كتب رانج علاء الدين، الزميل الزائر في مركز بروكنجز الدوحة ومدير مشروع كارنيجي حول الحرب بالوكالة في الشرق الأوسط، مقالًا عن رئيس الوزراء المكلف الجديد عدنان الزرفي والتحديات السياسية التي تواجهه ومدى قدرته على تشكيل حكومة جديدة.

يستهل المقال بالقول: أصبح لدى العراق رئيس وزراء مكلف جديد، بعد قرابة ثلاثة أسابيع من فشل المرشح السابق محمد توفيق علاوي في تأمين أغلبية برلمانية لتشكيل حكومته.

العالم والاقتصاد

منذ أسبوع
4 دول عربية لن تصمد طويلًا في حرب النفط

رئيس الوزراء المكلف الجديد، عدنان الزرفي، هو أحد المخضرمين في صفوف المعارضة العراقية، وكان لفترة طويلة عضوًا في الطبقة الحاكمة التي عملت عن كثب مع سلطة الائتلاف المؤقتة (أول سلطة شُكِلت لإدارة أمور العراق) أثناء الاحتلال الأمريكي للبلاد.

يصف الكاتب رئيس الوزراء العراقي الجديد بأنه شخصية صارمة، ويحظى بتاريخ متقلب وعنيف مع العديد من الأشخاص والجماعات التي تتصارع معها الولايات المتحدة حاليًا، بما في ذلك زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي هدد بإخراج الولايات المتحدة من العراق، وبعض أعضاء قيادة قوات الحشد الشعبي الموالية لإيران، التي استهدفت ميليشياتها القواعد العسكرية الأمريكية داخل العراق في الأسابيع الأخيرة، وهذه الجماعات انتقدت ترشيح الزرفي للمنصب كما أنها ستحاول عرقلة جهود تشكيله للحكومة.

تحديان يواجهان رئيس الوزراء العراقي الجديد

ينتقل علاء الدين للحديث عن التحديات التي تواجه الزرفي والتي يقول إن لها شقين:

الشق الأول: أن العراق دُفِع إلى شفا الهاوية من خلال الاحتجاجات التي تطالب بإقرار إصلاحات منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي أسفرت عن مقتل المئات وإصابات الآلاف من الأشخاص نتيجة رد القوات الأمنية الموالية للدولة والميليشيات الموالية لإيران بعنف على الاحتجاجات. وكان تأثير الاحتجاجات كارثيًا، على حد وصف الكاتب، ما أغرق العراق في أسوأ أزمة له منذ أن سيطر «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» على مدينة الموصل في العام 2014 وأحدث هزة في قلب الطبقة السياسية بالعراق.

أما الشق الثاني: الذي يفاقم الأزمة، هو أن العراق ابتلي بالهبوط السريع لأسعار النفط ووباء «كورونا»، ورغم ذلك لا يزال المتظاهرون عازمين على إبعاد الطبقة السياسية عن سدة السلطة، كما أنهم وجهوا انتقادات للجماعات الموالية لإيران التي باتت الآن أكثر إصرارًا من ذي قبل على الهيمنة على المشهد السياسي وترسيخ قبضتها على الدولة العراقية، خاصةً منذ اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) الماضي.

Embed from Getty Images

يرى الباحث أن الظروف تحتشد ضد المتظاهرين، إذ إن النظام السياسي الذي ظهر منذ عام 2003 عصِي على التغييرات الشاملة طويلة الأجل، كما أن هناك تفاهم قوي غير مكتوب بين النخب الحاكمة يلزِمهم بالحفاظ على توازن السلطة في العراق والذي يرضي أيضًا مصالح الكُتّل المتنافسة، على أساس أنه لا يمكن لأي طرف فاعل بمفرده أن يحتكر السلطة.

يقوم ذلك التفاهم أيضًا على فرضية أن سيطرة هذه النُخَب والقوى على السلطة وحصولها على الموارد وبقائها يدعمه اعتمادها المتبادل على بعضها البعض، وهذه الفرضية عززت هياكل السلطة داخل العراق منذ العام 2003 وتعززت بشكل أكبر أثناء جميع الانتخابات منذ 2005؛ فلم يستطع أي حزب أو كتلة بمفردها الفوز بأغلبية، وهو ما يجعل من الضروري تشكيل تحالفات لتأمين المصالح الخاصة للكتل المتنافسة.

بعبارة أخرى حتى وإن كان الزرفي قادرًا على تشكيل حكومة تنصاع للحركة الاحتجاجية – مؤلفة من أشخاص مستقلين على سبيل المثال – فمن المحتمل أن تسعى الطبقة الحاكمة لإفشالها، وأن تعجز أيضًا عن الحصول على موافقة البرلمان.

على النقيض من ذلك فإن الحكومة التي تسترضي الطبقة الحاكمة، يمكن أن ينتهي بها الأمر إلى أن تواجه تحديا يمثله المتظاهرون، وربما تعيد الحكومة إحياء الحركة الاحتجاجية حتى بعد أن توقفت في الأسابيع الأخيرة بسبب أزمة فيروس «كورونا».

يرجح الباحث أن يعلق العراق بحالة من الجمود السياسي تستمر طيلة أشهر، إن لم يكن لسنوات، نتيجة لما سبق. وفي هذه الحالة فربما تستمر حكومة تسيير الأعمال، بقيادة عادل عبد المهدي، بصفتها الحالية حتى يمكن إجراء الانتخابات على أرض الواقع.

دور واشنطن

يضيف علاء الدين: «نظريًا يمكن للولايات المتحدة أن تدعم الحركة الاحتجاجية وتدفع من أجل إحداث تغيير شامل للدولة العراقية يتمخض عنه حكم أفضل وسيادة أكثر قوةً وتوفير مزيد من الوظائف للشعب العراقي. بالرغم من ذلك فإن ذلك غير واقعي في المستقبل المنظور».

ويوضح أن المشكلة لا تنحصر في فرد أو حزب بمعنى أنه ليس مهمًا أن يصبح الزرفي رئيسًا للوزراء، نظرًا لديناميات الحكم والسلطة متعددة الطبقات، التي تدعم الدولة العراقية ونظامها السياسي.

يشير أيضًا إلى المؤسسات الرسمية التي يملكها العراق مثل الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية والتي تتنافس غالبًا مع السلطات غير الرسمية كالميليشيات والعشائر والشخصيات الدينية (التي يسيطر بعض منها أو يهيمن على هياكل صناعة القرار الرسمية بالعراق) وتحظى بنفوذ كبير على سياسات واقتصاد العراق.

وينوه الباحث إلى الفرص التي أتيحت للولايات المتحدة للانتقال بسرعة لهذه المعركة السياسية، وسن تدابير يمكن أن تغير المشهد السياسي ليكون أكثر ملاءمة لتأمين مؤسسات عراقية سيادية فعّالة.

ويشير في ذلك الصدد إلى حادثة اغتيال قاسم سليماني في يناير الماضي والتي يلمح إلى أنها قللت من الهالة المحيطة بالمليشيات الموالية لإيران التي لا تقهر وأثارت أزمة قيادة داخل صفوفها؛ مما أدى لإضعاف قبضتها على العراق.

ويوضح أن ذلك أتاح فرصة مؤقتة كان على واشنطن أن تتبعها بإستراتيجية سياسية توسعية تركز على العمل مع حلفائها وحمايتهم من الميليشيات المتحالفة مع إيران وسط البيئة السياسية المتقلبة التي تلت الحادث.

وفي ظل غياب الدعم الأمريكي، لم يكن الكثير من العراقيين على استعداد للتحرك ضد إيران الجريحة، التي كانت عازمة على الحفاظ على نفوذها داخل العراق.

كان ممكنًا أن يضمن ذلك النهج المصالح الأمريكية الحيوية على المدى القريب (المتمثلة في الحفاظ على وجود القوات الأمريكية في العراق أو حشد ودعم حلفاء الولايات المتحدة لتعزيز مواجهة النفوذ الإيراني).

يتابع علاء الدين: «كان يمكن أن يكون ذلك فعالًا جدًّا إذا جاء جنبًا إلى جنب مع خطوط حمراء، وإذا ضم في جوهره التهديد بإجراء عمل عسكري آخر ضد وكلاء إيران لتأمين أهداف سياسية طويلة المدى (مثل إصلاح مؤسسات العراق وكذلك حشد الموارد والاستثمارات الدولية وإعادة إعمار المناطق التي مزقتها الحرب)».

Embed from Getty Images

يرجح علاء الدين أن ينهي تعيين الزرفي رئيس وزراء مكلف حالة الشلل السياسي في العراق (بافتراض أنه يستطيع تأمين دعم الكُتّل البرلمانية الأكثر نفوذًا)، وفي حال تحقق ذلك، فإنه سيمهد الطريق لعملية سياسية محفوفة بالعناصر التي تحاول تخريب المشهد والقضايا الهيكلية التي تعرقل قدرة الدولة على الحكم المستدام.

ويقول: «حتى تكون واشنطن شريكًا بناءً للعراق، ينبغي عليها تحديد الخطوات التي ترغب في رؤيتها مع الاعتراف بواقع الحكم والسلطة داخل العراق (وهي أمور واضحة تمامًا لصناع القرار في واشنطن)».

ويضيف أن الولايات المتحدة ملتزمة بتقويض وكلاء إيران داخل العراق في جزء من حملة الضغط القصوى ضد إيران، غير أن فكرة طرد الوكلاء العراقيين لإيران من السلطة في بغداد غير محتملة، إذ أن هذه الجماعات تحظى بوجود راسخ في هياكل صناعة القرار كما أنها تحظى بالكثير من الموارد ونفوذ قوي، إثر استغلالها لقصر النظر الأمريكي – على حد قول الباحث – داخل العراق منذ انسحاب القوات الأمريكية من العراق عام 2011.

وفي حين كان للعقوبات الأمريكية عواقب اقتصادية على إيران ووكلائها، فإن الولايات المتحدة لا تملك إستراتيجية قابلة للاستمرار تهدف للحد من قبضة هذه الجماعات على مفاصل السلطة، ناهيك عن دعمها الجماعات التي لطالما سعت لمواجهة نفوذ إيران بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة الآن

يشير الباحث إلى أن العراق غارق في أزمات متداخلة؛ فهناك حركة احتجاجية أفضت إلى اشتباكات وقد تؤدي إما إلى تمرد عنيف وإما إلى مذبحة واسعة النطاق للمدنيين، وخلافات أمريكية – إيرانية قد تفضي إلى حرب على الأراضي العراقية، إضافةً إلى أزمة سياسية قد تمّهِد الطريق لصراع بين الفصائل المتناحرة.

يؤكد الباحث أن الكثير من الأعباء الثقيلة تقع على عاتق العراقيين وعليهم إنجازها بأنفسهم، غير أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تعيد تقييم موقفها والبناء على التزامها بهزيمة تنظيم «داعش» عن طريق المساعدة في تطوير رؤية لمستقبل العراق استنادًا للحقائق على الأرض.

يتابع أن الوضع الأمثل هو أن تحدد الولايات المتحدة وحلفاؤها الأساسيون داخل العراق إستراتيجية سياسية لاستجابة شاملة لمجموعات التحديات التي يواجهها العراق، والتي تضمن المصالح الاستراتيجية الحيوية في الوقت نفسه.

ينوه الباحث إلى أن أبرز المساهمات الأمريكية الحالية داخل العراق هي الدعم التقني والعسكري – الذي يحول دون عودة تنظيم «داعش» – إضافةً إلى هجماتها الانتقامية ضد وكلاء إيران.

وينهي الباحث المقال بالقول: على قدر أهمية هذه الأمور، فإن الولايات المتحدة تخاطر بأن تعتبر عامل إفساد واختلال في نظر العراقيين الذين يتوقون للمساعدات الخارجية، وهي المساعدات التي ستساعدهم على ترسيخ حُكم أفضل وإحياء الاقتصاد وإقرار سياسة خارجية متوازنة.

مجتمع

منذ أسبوع
يوفال هراري: كيف سيكون شكل العالم بعد أزمة فيروس كورونا؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد