المنصب في أوائل أغسطس (آب) القادم.

واختتم الكاتب مقاله بالقول: وفيما يتجاوز التغيير في التوجه السياسي لإيران، سيجعل اختيار رئيسي أيضًا من الصعب على الغرب التعامل مع الجمهورية الإسلامية. وكان الرئيس المنتخب وثيقَ الصلة بالإعدامات الجماعية للسجناء السياسيين في عام 1988، ودعت منظمة العفو الدولية بالفعل إلى إجراء تحقيق في دوره المزعوم في الجرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، ونظرًا لأن السجادة الحمراء تُبسَط عادةً للحكام المستبدين الآخرين في المنطقة، فلا ينبغي استبعاد احتمالية الانخراط السياسي الغربي الجاد مع إدارة رئيسي. ومن المحتمل أن يصبح الأمر أكثر صعوبةً فحسب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد