بينما ذهبت الولايات المتحدة لتردع المليشيات المرتبطة بإيران، إذ بها تحشد الشعب العراقي ضدها؛ هذه هي خلاصة تقريرٍ نشرته نيويورك تايمز، وأعدته أليسا روبن وبن هوبارد، بالتعاون مع مراسلي الصحيفة الأمريكية، فرناز فاسيحي، وفالح حسن، ومايكل كراولي. 

في البداية، لفت التقرير إلى أن القادة العراقيين اتهموا الولايات المتحدة بانتهاك سيادة بلادهم؛ عبر الهجمات التي أسفرت عن مقتل 24 شخصًا، ردًّا على مقتل متعاقد أمني أمريكي.

وأضاف: طيلة سنوات، والعراق عالقٌ في حربِ شدٍّ وجذب بين أقوى بلدين يقدمان له الدعم: الولايات المتحدة وإيران. وفي الأشهر الأخيرة، بدأ الرأي العام يتحوَّل ضد طهران، إذ طالبت احتجاجات الشوارع بإنهاء تغوُّل النفوذ الإيراني. 

واتهم الزعماء العراقيون الولايات المتحدة يوم الاثنين بانتهاك سيادة بلادهم، وأعربوا عن خشيتهم من تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران إلى حربٍ بالوكالة على الأراضي العراقية. 

أمريكا في فوهة المدفع.. هكذا تحوَّلت دفة الاحتجاجات الشعبية العراقية

حتى فحوى الاحتجاجات الشعبية تغيرت؛ إذ تراجعت الشعارات المعادية لإيران لتفسح مجالًا للشعارات المعادية لأمريكا. وهاجم المتظاهرون ما عدُّوه رد فعلٍ غير متناسب من الولايات المتحدة، على مقتل متعاقد أمريكي يوم الجمعة، ما أسفر عن مقتل 24 من أفراد المليشيات يوم الأحد.

وبحلول نهاية اليوم، ارتفعت الدعوات لإنهاء «التدخل الأمريكي»، وثارت المطالب بانسحاب الجيش الأمريكي من العراق. ويلفت التقرير إلى أن إيران ترى أن هذا التحوُّل يأتي في لحظة مناسبة لها، بعدما واجهت مقاومةً في مختلف أنحاء المنطقة، وشهدت اضطرابات اقتصادية في الداخل. 

وقالت كتائب حزب الله يوم الاثنين: إن الغارات الجوية الأمريكية التي استهدفت قواعدها في العراق وسوريا يوم الأحد أدت إلى إصابة 50 شخصًا بالإضافة إلى القتلى.

Embed from Getty Images

«حتى لا يتحوَّل العراق إلى ساحةٍ لتسوية الحسابات الإقليمية والدولية»

وقالت الولايات المتحدة: إن الضربات كانت ردًّا على أكثر من 30 صاروخًا أطلقتها كتائب حزب الله ضد قاعدة عسكرية عراقية قرب كركوك يوم الجمعة، مما أسفر عن مقتل متعاقد أمريكي وإصابة أربعة جنود أمريكيين وعسكريَّيْن عراقيَّيْن.

وصرَّح وزير الخارجية الأمريكية، مايك بومبو، يوم الأحد بأن «ما فعلناه هو اتخاذ رد حاسم يوضح ما قاله الرئيس ترامب لشهور وشهور وشهور، وهو: أننا لن نقف مكتوفي الأيدي حيال الإجراءات التي تتخذها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعرِّض الرجال والنساء الأمريكيين للخطر».

وعلى الرغم من هذا التبرير الأمريكي، وصف رئيس الوزراء عادل عبد المهدي الغارات الجوية بأنها «انتهاك للسيادة العراقية، وتصعيد خطير، وتهديد لأمن العراق والمنطقة».

وشجب آية الله العظمى علي السيستاني، أحد أكبر رجال الدين الشيعة في العراق، الهجوم الأمريكي، وشدَّد على أن الحكومة «يجب أن تضمن ألا يصبح العراق ساحة لتسوية حسابات إقليمية ودولية». وقال: إنه حتى لو كان الهجوم الأمريكي «انتقامًا من أفعالٍ مخالفة للقانون»؛ فكان ينبغي أن تكون السلطات العراقية هي التي تتصدى لها، وليس الأمريكيين.

11 هجومًا في شهرين ضد قواعد عراقية تضم أمريكيين

وتُشكِّل الميليشيات العراقية المدعومة من إيران مشكلة متزايدة لكل من العراق والولايات المتحدة، حسبما ورد في التقرير. واضطلعت هذه المليشيات بدور بارز في هزيمة تنظيم الدولة، وخاضت هذه المعركة على الجانب ذاته الذي كان يقاتل عليه الأمريكيون. وهم يمثلون الآن فصيلًا قويًّا في العراق، عسكريًّا وسياسيًّا، ويسيطرون على كتلة كبيرة في البرلمان.

وفي حين أنهم يخضعون من الناحية الفنية لإشراف قوات الأمن العراقية، فإن بعضهم يرتبط بعلاقات قوية مع إيران، ويتمتع باستقلال كبير في تحركاته. ولأن إدارة ترامب فرضت عقوبات اقتصادية على إيران أصابتها بالشلل، فإن الميليشيات بدأت تكثف ضرباتها ضد الأهداف الأمريكية.

وقال مسؤول أمريكي يوم الأحد إن الميليشيات نفذت 11 هجومًا على مدى الشهرين الماضيين، ضد قواعد ومنشآت عراقية، تضم مقاولين وأفراد خدمة أمريكيين.

«قوة أجنبية تهاجم قوة عراقية».. هكذا ينظر العراقيون إلى الهجوم الأمريكي

وفي تصريح أدلى به المتحدث الرسمي باسم كتائب حزب الله، محمد محيي، يوم الاثنين، نفت المجموعة مسؤوليتها عن هجوم الجمعة الدامي، الذي اتهمتها الولايات المتحدة بتنفيذه.

Embed from Getty Images

وبينما ترتبط هذه المليشيا ارتباطًا وثيقًا بإيران، فإن الكثير من العراقيين يرونها قوة عراقية في المقام الأول، لذلك شعروا بالغضب من الهجوم الذي شنته ضدهم قوة خارجية.

تؤكد ذلك ماريا فانتابي، كبيرة المستشارين في شؤون العراق لدى مجموعة الأزمات الدولية، قائلة: «نحن نتحدث عن قوة أجنبية تهاجم قوة عراقية».

في حين كانت هناك بعض الانتقادات للهجمات التي شنتها الميليشيا ضد القواعد العراقية، التي يتمركز فيها الأمريكيون، فإن معظم الاعتراضات تنصب الآن على رأس الولايات المتحدة، كما يرصد التقرير.

على سبيل المثال، حث رجل الدين الشعبوي، مقتدى الصدر، الميليشيا على التخلي عن «الأفعال غير المسؤولة»، قائلًا إنه سيعمل معهم على استخدام الوسائل القانونية والسياسية لطرد الأمريكيين.

«خطوة رادعة أم خطر يهدد الوجود الأمريكي في العراق؟»

وقال المحللون الذين استطلع التقرير آراءهم، إن حجم الهجوم الأمريكي – الذي استهدف خمسة مواقع في بلدين وأسفر عن مقتل عشرين شخصًا – أجبر كتائب حزب الله على الرد، وجعلها تشعر بأنها قادرة على حشد المعادين لأمريكا خلفها.

وتساءلت إيما سكاي، زميلة بارزة في معهد جاكسون للشؤون العالمية التابع لجامعة ييل الأمريكية: «هل هذه خطوة رادعة، أم خطر يهدد الوجود الأمريكي بأكمله في العراق؟».

وقال رانـﭻ علاء الدين، زميل زائر في مركز بروكنجز الدوحة ومدير مشروع كارنيجي حول الحرب بالوكالة في الشرق الأوسط: إن الولايات المتحدة ربما كانت تحاول إرسال رسالة مفادها أن قتل الأمريكيين خط أحمر لا تسمح بتجاوزه. 

ولكن من المرجح أن تؤدي حصيلة الهجوم إلى «عمليات أكثر كثافة وأوسع نطاقًا» ضد الأمريكيين. 

وأضاف علاء الدين: «ما ستحصل عليه الولايات المتحدة سيكون مختلفًا تمامًا عما كانت تسعى لتحقيقه».

ما طبيعة الرد الإيراني المتوقع؟

توعدت مليشيا كتائب حزب الله، وهي مجموعة منفصلة عن حركة حزب الله في لبنان، بـ«انتقام» لم تحدد طبيعته، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، سيد عباس موسوي: إن الولايات المتحدة «يجب أن تتحمل المسؤولية الكاملة عن عواقب هذا العمل غير القانوني».

ويصعب التنبؤ بطبيعة الرد الإيراني، حسبما يخلص التقرير. لكنها إذا اختارت التصعيد؛ فربما تشن بنفسها أو عبر وكلائها هجمات ضد مجموعة من الأهداف الأمريكية في العراق، حيث توجد قوات على الأرض، وأفراد أمريكيون آخرون يعيشون ويعملون في المنطقة.

Embed from Getty Images

واتهمت الولايات المتحدة إيران هذا الشهر باستغلال الفوضى في العراق؛ لإخفاء ترسانة من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى التي تخزنها هناك.  ويمكن أن تعمل إيران أيضًا مع شركائها لمهاجمة الحلفاء الأمريكيين في أماكن أخرى من المنطقة، على غرار ما حاولت فعله في الماضي، وفق التقرير. وشملت تلك الأهداف: المملكة العربية السعودية، وإسرائيل، والسفن التي تعبر الخليج. 

وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أن الحرس الثوري الإيراني احتجز سفينة في الخليج يوم الاثنين، دون أن يذكر التقرير البلد الذي تنتمي إليه السفينة.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، تكررت مناوشات الميليشيات التي تدعمها إيران مع الأمريكيين في العراق، حيث أطلقت صواريخ على المنطقة الخضراء، في هجومٍ كان يستهدف على ما يبدو سفارة الولايات المتحدة. 

كما ضربت الميليشيات العديد من القواعد العراقية، التي يوجد الأمريكيون بداخلها، ومن بينها قاعدة القيارة، جنوب الموصل، وفي غرب العراق بالقرب من قاعدة الأسد الجوية.

اختبار إيراني لمدى التسامح الأمريكي

وتعتقد إيما سكاي أن «قراءة إيران للواقع مفادها أن ترامب يريد حقًّا الخروج من المنطقة، وأنه غير مستعد للرد عسكريًّا. لذلك كان الإيرانيون يحاولون معرفة إلى أي مدى يمكنهم الذهاب إليه». وكان حادث الجمعة هو المرة الأولى التي تقتل فيها هذه المليشيات شخصًا أمريكيًّا. 

ونقلت الصحيفة عن مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية من واشنطن، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته التزامًا بقواعد البيت الأبيض، قوله: إن الغارات الجوية كانت تهدف إلى استعادة قوة الردع. ويرى أن سياسة إيران تعتمد على شن هجمات يمكن إنكارها، وهي الخدعة التي لم تعد الولايات المتحدة تسمح بها.

وفرضت إدارة ترامب عقوبات اقتصادية على ثلاثة من قادة الميليشيات هذا الشهر، من بينهم زعيم كتائب حزب الله. واتهمت الولايات المتحدة تلك الميليشيات بالمشاركة في هجوم غير مبرر على المتظاهرين المناهضين للحكومة، أسفر عن مقتل 15 شخصًا.

ووقعت الضربات الأمريكية في العراق بالقرب من بلدة على الحدود السورية. فيما وقعت ضربات سوريا في الصحراء الشرقية، حيث تدعم إيران القوات التي تقاتل نيابة عن الرئيس بشار الأسد في الحرب الأهلية.

وأشار المحللون الذين أدلوا برأيهم لصحيفة نيويورك تايمز إلى أن الرسالة الأمريكية كانت واضحة، لكن ارتفاع عدد القتلى قد يكون طغى عليها.

ويرى رانـﭻ علاء الدين أن «هذا يعيد الكرة إلى ملعب إيران»، لكنه يستدرك في هذه اللحظة توجد في الساحة السياسية في العراق، حيث موقف الولايات المتحدة أضعف بكثير. 

ويضيف في ختام التقرير: «بينما تمتلك إيران خطة استراتيجية لممارسة دور على الأرض في العراق، تهدف إلى حماية نفوذها وتعزيزه في البلاد، فإن الولايات المتحدة لا تمتلك خطة مماثلة».

دولي

منذ 10 شهور
مترجم: إيران لن تكون «العراق 2».. هكذا ستكون حرب أمريكا المحتملة ضد إيران

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد