استعرض تقرير نشره موقع «ميدل إيست مونيتور» أوضاع الأقلية السنية في إيران، وسياسة التمييز التي تمارس بحقهم من قبل الحكومات الإيرانية المتعاقبة، وكذا محاولات السلطات الإيرانية الحد من تصاعد الفكر الوهابي داخل المجتمعات السنية بإيران.

وقال التقرير: «إن تهديد التطرف المسلح بين السنة الإيرانيين يؤخذ على محمل الجد في طهران، مشيرًا إلى أن السلطات الإيرانية تبذل جهودًا كبيرة للحد من انتشار السلفية والوهابية في المناطق الإيرانية التي تتمتع بأغلبية سنية.

غير أن هناك ثمة استراتيجية واحدة في التعامل مع هذه الأقلية- بحسب التقرير – لا تسعى إليها السلطات في إيران، بالرغم من ذلك، وهي: «التنمية».

في الواقع، فإن التخلف المستمر لهذه المناطق يترك الباب مفتوحًا أمام الإسلام المتطرف. وقد ناضل السنة في إيران منذ فترة طويلة مع الفقر والتمييز، وينظر إليهم بشكل مثير للريبة باعتبارهم طابور خامس في البلاد. تساهم سياسات إيران الشيعية التي يحركها جنون العظمة وتركز على أمنها، في الصعوبات الاقتصادية للسنة الإيرانيين، وتغذي شعورهم بالاغتراب.

سيستان- بلوشستان

لجعل الصورة تبدو أقرب، قال التقرير: «إنه يمكن تلمس هذه السياسات التمييزية في جميع أنحاء المناطق ذات الأغلبية السنية، ومنها محافظة سيستان- بلوشستان في إيران المحرومة اقتصاديًا».

ونقل التقرير عن «شاهيندوخ مولفيردي»، نائب الرئيس في حكومة الرئيس «حسن روحاني»، قوله عن الأقلية السنية: «لم يعد هناك رجال. تم شنق الجميع من قبل الحكومة؛ لمكافحة المخدرات وغيرها من الجرائم».

كشف مولفيردي هذه الحقيقة المذهلة في سياق انتقاده السياسة التي تم تبنيها من قبل الرئيس الإيراني السابق «محمود أحمدي نجاد»، بقطع الدعم المالي عن الأسر المحكوم على ذويهم بالإعدام. ونقلت وكالة «مهر» للأنباء عن مولفيردي قوله: «إننا نعتقد أن عدم وجود دعم لهذه الأسر سيجعلهم عرضة لتكرار جرائم مماثلة».

وذكر التقرير أن الاغتراب السياسي والديني، والفقر الشديد، هي أمور واسعة الانتشار في سيستان وبلوشستان، وهي مقاطعة في جنوب شرق إيران. ويبلغ عدد سكانها 2.5 مليون نسمة.

يذكر أن سيستان وبلوشستان هي واحدة من أكبر المحافظات الإيرانية، وتتكون من أغلبية السكان البلوش السنة. وبالرغم من وجود الانقسامات العرقية والطائفية، يرجع التوتر إلى حد كبير إلى الاختلافات الدينية. كما أنها واحدة من أكثر المناطق جفافًا في إيران. وباتت حدودها التي تمتد إلى 680 ميل مع باكستان وأفغانستان ممرًا للتهريب والإتجار في المخدرات.

الجماعات المسلحة

التقرير أشار إلى أن الحكومة الإيرانية استثمرت القليل في تطوير هذه المنطقة الخارجية. وتشهد المحافظة معدلات بطالة تصل إلى 50%، مع تحول العديد من السكان إلى الجريمة واللصوصية، والتهريب.

مثل المناطق الحدودية الإيرانية الأخرى التي تحظى بغالبية سكانية سنية، فإن سيستان وبلوشستان أضحت أيضًا قاعدة للجماعات المتمردة المسلحة، من بينها جماعة جند الله وجيش العدل. في عام 2010، أعدمت إيران زعيم جند الله: «عبد الملك ريجي» وشقيقه «عبد الحميد ريجي». لكن ذلك لم يوقف العنف، وفق التقرير.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2013، قتل 14 من حرس الحدود الإيرانيين وجرح 7 في مدينة سروان على يد جماعة جيش العدل المتمردة المسلحة، والتي أعلنت مسئوليتها عن الهجوم. وزعمت أن تنفيذ الهجمات كان من أجل «الدفاع عن الشباب البلوشي واحتجاجًا على التدخل الإيراني في سوريا».

وردًا على ذلك، فقد تم إعدام 16 سجينًا من البلوش السنة من قبل السلطات. وأدان زعماء البلوش السنة، بما في ذلك «مولوي عبد الحميد»، وهو زعيم ديني سني شعبي من بلوشستان، الهجوم الذي استهدف حرس الحدود الإيراني وحذروا من أن العنف يضر بمصالح السكان البلوشي.

وفي فبراير/شباط 2014، تم القبض على 13 من حرس الحدود الإيراني من قبل جماعة جيش العدل. وأفرج عنهم في وقت لاحق؛ نظرًا لجهود الوساطة التي يقوم بها القادة السنة المحليين، ولكن في أبريل/نيسان) 2015، قتل ثمانية من حرس الحدود الإيراني في اشتباك مع المتمردين السنة، وفق ما رصده التقرير.

مستقبل قاتم للسنة

أوضح التقرير أن إيران عادة ما تعزو الاضطرابات في بلوشستان إلى قوى أجنبية، وخاصة الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. بإلقاء اللوم على الجماعات الوهابية السلفية المدعومة من الخارج، فإن المتشددين الشيعة يرفضون مسئوليتهم في ظهور هذه الجماعات المتطرفة المحلية؛ من خلال سياساتهم التمييزية.

وكان الزعيم السني «عبد الحميد» قد حذر مرارًا طهران؛ من أن التمييز وعدم التسامح مع الأقليات السنية يخلقان «مستقبلًا قاتمًا للسنة».

من بين سياسات التمييز التي ذكرها التقرير كان فشل زعماء السنة حتى الآن في الحصول على تصريح لبناء مسجد في العاصمة طهران. وقد سمحت السلطات بإقامة عدد من «منازل الصلاة» التي يقصدها ما يقرب من مليون سني في طهران.

وخلافًا للمسجد، فإن بيت الصلاة ليس له إمام، ولا إدارة، ولا ميزانية، ولا يشمل التعليم الديني خارج الصلاة، بل هو مجرد مساحة للصلاة، بدون هياكل إدارية. يأتي ذلك على النقيض من المسيحيين واليهود الإيرانيين الذين لديهم كنائس ومعابد يهودية تحت إدارة مؤسساتهم الدينية.

حتى إن بيوت الصلاة أيضًا لم تسلم من الاعتداءات المتكررة. ففي عام 2015، تم تدمير بيت للصلاة في طهران بحجة «تعزيز الفكر المتطرف».

واحتج عبد الحميد في رسالة إلى المرشد الأعلى آية الله «علي خامنئي»، مشيرًا إلى أن «هذا النوع من السياسات سيكون أداة يستغلها المتطرفون».

كردستان إيران

لمراقبة أنشطة الجماعات السنية ومنع التبشير الوهابي السلفي، أنشأت الحكومة الإيرانية مجلسًا في عام 2008؛ لفرض سيطرة أفضل على التعليم الديني للسنة. ووضع اللائحة الداخلية للمجلس-بحسب التقرير- ممثل المرشد الأعلى الإيراني المكلف بإدارة المدارس السنية. ووصف أعضاء البرلمان السنة اللوائح، بما في ذلك مادته الأولى، بتدخل حكومي تمييزي في الشئون الدينية السنية.

الحكومة الإيرانية أيضًا تراقب عن كثب الوضع في كردستان، وهي محافظة تحظى بغالبية سنية أخرى في شمال شرق البلاد. وكانت وزارة الداخلية الإيرانية نشرت أخيرًا تقريرًا عن أنشطة متعاطفين مع «تنظيم الدولة الإسلامية» «داعش» في المناطق الكردية. ويشير التقرير إلى أنشطة الجماعات السلفية في كردستان العراق، ويؤكد أنه «بالنظر في العلاقات العرقية والدينية [بين كردستان العراقية والإيرانية]، فإن هذه الأنشطة تشكل تهديدًا محتملًا على الأمن الداخلي في إيران». وتشمل الجماعات السلفية الكردية أنصار الإسلام والإمارة الإسلامية الكردستانية، وكتائب القائد «فاي» كردستان، وجيش الصحابة.

وحذر خامنئي خلال زيارة قام بها إلى اقليم كردستان في عام 2010 من الأنشطة الوهابية والسلفية هناك، واتهم أولئك الذين «يضرون بوحدة المسلمين، سواء كانوا من الشيعة أو السنة بأنهم عملاء أجانب يستخدمون الدين ذريعة لتدمير الوحدة وطنية». وذكر تقرير لوزارة الداخلية أيضًا أنه في جميع المناطق الكردية الإيرانية، هناك أنشطة غير منتظمة- على حد وصف التقرير- للحركة السلفية.

الجمهورية الإسلامية تدعي دائمًا أن السعودية تقود صعود السلفية في إيران. كما تشتبه طهران في أن المدارس الدينية السنية التي أقيمت في المحافظات الحدودية هي في الواقع تنشر التعاليم الوهابية.

جنون العظمة الإيراني

التقرير حذر من أن جنون العظمة، ومعاملة الحكومة الإيرانية القاسية المفرطة تجاه السنة قد تأتي بنتائج عكسية، وتوفر مزيدًا من التربة الخصبة للجماعات التي تتبنى العنف. ورجح التقرير أن الجمهورية الإسلامية قد تكون أكثر نجاحًا في حربها ضد الجماعات السنية المتطرفة إذا حاولت كسب قلوب وعقول السنة وتعزيز الحرية الدينية والعرقية. 

ورصد التقرير بعضًا من الخطوات التي وصفها بالرمزية، والتي تم اتخاذها من قبل حكومة الرئيس روحاني للتصدي للتمييز، بما في ذلك تعيين سفير سني لإيران في فيتنام وتعيين السنة في المناصب المحلية والإقليمية. ولكن يبقى الكثير الذي يتعين القيام به، وسوف تقطع سياسة الإدماج والتنمية للأقليات سنية الإيرانية، شوطًا طويلًا لدرء الخطر الذي تشكله الجماعات المتطرفة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد