قال سؤدد الصالحي في مقال المنشور في موقع «ميدل إيست آي»: إنه في أول زيارة خارجية له، بعث رئيس الوزراء العراقي الجديد برسالة واضحة مفادها أنه حان الوقت لأن تبدأ طهران في معاملة العراق كدولة، وليس تابعًا، ففي بادئ الأمر بدا المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي مع الرئيس الإيراني حسن روحاني روتينيًا، ووقف رئيس الوزراء الجديد أمام الصحافيين في طهران يوم الثلاثاء، واعترف بدور إيران في المساعدة على هزيمة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، وهو ما لم يصرح به معظم الزعماء العراقيين. لكن الروتين لم يدم.

قال الكاظمي: «لهذا السبب وقف العراق مع الجمهورية الإسلامية للتغلب على أزمتها الاقتصادية، وتحول إلى سوق المنتجات الإيرانية»، ودعا إلى «تعاون كامل وشامل بين البلدين» لضمان استمرار تبادل الخدمات. ويشير ربط المساعدة الاقتصادية بمساعدة إيران في محاربة «داعش»، ورسم الخطوط بين بغداد وطهران، إلى تحول جذري في الخطاب العراقي الرسمي تجاه إيران بشكل خاص، والسياسة الخارجية العراقية بشكل عام، وأكد أن العلاقة بين البلدين يجب أن تصبح نديّة.

وبحسب المقال صرح فادي الشمري، رئيس أحد أكبر الأحزاب الشيعية الداعمة لرئيس الوزراء، أن «إعادة تنظيم روابط العلاقة بين العراق وإيران، دولة مقابل دولة، يمثل تحديًا حقيقيًا لحكومة الكاظمي». وأكمل الشمري في حديثه لـ«ميدل إيست آي»: «لدى البلدين حاليًا فرصة عظيمة لتحقيق الاستقرار واحترام قواعد العلاقة بطريقة متوازنة. إن وجود عراق قوي ومستقر ومنتعش وذي سيادة يمكن أن يلعب دورًا هامًا في الشرق الأوسط على جميع المستويات، ويمكن لإيران أن تستفيد من ذلك كثيرًا».

العراق والإمساك بزمام الأمور

سببت 17 سنة من المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران واللاعبين الإقليميين الآخرين فوضى في العراق وقوضت أمنه، مع استمرار نفوذ كل جانب من خلال الشبكات التي تخترق جميع الخدمات الحكومية والتشريعية والقضائية والأمنية. في غضون ذلك أدت سلسلة من الحروب والعقوبات الاقتصادية والإهمال والفساد إلى شل الاقتصاد العراقي، وجعله يعتمد بشكل كامل على النفط.

وعلى الرغم من أن العراق هو ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك، إلا أن الحكومة لم تتمكن منذ أبريل (نيسان) من تأمين حوالي 7 مليار دولار مطلوبة شهريًا لتغطية رواتب أكثر من ستة ملايين موظف حكومي ومتقاعدين ومستفيدين من شبكات الرعاية الاجتماعية بسبب جائحة فيروس كورونا والانخفاض الحاد في أسعار النفط، وفقًا لمسؤولين عراقيين تحدثوا لـ«ميدل إيست آي».

وبحسب كاتب المقال، فإن مواجهة هذه الأزمة الاقتصادية والحد من تداعياتها على الشارع العراقي هي من أبرز التحديات التي تواجه الكاظمي، والتي يراهن خصومه وحلفاؤه على أنها ستنهي مستقبله السياسي أو تؤمنه. إن تحرير العراق من «عبودية النفط»، كما قال الكاظمي، وتعظيم عائدات الدولة هو أحد أهداف رئيس الوزراء. ويبدو أن جزءًا من خطته يعتمد على استعادة السيطرة على المعابر الحدودية والموانئ، وتأمين بيئة جذابة للاستثمار الأجنبي.

Embed from Getty Images

وصرح مسؤول أمني عراقي كبير لـ«ميدل إيست آي»، متحدثًا شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه لم يصرَّح له بالتحدث إلى وسائل الإعلام، بأن «كلا الهدفين يعنيان بالضرورة الحد من سيطرة الفصائل المسلحة والقادة السياسيين والأمنيين المرتبطين باللاعبين الدوليين في العراق والمنطقة، وخاصة إيران، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية».

وتخضع المعابر الحدودية في الجنوب والشرق للسيطرة الكاملة للفصائل الشيعية المرتبطة بإيران، وفي الشمال يسيطر عليها حزبان كرديان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وهما قريبان من إيران والولايات المتحدة في الوقت نفسه، وتقع في الغرب تحت سلطة مشتركة نسبيًا بين الشيعة والقوى السنية المرتبطة بطهران وواشنطن. وبحسب المسؤول تقدر اللجنة المالية البرلمانية الإيرادات السنوية لهذه المعابر الحدودية بما لا يقل عن 16 مليار دولار – مع «أقل من 6 مليارات دولار تصل إلى الخزانة العراقية».

وأضاف أن «تهريب الأسلحة والعملات الصعبة والبضائع المختلفة يتم علانية عبر المعابر الحدودية من وإلى العراق، وما لم يتحقق من خلال الرشوة يتم من خلال التهديدات والتخويف». وشدد على أن السيطرة على المعابر الحدودية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تطوير التفاهمات مع الدول المجاورة واللاعبين المحليين والإقليميين: «المفاتيح هي إيران وأمريكا، وهذا ما يدركه كل القادة العراقيين ومنهم الكاظمي».

ترتيبات الإلغاء

يقول كاتب المقال: «إن إعادة العلاقات مع إيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية هي محاولة مبكرة من قبل الكاظمي لتجنب الانهيار الاقتصادي المتوقع ودرء الهيجان الشعبي الذي يصاحب التأخير في سداد رواتب ملايين العراقيين». وكان من المقرر أن يزور الكاظمي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز في 20 يوليو (تموز)، لكن تأجل الاجتماع بسبب دخول الملك في الليلة السابقة لإجراء فحوصات بسبب «التهاب المرارة»، بحسب وكالة الأنباء الحكومية السعودية.

وتسبب إلغاء زيارة المملكة العربية السعودية الكثير من الارتباك في العراق؛ إذ شككت معظم القوى السياسية العراقية في مبررات مرض الملك، وأشارت إلى أن الإلغاء كان بسبب رفض الرياض تلقي أي رسائل إيرانية ينقلها الكاظمي إليها. كما قال أحد مستشاري الكاظمي لـ«ميدل إيست آي»: «أُلغيت الزيارة بسبب تدهور صحة الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز». في المقابل زار وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف بغداد، والتقى برئيس الوزراء في اليوم السابق.

وعلى الرغم من أن مستشاري الكاظمي لم يذكروا صراحة أن الجانب الإيراني بعث بأي رسائل للسعوديين عبر العراق، إلا أنهم أشاروا إلى أن العراق رفض لعب دور الوسيط أو ساعي البريد. وبحسب المقال فقد صرح المستشار هشام داود لميدل إيست آي: «نريد الدفاع عن مصالحنا. لا نريد أن نكون جزءًا من التدافع في المنطقة، ولا نريد أن نلعب دور الوساطة، تمامًا كما لا نريد أن نكون ساعي بريد لأن هذا مهين». وبحسب داود، فإن العراق كان يحاول جاهدًا أن يوضح لإيران والولايات المتحدة ودول الخليج العربي أن السيادة تعني أن بغداد قادرة على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع وبناء علاقة متوازنة معهم.

قال داود: «يريد البعض أن يلعب العراق دور ساعي البريد بين طهران وعواصم المنطقة والعالم. وهذا دور خدمي لا يقبل العراق، أو رئيس وزرائه، أو حتى العراقيين الذين يطالبون بالتمييز عن الآخرين، وخاصة إيران، أن يقوموا به. أما الوساطة فهي تعني القبول المسبق لسيادة الوسيط. فهل تقبل إيران ذلك؟».

Embed from Getty Images

إن نفوذ الحكومة العراقية مع إيران اقتصادي، فقد تركت العقوبات الأمريكية القاسية اقتصاد إيران في حالة احتضار ويعتمد بشدة على العراق المجاور. تعتمد طهران على حلفائها العراقيين للحفاظ على موطئ قدمها الاقتصادي في العراق، من خلال إغراق البلاد بالسلع الإيرانية، ومنع ظهور أي صناعة أو زراعة تنافسية، وتهريب العملة الصعبة، وبيع النفط عبر موانئ ومرافق العراق، وتهديد وطرد المستثمرين الأجانب.

لكن هذه الأعمال كانت مدمرة للاقتصاد العراقي بدوره، وتركت البلاد عرضة للخطر عندما انخفضت أسعار النفط في وقت سابق من هذا العام. في غضون ذلك، انخفض حجم التبادل التجاري مع إيران بنسبة 40% خلال الأشهر الستة الماضية، وفقًا لمصادر حكومية.

ويذكر كاتب المقال أن سياسي شيعي بارز مقرب من إيران وعلى دراية بالمحادثات الأخيرة بين ظريف والكاظمي والقادة الشيعة قال لـ«ميدل إيست آي»: «يجب على إيران أن تقرر العراق الذي تريده. هل تريد عراقًا مستقرًا يتعافى اقتصاديًا وقويًا ماليًا، أم تريد عراقًا يحكمه أمراء الحرب ويتحول قريبًا إلى عبء على إيران نفسها؟». وأضاف: «هذا هو جوهر الصراع الحالي في إيران بين المؤسسات التي يديرها المرشد الأعلى علي خامنئي والمؤسسات الرسمية التي يمثلها المجلس الأعلى للأمن القومي. في النهاية سيكون القرار للمرشد الأعلى؛ لأن قراره يحكم الطرفين، وتشير جميع الدلائل إلى أن التغيير الإستراتيجي يلوح في الأفق».

محادثات صريحة

زيارة ظريف، التي بدت غريبة في توقيتها، تهدف ظاهريًا إلى «تهنئة» الكاظمي على توليه منصبه و«إظهار تنسيق رفيع المستوى» بين الحكومتين العراقية والإيرانية وتضمنت الجلسة الأولى مناقشة تفاصيل زيارة الكاظمي المرتقبة لطهران، وتم التأكيد له على أنه سيحظى بكرم الضيافة بصفته «رئيس وزراء دولة صديقة».

وقال ظريف: إن الاستقبال سيكون تعبيرًا عن الدعم الكامل له ولحكومته، ولإثبات ذلك سيستقبله المرشد الأعلى «الذي لم يلتق مسؤولًا لمدة ستة أشهر باستثناء شخص واحد في مقر إقامته»، بحسب مصدر مطلع. وأوضح المصدر أن ما حدث في الجلسة المغلقة ليس واضحًا، لكنه «يدور حول ما تريده إيران من العراق، وما يريده العراق من إيران».

Embed from Getty Images

يريد الإيرانيون ضمانات من الكاظمي بأن حكومته لن تقطع علاقاتها بالكامل مع إيران، أو تلاحق حلفاءها، أو تغلق حدود العراق أمام البضائع الإيرانية. قال السياسي الشيعي لـ«ميدل إيست آي» إنهم يريدون أيضًا ضمان استمرار تدفق العملة الصعبة إليها عبر العراق، ورفع مستوى التبادل التجاري لضمان بقاء إيران شريكًا رئيسًا في السوق العراقية.

من جهته، قال المستشار داود: «كان الكاظمي صريحًا في محادثاته مع الإيرانيين. وأكد أنه يتفهم مصالح إيران واهتماماتها، ولكن يجب أيضًا أن يفهم الإيرانيون أن مصالح العراق تتطلب تنوع علاقاتها في المنطقة والعالم. يمكنهم أن يطمئنوا إلى أن الأراضي العراقية لن تكون نقطة الانطلاق لأي اعتداء على إيران، وأن العراق لن يكون جزءًا من أي تحالف ضد إيران. لكن العراق يحتاج أيضًا إلى الأمن للحفاظ على الأسواق وجذب المستثمرين الأجانب، وأن باقي حلفائه محمية».

ونوه داود إلى أن الإيرانيين لديهم القدرة على تهدئة التوترات الحالية بشكل كبير بين حكومة الكاظمي والفصائل المسلحة المدعومة من إيران. وقال: «يمكن للجانبين عمل الكثير لبعضهما البعض. إذا أراد الإيرانيون الحصول على ما يطالبون به، فعليهم أن يوقفوا السلوك الطفولي لبعض حلفائهم في العراق».

روايات مختلفة

وبحسب كاتب المقال فقد شهدت الأحداث في طهران بعد 48 ساعة من لقاء ظريف تبادل العديد من الرسائل الخفية بين الطرفين. لم يرافق أي من المسؤولين العراقيين المعروفين بقربهم من إيران الكاظمي خلال زيارته، كما هو معتاد في زيارات مماثلة لرؤساء الوزراء، باستثناء قاسم الأعرجي، مستشار الأمن القومي وزعيم منظمة بدر، الأكبر والأقدم، وهو فصيل مسلح شيعي مدعوم من إيران. يشتهر الأعرجي بعلاقاته المعتدلة والمتوازنة مع الولايات المتحدة ودول الخليج.

كما حمل الكاظمي هدايا التشريف معه إلى خامنئي، بما في ذلك خاتم مزين بفص كبير من العقيق الأحمر، ونسخة نادرة وثمينة من القرآن الكريم وعباية مطرزة من النجف. كانت العباءة، بحسب داود، بمثابة إظهار للاستقلال؛ مما يشير إلى أن أولئك الذين يرتدون عباية النجف يخضعون للإشراف الديني للسيد علي السيستاني، آية الله العظمى في العراق، بدلًا عن خامنئي.

وبينما كان الإيرانيون حريصين على إظهار ترحيب حار «مبالغ فيه» برئيس الوزراء والوفد المرافق له لإعطاء الانطباع «بأن السعوديين رفضوا استقبال الكاظمي، لذلك احتضنه الإيرانيون لأنهم ملجأهم الوحيد»، رد هو بإلقاء الضوء على المساعدة الاقتصادية العراقية، بحسب أحد المراقبين. كما حرص الإيرانيون على عدم تسريب أي تسجيل صوتي أو فيديو للاجتماع بين خامنئي والكاظمي. ولكن بعد ثلاث ساعات، نشروا سلسلة من التغريدات من حساب خامنئي باللغتين العربية والإنجليزية لما يبدو جانبًا من محادثة الرجلين.

Embed from Getty Images

حثت تغريدات خامنئي في الغالب العراقيين على عدم الانتقام من الجنرال الإيراني قاسم سليماني، الذي قتل في غارة أمريكية بطائرة بدون طيار أثناء وجوده في بغداد.

كما حملتهم مسؤولية إخراج الأمريكيين من العراق والتأكد من أن الولايات المتحدة محتجزة كعدو. صورت التغريدات خامنئي على أنه وصي على العراق والعراقيين، وبدا أن الكاظمي يستمع دون رد.

وقال مسؤول عراقي رفيع مقرب من الكاظمي لـ«ميدل إيست آي»: «أراد الإيرانيون أن يقولوا: إن المرشد الأعلى هو صاحب السلطة العليا وموقعه مقدس، ولا أحد يناقش ما يقوله، وهو ما يعني أن هناك كلمة واحدة وصوتًا واحدًا، صوته وخطابه. مهما كانت الرسالة التي يريدون توصيلها، فهي موجهة لجمهورهم. بالنسبة لنا، قيل الموقف الرسمي للعراق أمام الكاميرات». وأضاف المسؤول إن الحكومة العراقية ترى أن زيارة طهران إيجابية؛ لأنها أكدت أن بغداد لديها الآن رئيس وزراء مستقل بدعم دولي.

ووفقًا للكاتب، فقد واصل المسؤول حديثه وقال: «بالنسبة لهم، الاقتصاد هو الأولوية، والأمن هو الأولوية بالنسبة لنا. ضمان حصولهم على ما يريدون يعني بالضرورة تقديم نوع من التنازلات القاسية لإعادة العلاقة بين البلدين إلى حالة التوازن. إذا حصلنا على ذلك، فهذه هي النهاية السعيدة».

عربي

منذ 4 شهور
«المونيتور»: هذه جهود العراق لاستعادة سيادته وإعادة بناء الدولة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد