نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مقالًا مطولًا حول المظاهرات الأخيرة في هونج كونج والعراق، استهله الكاتب إيشان ثارور، المتخصص في العلاقات الخارجية، بالقول: «إن هناك العديد من الأشياء التي تفصل بين المشاهد الدرامية للاضطرابات في هونج كونج ومثيلاتها في شتى أنحاء العراق، غير أن ثمة شيئًا واحدًا على الأقل يربط بينهما، ألا وهو: الشجاعة الكبيرة من المتظاهرين الغاضبين من المؤسسة المحصنة في كلا البلدين والعنف الذي تلجأ إليه للدفاع عن مصالحها».

المظاهرات الأضخم منذ الغزو الأمريكي.. ما الذي يحدث في العراق؟

مظاهرات العراق .. عنف مفرط ومحاولات للتهدئة

واستطرد ثارور: «في العراق، أدت المظاهرات اليومية منذ يوم الثلاثاء الماضي في العاصمة بغداد ومدن أخرى جنوبي البلاد إلى أكثر من 100 قتيل، وخلفت 6 آلاف جريح، وفقًا لوزارة الداخلية العراقية». مضيفًا أن نشطاء يخشون من احتمالية ارتفاع حصيلة القتلى.

Embed from Getty Images

وأوضح ثارور أن التظاهرات في العراق تفتقر إلى وجود قائد وهي تعبير شعبي عن الإحباط واسع النطاق بسبب الفساد وسوء الخدمات العامة والبطالة في البلاد، لكن قوات الأمن واجهت تلك التظاهرات بالرصاص الحي، بما في ذلك عناصر من المنظمات شبه العسكرية صاحبة النفوذ المدعومة من إيران.

ولفت إلى أن السلطات سعت لتخفيف حدة الوضع من خلال فرض حظر التجول وقطع الإنترنت، غير أن ذلك لم يهدئ من غضب المحتجين، الذي يستهدف جزئيًا نفوذ طهران الضخم في الشؤون العراقية، كما تم إحراق عشرات من المباني العامة ومكاتب عدد من الأحزاب السياسية خلال الاضطرابات.

وتابع ثارور: إن «رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي عقد ليل السبت الماضي اجتماعًا طارئًا للحكومة، وأعرب عن حزنه لسقوط ضحايا، وأصدر خطة مكونة من 17 نقطة تضمنت تدابير لزيادة الدعم على الإسكان والرواتب العامة للعاطلين».

واعتبر  الكاتب الصحافي أن التعتيم على المعلومات رغم ذلك كان يعني أن محاولات الحكومة لاسترضاء المتظاهرين لم تلقَ آذانًا صاغية إلى حد كبير.

وفي غضون ذلك خرجت تقارير عدة تشير إلى أن قوات الأمن أو مسلحين – من المحتمل أن يكونوا تابعين للميليشيات الموالية لإيران – داهموا مكاتب وسائل إعلام مختلفة.

هونج كونج والدفاع عن الحريات والديمقراطية

وانتقل ثارور في مقاله إلى هونج كونج، حيث أوضح أن الحكومة المحلية هناك استندت إلى قانون طوارئ يعود للحقبة الاستعمارية لحظر ارتداء أقنعة الوجه، إلا أنه لم يتسبب إلا في تحدٍ أكبر.

واستطرد ثارور «للأسبوع الثامن عشر على التوالي، نزل المحتجون إلى الشوارع واشتبكوا مع الشرطة، والتي استخدمت في بعض الحالات خراطيم المياه، وهاجمت مجموعات المحتجين بالهراوات، وأطلقت الغاز المسيل الدموع في محاولاتها لتفريق المتظاهرين».

Embed from Getty Images

ولفت إلى أن مجموعات المتظاهرين قامت بتخريب واجهات المحلات التجارية التي ينظر إلى أنها موالية لبكين، في حين ارتدى الكثيرون أقنعة لإظهار ازدرائهم لإجراءات الحكومة، وتم القبض على عشرات من قبل الشرطة لقيامهم بذلك.

ونوه عن أنه جرى إغلاق مناطق رئيسة من هونج كونج، المركز المالي في آسيا، بما في ذلك المتاجر والشركات وأقسام من المترو.

ورأى ثارور أنه رغم أن الخسائر ليست بالقدر الذي شهده العراق، حيث تم إسعاف ثلاثة أشخاص فيما يتعلق بالاضطرابات، اثنين منهم في حالة حرجة، فإن تطرفًا أكثر عمقًا يترسخ في هونج كونج، بسبب الاستجابة غير المرضية لحكومة هونج كونج على طلبات المحتجين وغضبهم من قسوة الشرطة.

 وقال ثارور: إن «ما بدأ كمقاومة لمشروع تسليم المجرمين المثير للجدل، قد تحول الآن إلى حركة شعبية مستمرة تتحدى شرعية السلطات المحلية، وبالتالي حكم بكين».

وأضاف ثارور أن تلك الحركة تعكس الخوف العميق بين مواطني هونج كونج من أن تكون الحريات المدنية والتطلعات الديمقراطية للمستعمرة البريطانية السابقة في خطر.

ولفت إلى أن الحركة تعبر عن قلق جيل الشباب الذي يرون أن مستقبلهم مقيد بسبب ارتفاع أسعار المنازل في هونج كونج وتنامي انعدام المساواة داخل البلاد.

وقال ثارور: إن فريد وونج، 60 عامًا، أخبر زميليه الصحافيين بـ«الواشنطن بوست» شيباني ماهتاني وتيموثي ماك لافلين في هونج كونج الأحد الماضي، بينما كان يتظاهر مرتديًا قناعًا جراحيًا أخضر اللون: «بالنسبة لي، فإن حظر ارتداء الأقنعة يمثل تآكلًا لحقوقنا الأساسية».

وأضاف وونج: «نحن كبار السن يجب أن نخجل من أنفسنا لعدم حماية حقوقنا منذ فترة طويلة، ويجب أن نشعر بالحرج إذا لم نخرج للقتال من أجل مستقبل الشباب».

وتحدث ثارور عن مظاهرات جديدة الأحد الماضي في هونج كونج، حيث احتشد محتجون وقاموا بتسليط أضواء الليزر على منشآت يديرها جيش التحرير الشعبي الصيني.

وبحسب ثارور، ففي أول مواجهات مباشرة بين المعارضين بهونج كونج والقوات الصينية، حذر جندي صيني عبر مكبر للصوت من أن المواطنين «يتحملون عواقب» أفعالهم، غير أن قوات جيش التحرير الشعبي بقيت حتى الآن في الثكنات وتنحت جانبًا في حين تستخدم الشرطة المحلية في هونج كونج الهراوات وتلاحق المتظاهرين أسبوعيًا.

شباب العراق.. ماضٍ مؤلم ومستقبل مجهول

وعاد ثارور مرة أخرى إلى مظاهرات العراق، إذ قال: إن «المحتجين يواجهون تهديدًا أكثر فتكًا».. مضيفًا أن مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من التعتيم، لمسلحين وقناصة يطلقون النار على حشود من المتظاهرين، على الرغم من أن المسؤولين العسكريين العراقيين أكدوا عدم معرفتهم بمن أطلق النار. 

وتابع «كما ظهرت تقارير عن تهديدات مجهولة المصدر تم إرسالها إلى الصحافيين والناشطين، محذرة إياهم من حضور المسيرات في مختلف المدن العراقية».

بحسب ثارور، فإن المذبحة قد تعني نهاية فترة عبدالمهدي القصيرة وتجبره على تقديم استقالته وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات جديدة، وقد جاء عبد المهدي للسلطة قبل عام كمرشح توافقي بعد عدة أشهر من الجمود السياسي ببغداد.

وأشار ثارور إلى مقال سابق أعده زميلاه بالصحيفة لويزا لوفلوك، ومصطفى سليم، وقالا فيه: «في بغداد، غالبية المحتجين من الشباب الذين قالوا إنهم كبروا دون مستقبل، وولِدوا إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، وتأثرت طفولتهم بالحرب، وفي شبابهم حُرِموا من سوق العمل الذي يحبذ أصحاب العلاقات السياسية».

وأضافا: «بعد عامين من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) رسميًا في العراق، يعيش قرابة 14 مليون شخص في أوضاع متفاقمة، رغم المستويات القياسية من إنتاج النفط بالبلاد».

وقال ثارور: «إن القليل يعتقدون أن أي تغيير في الحكومة من شأنه أن يوقف الغضب الحالي في الشوارع».

ونقل ثارور عن الباحث ريناد منصور، الزميل في معهد تشاتام هاوس (ومقره لندن) قولها: «يبدو أن أولئك الذين يحاولون حماية النظام السياسي يقدرون أن هناك مستوى مقبولًا من العنف». 

وتابع ريناد في تصريحات للصحافيين مصطفى سليم ولويزا لوفلوك: «إذا أصغيتم إلى ما يطالب به المحتجون، فالأمر لا يتعلق بالتخلص من عبد المهدي، بل يطالبون بوضع حد للنظام بأكمله.. لقد سئموا من عدم قدرة الحكومة على الإصلاح، وتعيين وجوه جديدة لن يساعد».

«سوف نمضي ولن نتراجع»

وبحسب ثارور، ففي هونج كونج أيضًا ثمة فجوة واسعة بين ما ترغب السلطات المحلية في التنازل عنه وما يريده المحتجون. وبدلًا عن ذلك، نجحت حكومة هونج كونج في تأجيج السخط العام ودفع المحتجين المتشددين إلى التطرف والذين اشتبكوا بعنف مع الشرطة.

ونقل ثارور تصريحات طالب بجامعة هونج كونج يرتدي قناعًا أزرقًا لوكالة رويترز للأنباء قال فيها: «إن قانون مكافحة ارتداء الأقنعة سيؤجج غضبنا وسيخرج المزيد من الأشخاص إلى الشارع».

وأضاف الطالب «لا نخشى القانون الجديد، سنستمر في القتال.. إنني أرتدي القناع لأخبر الحكومة أنني لا أخشى الطغيان». ووصف ثارور ذلك بأنه صرخة استنفار دوت أيضًا داخل العراق.

وختم ثارور مقاله بتصريحٍ لعباس نجم، 43 عامًا، وهو مهندس عراقي عاطل شارك في مسيرة بالعاصمة بغداد السبت الماضي لصحيفة «الجارديان» البريطانية: «لسنا خائفين من الرصاص أو سقوط شهداء.. سوف نمضي ولن نتراجع».

«واشنطن بوست»: كيف تنجح الاحتجاجات بدون قائد؟ هونج كونج مثالًا

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد