كتبت كاثرين هارفي، ضابطة مخابرات سابقة في البحرية الأمريكية ومؤلفة كتاب سيصدر قريبًا عن السعودية والعراق، وبروس ريدل، باحث كبير بمركز سياسات الشرق الأوسط ومدير مشروع الاستخبارات بمركز الأمن والاستراتيجية والتكنولوجيا، تحليلًا نشره مركز بروكنجز الأمريكي عن مساعي العراق الأخيرة لجسر الهوة بين جارتيه الأقوى السعودية وإيران، وما يمكن أن تسفر عنه محاولات بغداد من تضييق الفجوة بين الجارتين وانعكاس ذلك على العراق نفسه والمنطقة بأسْرِها.

ويستهل الكاتبان تحليلَهما بالإشارة إلى حدوث تحسُّن تدريجي في العلاقات بين المملكة العربية السعودية والعراق منذ عام 2015، وحدوث عدد من التطورات الملحوظة في الأشهر الأخيرة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أُعِيد فتح معبر عرعر الحدودي – المعبر الرئيس بين البلدين – لأول مرة منذ 30 عامًا.

عربي

منذ شهرين
«ستراتفور»: جهود السعودية قد لا تكون كافية لاستقبال موسم الحج 2021 

وفي أواخر مارس (آذار) الماضي، وخلال زيارة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى الرياض، وقَّع البلدان عددًا من الاتفاقيات التي تغطي العلاقات الاقتصادية والثقافية. والأهم من ذلك، التزمت المملكة بزيادة كبيرة في الاستثمار في العراق: تصل إلى 3 مليارات دولار، من إجمالي الاستثمار الحالي البالغ حوالي 500 مليون دولار. وبعد ذلك، وبعد أقل من 10 أيام من رحلة الكاظمي، ووفقًا للتقارير، استضافت حكومته محادثات مباشرة بين السعوديين ومنافستهم الإقليمية إيران. وأفادت الأنباء أن المحادثات ركَّزت على اليمن.

السعودية تقطع علاقاتها مع إيران

لفت الكاتبان إلى أن السعوديين قطعوا العلاقات مع إيران تحت زعم أن المظاهرات أضرَّت بالبعثات الدبلوماسية السعودية في إيران (هاجم مجموعة من المتظاهرين الإيرانيين السفارة السعودية في طهران بعد تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المعارض السعودي نمر النمر)، لكن في الواقع، استخدم الملك سلمان هذا ذريعة لقطع العلاقات.

وقبل يومين من قطع السعوديين العلاقات مع إيران، فيما يُعد مصادفة على الأرجح، أعادوا رسميًّا فتح سفارتهم في بغداد لأول مرة منذ 26 عامًا، وهو مشروع كان قيد الإعداد منذ العام السابق. ويُعد الملك سلمان وابنه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أكثر القادة معاداة لإيران في تاريخ المملكة، لذا فإن قرارهم بفتح حوار الآن يُعد خطوة كبيرة.

Embed from Getty Images

وأشار مسؤول عراقي في تعليقه على المحادثات إلى أن الكاظمي «حريص للغاية» على أن يلعب العراق دور «همزة الوصل» بين جارتيه المتعاديتين. وتبشِّر المحادثات التي يستضيفها العراق بديناميكية جديدة محتملة في العلاقة بين إيران والعراق والسعودية – اللاعبون الرئيسون الثلاثة في الخليج العربي – والتي كانت في طور التكوين منذ عقود.

تاريخ موجز لتوازن متغير

وأشار الكاتبان إلى أنه منذ عام 2003، غالبًا ما نظر المعلقون الخارجيون إلى الخليج على أنه نظام ثنائي القطب، شكَّله التنافس بين إيران والسعودية. ولطالما كان الشرق الأوسط المعاصر متعدد الأقطاب، ومن منظور تاريخي، من الأفضل فهم منطقة الخليج العربي الفرعية على أنها ثلاثية القطب. وابتداءً من أوائل سبعينات القرن الماضي، بعدما انسحبت بريطانيا من المنطقة، تنافست إيران والعراق والسعودية على الهيمنة.

وحاولت إيران، التي كانت آنذاك تحت حكم الشاه وأكبر وأقوى اللاعبين الثلاثة، فرض سيطرتها على المنطقة بأكملها. وسعى العراق البعثي، ثاني أكبر اللاعبين الثلاثة، إلى ترسيخ هيمنته على الجانب العربي من الخليج، وسيطر بالفعل على ممالك الخليج العربية، بما في ذلك السعودية.

وكان السعوديون القوة الأصغر، ولأنه لا يوجد لديهم جيش يستحق الذكر، كانوا الأضعف بين القوى الثلاثة. وفي سياق المناقشات مع القوتين الآخرين بشأن أمن الخليج، كان هدفهما إحباط مشاريع الهيمنة لدى جيرانهما الأكبر، مع تأكيد سيطرتهما الخاصة على الإمارات الأصغر المطلة على الخليج.

السعودية تقوم بدور التوازن بين الجارتين الأقوى

وفي هذا السياق، يمكننا القول إن السعودية «رمَّانة الميزان» الخليجي. ووفقًا للنظرية الواقعية، فإن «رمَّانة الميزان» أو «الموازِن» في نظام توازن القوى هو دولة لا تتماشى دائمًا مع أي دولة أخرى أو تحالف دول. وهدفها تحقيق التوازن بين المَحاوِر المتنافِسة، والتأرجح ذهابًا وإيابًا حسب الضرورة. وفي حالة السعودية في سبعينات القرن الماضي، كان أحد الشروط الأساسية لقدرتها على لعب دور «رمَّانة الميزان» هو أنها كانت تتمتع بعلاقات أفضل مع كل من إيران والعراق على نحو أفضل من علاقة أي منهما بالأخرى.

وكان لدى السعوديين بالتأكيد شكوك بشأن طموحات الشاه الإمبريالية، لكن بلاده، مثل بلادهم، كانت مَلَكية موالية للولايات المتحدة. وبالمثل، كان السعوديون لا يثقون في صدام حسين في العراق، لكنه على الأقل كان رجلًا سنِّيًا عربيًّا. وعندما كان الشاه أو صدام يدفع بسياسة إقليمية لا تروق السعوديون، كان بإمكانهم التحوُّل نحو الطرف الآخر لإحباط المبادرة.

Embed from Getty Images

وأكَّد الكاتبان على أن الثورة الإيرانية والحرب الإيرانية العراقية قلبت عملية التوازن الدقيقة للسعوديين. ووقف السعوديون في تلك الحرب مع العراق البعثي، إذ كان ينظرون إلى إيران الثورية على أنها التهديد الأكبر. وعلى الرغم من أن عديدًا من المحللين يشيرون إلى ذلك على أنه اللحظة التي بدأ فيها التنافس السعودي الإيراني، كان هدف السعوديين في ذلك الوقت إعادة التوازن بين أكبر لاعبَيْن في الخليج. وعلى الرغم من أن العراق بدأ تلك الحرب الرهيبة بلا شك، إلا أن إيران كانت هي الخصم الذي رفض إنهاءَها حتى عام 1988.

السعودية سَعَت إلى إعادة التوازن الخليجي

ويشير الكاتبان إلى أن تحالف السعوديين مع العراق استمر طالما استمرت إيران في الحرب، لكن الأهم من ذلك أنهم ما زالوا يتواصلون مع إيران. وهكذا، على سبيل المثال، سافر وزير الخارجية السعودي آنذاك سعود الفيصل إلى طهران في عام 1985، في ذروة الحرب. ووصلت العلاقات السعودية الإيرانية إلى أدنى مستوياتها بعد موسم الحج عام 1987، عندما بالغت قوات الأمن السعودية في رد فعلها تجاه مظاهرة إيرانية وقتلت 402 من الحجيج الذين كان معظمهم من الإيرانيين.

لكن في الحج أثناء العام الذي أعقب ذلك والذي تزامن مع نهاية الحرب، قدَّم السعوديون بادرة حسن نية مهمة للإيرانيين؛ حيث أعرب الملك فهد عن حزنه لغياب الحجاج الإيرانيين، نتيجة الاضطرابات في العام السابق. وكان هدف السعوديين إعادة تأسيس علاقة وظيفية مع إيران حتى يتمكنوا من إعادة التوازن الخليجي بمجرد انتهاء الحرب.

وصَدَم غزو صدام حسين للكويت عام 1990 الرياض وعلَّق قدرة السعوديين على التأرجح بين إيران والعراق تعليقًا دائمًا. وقطع السعوديون العلاقات مع العراق وكانوا يأملون في تغيير صدام. وفي حين أنهم لم يكونوا متحمسين بشأن غزو إدارة جورج دبليو بوش للعراق بهدف الإطاحة بصدام، دعم السعوديون في التسعينيات من القرن الماضي وفي أوائل القرن الحادي والعشرين خططًا للتحريض على انقلاب في بغداد للإتيان بزعيم عراقي جديد إلى السلطة – جنرال عربي سني – يمكنهم العمل معه.

الغزو الأمريكي غيَّر الأوضاع

والآن نعرف بالطبع أن الغزو الأمريكي لم يجلب دكتاتورًا عربيًّا سنِّيًا آخر، بل جاء بنظام برلماني يهيمن عليه الشيعة. والملك السعودي عبد الله، الذي حكم من 2005 إلى 2015، لم يكن ينظر إلى العراق الجديد بقيادة الشيعة باعتباره شريكًا لإحداث توازن قوى مع إيران. وفي الواقع، رآه حليفًا لإيران – بل تابعًا لها – ومنصة انطلاق لطموحاتِها في الهيمنة.

Embed from Getty Images

وكان هذا رد فعل مبالغًا فيه من جانب الملك عبد الله، وكانت القيادة السعودية الحالية أكثر استعدادًا لعراق بقيادة الشيعة، حتى وإن كان لدى السعوديين بلا شك حنين عميق إلى قيادة سنية في بغداد.

العراق يحل محل السعودية في دور رمَّانة الميزان الخليجي

وأوضح الكاتبان أن الملك عبد الله كان محقًا في شيء واحد: عندما كان صدام في السلطة، كان السعوديون اللاعب الخليجي الذي يتمتع بأفضل علاقات مع القوتين الأخريين. ولكن بمجرد أن وصل الشيعة العراقيون، الذين تربطهم صلات عميقة بإخوانهم في الدين في إيران، إلى السلطة في بغداد، فَقَد السعوديون هذه الميزة.

ومن المرجح دائمًا أن تتمتع العراق التي تحكمها طبقة قيادية ذات أغلبية شيعية وعربية بعلاقات أفضل مع كل من إيران والسعودية على نحو أكبر من العلاقات التي تُقِيمها كل منهما مع الأخرى. وفي حين أن السعودية كانت تتمتع يومًا ما بميزة القدرة على التأرجح بين جارتَيْها الخليجيتين الأقوى، أضْحَت العراق تتمتع بهذه الميزة الآن. والواقع أن العراق، بعد أن أصابته عقود من الحرب بالشلل، أصبح اليوم أضعف لاعب بين اللاعبين الثلاثة في الخليج. وباختصار، إنه يحتل الآن موقع «رمَّانة الميزان» الخليجي الذي كانت تحتله السعودية من قبل.

هل هناك دور جديد للعراق؟

وألمح الكاتبان إلى أنه في السنوات الأخيرة، كان العراق يهدف إلى اتباع سياسة خارجية تقوم على عدم الانحياز، مع بناء علاقات متوازنة مع كل من إيران والسعودية. وغالبًا ما يُجدول رؤساء الوزراء العراقيون رحلات إلى طهران والرياض معًا من أجل إظهار هذا التوازن. وكما قال رئيس الوزراء العراقي آنذاك حيدر العبادي في عام 2017، إن العراقيين: «يرفضون أن يكونوا جزءًا من سياسة المحاور». وفي الواقع، قال إن العراق كان «ضحية» للمنافسات الإقليمية.

هل يلتزم العرق بسياسة عدم الانحياز في الخليج؟

ونوَّه الكاتبان إلى أن ميزة العراق في موقف عدم الانحياز هذا هي أنه بمرور الوقت – إذا كان بإمكانه أن يظل غير منحاز – سيكون قادرًا على التأرجح بين جارتيه القويتين في الخليج ضد بعضهما البعض، كما فعلت السعودية منذ جيل مضى. لكنه يمكن أن يكون أيضًا بمثابة همزة وصل بين إيران والسعودية، كما يبدو أن هذا هو ما يعتزِمه رئيس الوزراء الكاظمي اليوم. وفي الواقع، العراق هو المكان الطبيعي لإيران والسعودية لحل خلافاتهما.

Embed from Getty Images

والعراق يريد رأب الصدع السعودي الإيراني. وكما لاحظ المسؤول العراقي في تعليقه على المحادثات التي يستضيفها العراق، حيث أفاد أنه «من مصلحة العراق أن يلعب هذا الدور. وكلما زادت المواجهات في المنطقة، زاد تأثيرها هنا (أي في العراق)». والانفراجة بين السعودية وإيران تعني منطقة أكثر هدوءًا وعراقًا أكثر هدوءًا كذلك.

هل يتمكن العراق من إنهاء حرب اليمن؟

وأضاف الكاتبان أنه على المدى القريب، ليس من الواضح على الإطلاق هل سيكون العراق قادرًا على القيام بهذا الدور. وليس من المؤكد على الإطلاق أن السعودية وإيران لديهما بالفعل الإرادة للمصالحة. وبحسب ما ورد، ركزت المحادثات حتى الآن على اليمن. والسعوديون غارقون هناك في مستنقع يُكبِّدهم ثروة.

عربي

منذ 3 أسابيع
مترجم: هكذا تتغلغل الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًّا في المجتمع العراقي

وتدعم إيران المتمردين الحوثيين، لكنها لا تحتاج إلا إلى إنفاق مبالغ زهيدة عليهم. ويحتاج السعوديون إلى إيران لإقناع الحوثيين بإنهاء الحرب التي ينتصرون فيها والتي تتعرض فيها المدن السعودية لتهديد مستمر بالهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة. وإذا أسفرت المحادثات التي يتوسط فيها العراق عن وقف إطلاق النار، فسيكون ذلك بمثابة تحسُّن كبير في التوترات الإقليمية وسيساعد في تخفيف أسوأ كارثة إنسانية في العالم (في اليمن).

ومن المرجح أن العراق لا يزال أضعف كثيرًا من أن يمارس نوعًا من النفوذ على جارتيه بحيث يساعد في دفع عجلة المصالحة. لكن المحادثات السعودية الإيرانية التي قيل إنها جرت في العراق في وقت سابق من هذا الشهر قد تكون إيذانًا بديناميكية ستظهر كاملةً في المستقبل. وباختصار، منطقة الخليج ليست ثنائية القطب؛ إنها ثلاثية القطب. وسيعود العراق، الذي كان خارج الخدمة لسنوات عديدة، لاعبًا رئيسًا فيها. وبمجرد حدوث ذلك، يمكن أن يساعد في تخفيف التوترات بين القطبين الآخرين.

ويختتم الكاتبان تحليلهما بالقول إنه يجب على الولايات المتحدة أن تدعم الجهد العراقي بهدوء. ومن مصلحتنا خفض التوترات الطائفية في المنطقة، وأن يضع الرئيس بايدن قضية إنهاء الحرب في اليمن على رأس أولوياته. إن مساعدة بغداد في إنهاء هذه المأساة أمر يصب في مصلحة الجميع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد