يمكن القول بأن الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 كان الفرصة الأولى التي أثارت النقاش حول مشروع إيران التوسعي في المنطقة. قبل أقل من عامين، أسقطت الولايات المتحدة نظام طالبان في أفغانستان، الذي كان مصدر قلق كبير لإيران.

رحبت طهران بالحرب على طالبان – إلى الحد الذي قدمت فيه حكومة الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي المساعدة لآلة الحرب الأمريكية ولأصدقاء واشنطن في التحالف الشمالي الأفغاني.

ثم كانت الحرب الأمريكية على نظام صدام حسين، وبدعم من القوى الشيعية في المنفى التي كانت على صلة وثيقة مع إيران. وقيل في ذلك الوقت، واتضح أنه كان صحيحًا إلى حد كبير، أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش خاضت حربين كبيرتين في العالم الإسلامي من أجل إحداث تغيير جوهري في البيئة الإستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

هذا لا يعني بالطبع أن الحرب في أفغانستان والعراق أدت إلى تغيير جذري في رؤية واشنطن للنظام الإسلامي في إيران، أو أن الحروب الأمريكية في كل من البلدين عكست نوعًا من التحالف السري بين واشنطن وطهران.

الحقيقة هي أن وجهة نظر إدارة بوش بشأن إيران باعتبارها جزءًا من “محور الشر” لم تتغير قط. في واقع الأمر، فإن مهندسي الحروب الأمريكية لم يتخلوا أبدًا عن هدف إسقاط النظام الإسلامي في إيران بطريقة أو بأخرى.

ومع ذلك، ما حدث هو أن حرب بوش انتهت بخدمة نظام آية الله. في كابول، لم يخفِ الحكام الجدد رغبتهم في إقامة علاقات وثيقة مع ايران (وكذلك مع الهند) على حساب علاقات أفغانستان التقليدية مع باكستان، ربما لأن الحكام الأفغان الجدد كان لديهم انطباع بأن طالبان كانت على نحو ما لا تزال ترتبط بوكالات الاستخبارات الباكستانية.

في بغداد، تم تسليم مقاليد السلطة إلى حلفاء إيران بشكل تدريجي إلى القوى السياسية الشيعية، وبدرجة أقل إلى القوميين الأكراد. في غضون بضع سنوات، وحتى قبل انسحاب قوات الاحتلال من العراق، كانت إيران قادرة على تعزيز انتشارها في مؤسسات الدولة العراقية الجديدة وبناء الميليشيات الشيعية المختلفة للمؤسسات التي تقدم تقاريرها مباشرة إلى طهران. وباختصار، تحولت العراق بشكل فعال إلى مستعمرة إيرانية ضخمة.

ليس بعيدًا، كان النفوذ الإيراني يتجلى بطرق مختلفة داخل لبنان وسوريا. في فبراير 2004، اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. لم يخفِ الحريري أبدًا ميوله السنية التقليدية ورغبته في العمل من أجل الحد من هيمنة الأقليات الطائفية على سوريا ولبنان.

على الرغم من أن اغتيال الحريري صاحبه حملة واسعة من المعلومات الخاطئة، إلا أن أدلة متزايدة كانت تشير إلى أن الاغتيال كان نتاج الوفاق السوري الإيراني.

أفضت ردود الفعل الدولية إلى انتكاسة مؤقتة لنفوذ حلفاء إيران حيث اضطرت سوريا إلى سحب قواتها من لبنان.

ومع ذلك، في سعيها الأكثر جرأة للسيطرة على الدولة اللبنانية، اجتاحت قوات حزب الله بيروت في ربيع عام 2008 ووجهت ضربة موجعة لخصومها، وخصوم إيران وسوريا. ونتيجة لذلك، فإن ميزان القوى في لبنان يميل بشكل كبير لصالح إيران وحلفائها باعتبارها المحدد الأساسي للوضع السياسي اللبناني.

في الوقت نفسه، تواصلت العلاقات بين دمشق وطهران، وذلك بفضل سلسلة من الاتفاقات والتفاهمات المتبادلة، والتي تراكمت منذ بداية الثمانينات، فضلًا عن صعود النفوذ الإيراني في المنطقة.

عشية اندلاع الثورات العربية في أوائل عام 2011، كانت الهيمنة الإيرانية لا مثيل لها على كل من العراق ولبنان، في حين كانت تحافظ على علاقات جيدة مع حكومة كرزاي في كابول وتوسع نطاق تحالفها مع نظام الأسد في دمشق.

كانت الثورات العربية على حد سواء فأل الخير والشر لإيران. من ناحية، قدمت الحركة الثورية العربية، وخاصة في مرحلتها المبكرة، نموذجًا تقدميًّا للتغيير الديموقراطي السلمي. فتحت الطريق لصعود القوى الإسلامية السنية، مما شكل تحديًا خطيرًا جدا لنموذج الحكم القمعي في إيران.

من ناحية أخرى، ولدت الحركة الثورية العربية، وخاصة في مرحلتها الثانية، فراغًا في السلطة في دول مثل سوريا والعراق واليمن، وهو ما منح ايران فرصة جديدة للتقدم إلى الأمام في المنطقة. رسميًا العراق، ممثلة في حكومة المالكي، أصبحت أسيرة تماما لإيران، في حين انتقلت علاقة إيران مع نظام الأسد من موقف الحليف الإقليمي الوحيد لنوع من القوة الإلزامية.

ولم يمر وقت طويل قبل أن تختمر أوهام السلطة لدى الحوثيين، حلفاء طهران منذ فترة طويلة في اليمن، واقتادتهم إلى الهيمنة الكاملة على السعي للبلاد. بطريقة أو بأخرى، في غضون عقد واحد فقط، ودون أي خسائر ملموسة، أصبحت إيران إمبراطورية تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط ​​في الغرب ومضيق باب المندب في الجنوب.

على الرغم من تزايد الأدلة على أن النفوذ الإيراني كان في تراجع، خلص كثيرون إلى أن الاتفاق النووي من شأنه أن يمنح المشروع التوسعي الإيراني ما يحتاجه لتصبح طهران قوة لا تقهر.

لذلك، أين الخطأ في قراءة المشروع التوسعي الإيراني، أو في تقييم طهران نفسها لقوتها؟

 

أولًا وقبل كل شيء، هو الشرق الأوسط، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى في الشرق الأوسط، حيث معادلات القوة لا تدوم لفترة طويلة وحيث أسس السلطة تتغير مثل الرمال المتحركة. صحيح أن التوسع الإيراني تزامن مع الإخفاقات الأمريكية في الشرق الأوسط متبوعًا بانسحاب أمريكي نسبي، فضلا عن تراجع النفوذ المصري والسعودي الإقليمي؛ ولكن ذلك تزامن أيضًا مع عودة تركية نشطة في منطقة الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى ذلك، صحيح أن سقوط أنظمة طالبان وصدام كان سريعًا جدًا، ولكن من الصحيح أيضًا أن المقاومة العراقية للاحتلال لم تنتظر طويلا قبل أن تظهر، وأن حركة طالبان أعادت تجميع وقيادة المقاومة ضد الاحتلال وحلفائه في كابول. منذ البداية، لم يأخذ المشروع التوسعي الإيراني بعين الاعتبار طبيعة خريطة السلطة والنفوذ المتغيرة باستمرار في المنطقة.

ثانيًا، اختار الإيرانيون في معظم خطواتهم التوسعية الوقوف إلى جانب الأقليات، سواء كانت سياسية أو طائفية، في مواجهة الأغلبية، وليس فقط الأغلبية في كل بلد وإنما أيضا الأغلبية على مستوى المنطقة ككل.

كانت شعوب المنطقة، لعدة عقود، تنظر إلى إيران بنوع من الإعجاب والتعاطف، وخصوصًا عندما كانت السياسة الإيرانية تتميز بمساندة الشعوب وتطلعاتها. ومع ذلك، كانت إيران آخذة في التغير بسرعة، حيث حلت الطموحات القومية والطائفية محل سياسات التضامن لعموم الإسلام. شجعت إيران على ظهور نظام الهيمنة الطائفية في العراق، ووضعت ثقلها كاملًا وراء استمرار الهيمنة الطائفية والسياسية للأقلية على سوريا وشعبها.

كما دعمت مؤامرة الحوثيين الحمقاء للسيطرة على اليمن. دون استثناء واحد، كانت سياسات إيران الإقليمية تولد الحروب الأهلية والتطهير العرقي والطائفي، ناهيك عن التدمير المأساوي للشعوب ومواردها.

ثالثًا، إلى حد كبير، يفتقر المشروع التوسعي الإيراني القيم الأخلاقية اللازمة لمبرراته. لم تكن إيران بحاجة إلى الآلة الدعائية من أجل مساعدتها على توليد الدعم الشعبي الإقليمي عندما وقفت مع القوات المقاومة للاحتلال الإسرائيلي في لبنان وفلسطين. ومع ذلك، فقد اصطبغت صورة إيران التوسعية بالقتلة واللصوص والسياسيين الطائفيين، مثل المالكي في العراق، والأسد في سوريا والحوثي في اليمن.

مع مثل هذه الصورة، لم يعد من الممكن لإيران وحلفائها تبرير سياساتها. مع انهيار الأسس الأخلاقية لموقفها، أصبحت إيران قوة معزولة تفتقر إلى أي تعاطف شعبي في المنطقة. وبالتالي، أصبحت عرضة لأي تغيير مفاجئ في موازين القوى.

وبالتالي، فإنه ليس من المستغرب، بعد سنوات من الأحلام التوسعية الإمبريالية، رؤية حليف إيران في دمشق وهو يفقد الكثير من السيطرة على سوريا، وحكام بغداد يفقدون السيطرة على أجزاء كبيرة من العراق. كما أنه ليس من المستغرب أن نرى أوهام الحوثيين للاستيلاء على اليمن تتساقط مثل بيت من ورق. الحقيقة هي أن مشروع الإيرانيين التوسعي من البداية وقف على أسس هشة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد