قالت الكاتبة المهتمة بسياسات الشرق الأوسط شيلي كيتلسن في مقالها بموقع مجلة «فورين بوليسي»: «إن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في وضع أفضل من أسلافه لتعزيز سلطة الدولة العراقية، لكن الجماعات المسلحة المستقلة تعرقله».

وأوضحت كيتلسن أنه عندما أدى الكاظمي اليمين الدستورية رئيسًا لوزراء العراق، كان أحد تعهداته الرئيسة هو وضع كل جماعة مسلحة في البلاد تحت سيطرة الدولة، بعد ما يقرب من عقدين من سيطرتها على الحكومة. ولكن تظهر الاعتقالات الأخيرة في بغداد مدى صعوبة ذلك.

في ليلة 25 يونيو (حزيران) الماضي داهم أفراد من جهاز مكافحة الإرهاب العراقي مقر وحدات الحشد الشعبي في جنوب بغداد، وهي منظمة ترعاها الدولة وتضم عدة مجموعات شبه عسكرية مستقلة. اعتُقل أكثر من 10 أفراد من اللواء 45 التابع للحشد الشعبي، والذي يتبع جماعة كتائب «حزب الله» الشيعية المسلحة المرتبطة بإيران.

عملاء للخارج وقمع للداخل

تثير كتائب حزب الله الجدل في العراق – تشير كيتلسن – لأنها تتلقى منذ فترة طويلة التمويل والتدريب، وأشكالًا أخرى من الدعم من المؤسسات العسكرية والدينية الإيرانية، ولا تخفي ولاءها للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وقد اتُهمت بالانخراط في أنشطة خارج نطاق القانون، فضلًا عن قتل وخطف المتظاهرين والنشطاء وغيرهم من المدنيين. وقد صنفتها الولايات المتحدة رسميًا كمنظمة إرهابية في عام 2009 «لارتكابها أعمالًا إرهابية».

جاءت اعتقالات يونيو في أعقاب هجمات متكررة على منشآت عراقية تستضيف قوات التحالف الدولي، ومن المرجح أن جماعات مسلحة مرتبطة بإيران هي من نفذتها. تفاصيل هذه المداهمة بالذات غامضة، ولكن جرى إطلاق سراح معظم المعتقلين بحلول 29 يونيو.

زعم بيان صادر عن قيادة العمليات المشتركة للجيش العراقي أنه تم اعتقال 14 «متهمًا» – تضيف كيتلسن – مشيرًا إلى «توفر معلومات استخبارية دقيقة عن أشخاص سبق لهم استهداف المنطقة الخضراء ومطار بغداد الدولي عدة مرات».

تعليقًا على ذلك، قال المتحدث باسم كتائب حزب الله، جعفر الحسيني، لمجلة فورين بوليسي في رسالة صوتية عبر تطبيق «واتساب»، إن من تم اعتقالهم شاركوا في الدعم اللوجستي للجماعة. وحذر من أنه «لا توجد قوة محلية أو إقليمية أو دولية قادرة على نزع السلاح من أيدي المقاومة»، في إشارة إلى محور «المقاومة» الممتد من إيران إلى لبنان، واتهم الكاظمي «بمحاولة التودد إلى الأمريكيين».

Embed from Getty Images

تعتبر كتائب حزب الله على نطاق واسع التحدي الأكبر لتطلعات الحكومة العراقية بحصر السلاح في يد الدولة، ومن المرجح أن تكون التحركات ضدها بمثابة اختبار للجماعات الأخرى المرتبطة بإيران العاملة في البلاد.

تشكلت وحدات الحشد الشعبي رسميًا في يونيو 2014 من خلال فتوى أصدرها آية الله العظمى علي السيستاني بعد أن استولى «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على مدينة الموصل العراقية، وجرى دمجها منذ ذلك الحين في القوات الرسمية للدولة. وقد شاركت الجماعة بفعالية خلال الحملة ضد «داعش»، ولعبت دورًا مهمًا في استعادة مساحات شاسعة من الأراضي العراقية. على الرغم من محاولة الحكومة بسط سلطتها على التنظيم، فإن العديد من الجماعات التابعة لها تواصل العمل على الأقل جزئيًا خارج سيطرة الدولة.

منحت الحكومة وحدات الحشد الشعبي بعض الحماية والمزايا المخصصة عادةً للقوى الوطنية الأخرى – تنوه كيتلسن – مثل الحق في وجود قاضٍ داخلي ومحكمة تابعة، فضلًا عن الرواتب والمعاشات التقاعدية. والهدف من هذه المبادرات، على الأرجح، هو استقطاب بعض العناصر المعتدلة، وإخضاعهم لسيطرة حكومية أكثر إحكامًا.

هناك دلائل أخرى على أن حكومة الكاظمي تعمل على تقويض نفوذ فصائل الحشد الشعبي الفردية التي تواصل العمل بشكل مستقل. أفادت مجلة فورين بوليسي في مايو أن أربع مجموعات من وحدات الحشد الشعبي مرتبطة بالأضرحة المقدسة في العراق «ستوضع مباشرة تحت قيادة مكتب رئيس الوزراء»، في إشارة إلى «محاولة جذب بعض الفصائل من القوة القتالية المتنافرة التي يزيد قوامها عن 100 ألف فرد بعيدًا عن إيران. وتأثير كتائب حزب الله».

التربح من الأنشطة غير القانونية

كما أن حكومة الكاظمي مستعدة أيضًا لاتخاذ إجراءات صارمة مصادر تمويل الجماعة – تكشف كيتلسن. لطالما كان التهريب مصدرًا مربحًا لمن يسيطر على طرق غير رسمية بين العراق، وسوريا، وإيران، وقالت مصادر على الحدود الغربية للعراق: «إن طرق التهريب في المنطقة تخضع لسيطرة جهات غير تابعة للدولة مرتبطة بإيران منذ هزيمة (داعش) في عام 2017».

في 11 يوليو(تموز) زار الكاظمي معبر مندلي الحدودي العراقي مع إيران في إطار حملة لمكافحة الفساد في دوائر الجمارك. وقال الكاظمي خلال زيارته: «المرحلة الأولى (من هذه الحملة) هي حماية المعابر الحدودية بقوات أمنية جديدة. والثانية هي محاربة الأشباح التي تحاول ابتزاز العراقيين»، مستخدمًا مصطلحًا يشير في بعض الأحيان إلى كتائب حزب الله.

Embed from Getty Images

بعد أيام – تكشف كيتلسن – أعلنت قيادة العمليات المشتركة أن إحدى قياداتها الإقليمية ستكلف بدوريات في معبر الشلامجة الحدودي مع إيران، وكذلك معبر صفوان مع الكويت. وأشار البيان إلى أن الجيش العراقي النظامي سيواصل تعزيز تلك المعابر الحدودية؛ مما يشير إلى جدية الحكومة في السيطرة على حدودها وتقويض أحد مصادر قوة الحشد الشعبي الرئيسة.

على عكس بعض أسلافه، يتمتع الكاظمي بدعم سياسي واسع. شكّل عمار الحكيم، رجل الدين الشيعي البارز، مؤخرًا ائتلافًا يضم حوالي 40 عضوًا في البرلمان لدعم رئيس الوزراء، الذي يقود أيضًا أكبر تجمع سياسي في البرلمان.

يرأس الحكيم تيار الحكمة الوطني، وهو تحالف سياسي إسلامي رئيس، وقاد المجلس الأعلى الإسلامي المؤثر في العراق من عام 2009 إلى عام 2017. وكتب مقال رأي في 20 يوليو قال فيه: إنه «يجب حظر جميع الأنشطة العسكرية خارج نطاق الدولة فيما يبدو ردًا على الجماعات المسلحة التي أطلقت صواريخ على المنطقة الخضراء في بغداد، وشنت هجمات أخرى مماثلة في الأشهر الأخيرة».

وعلى الرغم من أنه كان قد دعم في البداية عادل عبد المهدي، سلف الكاظمي، إلا أن الحكيم انقلب عليه العام الماضي، ودعا إلى احتجاجات مناهضة للحكومة في العديد من المحافظات في يوليو 2019، أعقبتها بعد بضعة أشهر احتجاجات كبيرة أسقطت حكومة عبد المهدي. إن مكانة الحكيم في البلاد – وخاصة في المجتمع الشيعي في العراق – يمكن أن تمنح الكاظمي دعمًا حاسمًا في جهوده للحد من قوة الميليشيات الشيعية المستقلة.

يحظى الكاظمي بدعم كبير من الجمهور ويمكنه استغلاله ضد خصومه. منذ توليه السلطة في مايو (أيار) – تقول كيتلسن – عزز الكاظمي صورة حكومته في نظر الجمهور. أعاد رئيس مكافحة الإرهاب الذي يتمتع بشعبية كبيرة، عبد الوهاب الساعدي، الذي أثارت إقالته احتجاجات مناهضة للحكومة في أواخر عام 2019 وأدخل البلاد في أزمة. وقد ساعدته هذه الخطوة وحدها على استعادة ثقة كبيرة بين العسكريين وعامة السكان. الأكثر من ذلك أن الكثير من الناس يعتبرون الميليشيات غير الحكومية تشكل تهديدًا متزايدًا للسلام والاستقرار، وتتماشى جهود الكاظمي للسيطرة عليها مع مطالب العديد من العراقيين العاديين.

الميليشيات ترد.. السلاح خط أحمر

Embed from Getty Images

لكن الميليشيات لن تُحل بسهولة. أدلى زعيم جماعة أخرى تابعة للحشد الشعبي، قيس الخزعلي، من عصائب أهل الحق، ببيان متلفز ردًا على اعتقال عناصر كتائب حزب الله، حذر فيه الكاظمي من التورط في أي قضايا غير تحضير البلاد لانتخابات مبكرة، ومعالجة الأمور الاقتصادية والصحية التي يعاني منها العراق. كان المعنى ضمنيًا أن الجماعات المسلحة يجب أن تستمر في الاستقلال عن الدولة.

وشدد الخزعلي على أن الكاظمي لن يكون قادرًا على وقف الهجمات على القوات الأمريكية في العراق من قبل «فصائل المقاومة»، وقال صراحة: إن الحكومات السابقة «تجاهلت هذه القضية لأنها تعلم أنها لا تستطيع الاقتراب من الفصائل». اتُهمت الجماعة المسلحة التي يقودها الخزعلي بالتورط في قتل المتظاهرين والنشطاء خلال الاحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة.

على الجبهة السياسية، يُعد ضم الحكيم تطورًا مهمًا، لكن الكاظمي سيحتاج إلى إيجاد المزيد من الحلفاء. وعلى الرغم من أن تحالف فتح البرلماني التابع للحشد الشعبي دعم الحكومة، أوضح زعيمها هادي العامري أن الدعم مشروط بإجراء انتخابات مبكرة وإخراج القوات الأمريكية. كما حذر من أن دعمه يمكن أن يسحب في أي وقت. وبينما هناك العديد من الشخصيات السياسية التي تريد أن ترى عراقًا أقوى وأكثر استقرارًا وهي على استعداد للعمل مع الكاظمي، لا يزال هناك آخرون يفضلون إبقاء الجماعات المسلحة في البلاد خارج سيطرة الدولة.

يسير الكاظمي على حبل مشدود – تختتم كيتلسن بالقول – وعليه أن يوازن بين آراء الشعب، والجيش، والسياسيين، وبالطبع إيران من أجل ترسيخ شرعية الدولة العراقية وسلطتها. لن يكون الأمر سهلًا، لكن مكانة الكاظمي في البلاد إلى جانب جهوده حتى الآن تشير إلى أنه في وضع أفضل من أسلافه للتحرك نحو احتكار الدولة للسلاح في العراق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد