تحترق عشرات الآلاف من الأفدنة الزراعية في العراق. من ناحيتها، لا تقدم الحكومة أي مساعدة تُذكر للسيطرة على الأوضاع، وبدلًا من ذلك تُرجع الأسباب إلى حوادث غير متعمدة. يصر الفلاحون أنها بفعل فاعل، وأن الحكومة لا تكترث لمأساتهم. في هذا المقال المنشور بصحيفة «الجارديان» البريطانية، ترصد الصحفية المستقلة سيمونا فولتين أسباب المشكلة وآراء المزارعين.

غطت أعمدة الدخان سماء الصيف في سهول العراق الشمالية، صانعةً حجابًا رماديًا مشؤومًا. اندلعت الحرائق في محافظة نينوى، على نطاق وصفه المزارعون بأنه لم يسبق له مثيل، إذ حولت عشرات الآلاف من أفدنة القمح والشعير إلى بقع سوداء قاحلة.

تقتبس الصحيفة ما قاله جلال محمد، وهو يلتقط حفنة من سنابل الشعير المتفحمة من حقله القريب من مدينة سنجار: «انظر إلى هذا، دُمر مصدر رزق الناس، لن نحظى بحصاد من هذا العام، ولا حتى في المائة عام القادمة».

تعتقد سيمونا أن الأمطار الغزيرة والعودة إلى الاستقرار النسبي في أعقاب الهزيمة الإقليمية لتنظيم الدولة الإسلامية كانت قد وعدت بإنتاج محصول وفير، حتى أنها رفعت الآمال بأن العراق يمكن أن يكفي نفسه عن الاعتماد على واردات المحاصيل. وتشير الصحفية إلى ما قاله رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، في 16 يوليو (تموز)، إنه رغم الحرائق أنتج العراق حتى الآن كمية قياسية من القمح، مضيفًا أن كمية ضئيلة فقط من المحاصيل هي التي دُمرت.

لكن تقرير صحيفة «الجارديان» يلفت إلى شهادات الأراضي والبيانات التي أدلى بها المسؤولون المحليون، والتي تشير إلى أن تأثير الحرائق أكبر مما تعترف به الحكومة. ويقتبس التقرير ما قاله دريد حكمت مسؤول الزراعة في نينوى، بأن محافظته وحدها سجلت 30350 هكتار (75 ألف فدان)، من المحاصيل المحروقة حتى 25 يونيو (حزيران)، أي أربعة أضعاف الرقم الذي قدمه رئيس الوزراء للبلاد بأكملها.

Embed from Getty Images

وبينما يتضح تأثير الحرائق للعيان، تشير كاتبة التقرير إلى أن الأسباب تظل محاطة بالغموض. نسب رئيس الوزراء معظم الحرائق للحوادث، كتطاير الشرر من آلات الحصاد. وتشير الكاتبة إلى أن عبد المهدي قال للصحفيين في مؤتمر صحفي في بغداد في 16 يوليو: «معظم الحرائق كانت لأسباب طبيعية، تبلغ نسبة الحرائق الناجمة عن الأنشطة الإجرامية أو الإرهاب حوالي 30%».

وتعتقد أنه من الصعب قبول هذه الرواية بالنسبة للمزارعين، الذين يقولون إنهم لم يشهدوا من قبل حرائق على هذا النطاق. وتشير إلى ما يقوله المسؤولون المحليون إنه لم يُجر تحقيق شامل في الأسباب، ما أدى إلى تكهنات واسعة الانتشار.

أثرت الحرائق بشكل خاص على المجتمعات السنية واليزيدية، التي كافحت للتعافي من سنوات الحرب والنزوح. بالقرب من الحويجة، وهي واحدة من آخر المدن التي حُررت من سيطرة داعش -ومكان يحتفظ فيه المقاتلون بوجودهم- تحدى المزارعون تهديد الهجمات الأشبه بحرب العصابات، لكنهم رأوا محاصيلهم تشتعل في النهاية. في سنجار، أُشعلت النيران في مصادر رزق اليزيديين، الذين بدأوا في العودة بعد أن طردهم تنظيم داعش من أرض أجدادهم عام 2014.

يشير التقرير إلى ما قاله حكمت: «هناك حرب اقتصادية بين الدول، لإجبار العراق على الاستيراد». انتشرت مقاطع فيديو غير واضحة ومهتزة على وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر الجماعات المسلحة المدعومة من إيران تشعل النيران في الحقول، الأمر الذي أشعل نظريات المؤامرة بين السنة، بأن إيران الشيعية تريد عرقلة تقدم العراق نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي.

وتشير الكاتبة إلى أنه ربما لا يوجد سبب واحد للحرائق، إذ ترسم المحادثات مع 20 مزارعًا ومسؤولًا محليًا صورة معقدة لمنطقة قابلة للاشتعال، حيث النزاعات على الأرض والمظالم المحلية، وتمرد داعش المستمر، والتنافس على السلطة بين الجماعات المسلحة؛ وهي كلها أسباب جديرة بالتصديق لهجمات الحرائق، بحسب التقرير.

في سنجار التي مزقتها الحرب، خلفت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها داعش عام 2014 للجماعة اليزيدية، خلافات عميقة بين العرب واليزيديين، الذين يتهمون بعضهم البعض بانتزاع الأراضي.

وتقتبس الكاتبة في تقريرها ما قاله المقدم عمر الله حسن، قائد الجيش العراقي في منطقة سنجار: «هناك مشكلات على الأرض بين اليزيديين والعرب بسبب النزوح. الناس زرعوا حقولًا ليست لهم».

في ظل الصراع السياسي وخطر الألغام المستمر ونقص الخدمات، يشير التقرير إلى أن 25% فقط من الأقلية اليزيدية في سنجار عادوا إلى أراضي أجدادهم. وزعم ضابط دفاع مدني في نينوى -متحدثًا شريطة عدم ذكر اسمه- أن المزارعين اليزيديين أشعلوا النار في حقولهم غير المزروعة في محاولة للمطالبة بتعويض من الحكومة المركزية، التي يتهمونها بالإهمال المستمر.

Embed from Getty Images

ويلفت التقرير إلى أن المزارعين في ريف كركوك يعتقدون أن تنظيم داعش ربما يتحمل المسؤولية، إذ أعلن التنظيم في نشرة شهر مايو (أيار) مسؤوليته عن الحرائق في العراق وسوريا.

يقتبس التقرير في هذا الصدد ما قاله جاسم حسين أحمد، مزارع من قرية العباسي، احترق ثلث محصوله: «لا أحد آخر يستطيع فعل شيء كهذا». وأوضح أنه لا توجد مجموعات مدعومة من إيران تعمل في المنطقة، وأنه من غير المحتمل حدوث شرر كهربي لأن الكهرباء كانت مغلقة لعدة ساعات، في الوقت الذي اشتعلت فيه النار في حقوله.

غذت النيران تهميش اليزيديين والسنة، وألقى المزارعون والمسؤولون اللوم على الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد، لعدم بذلها ما يكفي من المساعدة.

يروي التقرير أنه في إحدى قرى شمال الموصل، هرع عشرات المزارعين الذين لا يملكون سوى المجارف وقطع الملابس لإطفاء الحرائق الأخيرة. وبسبب الرياح القوية، اجتاحت النيران حقولهم في دقائق. وكانت هناك شاحنة صغيرة محملة بعبوات المياه تعقبتهم حين تحدوا النيران في درجات الحرارة الصيفية القائظة بالفعل.

وتذكر الكاتبة في تقريرها ما قاله ثامر العبادي، ضابط دفاع مدني محلي، بينما كان ينسق مع جهود المزارعين: «لا رجال إطفاء، ونحن خائفون من أن تصل النيران إلى منازلنا».

وبحسب تقرير الصحيفة، قال العبادي إن نصف شاحنات الإطفاء في المقاطعة، والبالغ عددها 50، معطلة: «قدرتنا محدودة للغاية، لأن الكثير من المركبات دُمرت أثناء الحرب مع داعش». النقص الملحوظ في الدعم والوضوح حول ما إذا كان المزارعون سيتلقون تعويضات، يزيد من مخاوفهم تجاه الحكومة المركزية.

وقال سامي جاسم محمد، المزارع من محافظة كركوك الذي احترق محصوله بالكامل، لكاتبة التقرير: «نلوم الحكومة لأنها لم تتحرك حتى الآن، حُرقت الكثير من الأراضي، لكنهم لن يحصلوا على أي شيء، فالحكومة لا تكترث».

دجلة والفرات في خطر.. هل ينفد «الذهب الأزرق» من العراق؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد