أدانت بغداد الضربات الجوية الأمريكية ضد الميليشيات المدعومة من إيران التي تعرقل العمليات الأمريكية في العراق؛ وذلك خشية حدوث أي تصعيد.

أعدَّت جين عراف، مراسلة صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، تقريرًا عن القتال بين إيران والولايات المتحدة على الأراضي العراقية بعد أن هاجمت القوات الأمريكية عدة مواقع تابعة لميلشيات تدعمها إيران يوم الإثنين الماضي. وترى الكاتبة أن حكومة العراق تقف عاجزة في هذا الصراع، فلا هي قادرة على السيطرة على الميليشيات التي يفترض أنها تابعة لها نظريًّا وتتقاضى هذه الميليشيات رواتبها من خزانة الدولة، ولا هي قادرة على منع واشنطن من الرد الانتقامي.

وتستهل الكاتبة تقريرها بتوضيح أن الضربات الجوية الأمريكية ضد اثنين من الميليشيات المدعومة من إيران يوم الإثنين كانت مجرد مناوشة أخيرة في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران الذي تدور رَحَاه على الأراضي العراقية.

سياسة

منذ 5 شهور
«المونيتور»: كيف ستبدو العلاقات بين العراق وإيران بعد انتخاب رئيسي؟

واعتمدت إيران على الميليشيات في مهاجمة الأصول الأمريكية في العراق، لتضع ضغوطًا على الولايات المتحدة، بينما ينخرط البَلَدان في محادثاتٍ غير مباشرة بشأن اتفاقِهما النووي في العاصمة النمساوية فيينا. وكانت الضربات الجوية يوم الإثنين هي المرة الثانية التي ترد فيها إدارة بايدن عسكريًّا على الاستفزازات الإيرانية.

لكن الصراع بين حليفيه القويين يضع العراق بين المطرقة والسندان. وبسبب عدم قدرته على كبح جماح القوات المدعومة من إيران أو منع الولايات المتحدة من الرد الانتقامي، يواجه العراق الآن أكبر تهديد لاستقراره منذ أن كان تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يسير باتجاه بغداد في عام 2014. كما احتجَّ العراق يوم الإثنين بشدة على الهجوم الأمريكي الذي وقع على أراضيه.

العراق يصف الهجوم بأنه انتهاك صارخ لسيادته

ووصفت الحكومة العراقية الضربات الأمريكية بأنها «انتهاك صارخ وغير مقبول لسيادة العراق وأمنه الوطني». ودعا اللواء يحيى رسول، المتحدث العسكري باسم رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إلى وقف التصعيد وقال إن العراق لا يريد أن يتحول إلى «ساحة لتصفية الحسابات».

وتشير الكاتبة الى أن الضربات استهدفت منشآت تستخدمها مليشيات تتهمها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) بالتورط في هجمات بطائرات مسيَّرة على قواعد أمريكية في العراق. وقال البنتاجون يوم الإثنين، إن الضربات الجوية أثناء الليل كانت تهدف إلى إرسال رسالة مع تجنب التصعيد.

Embed from Getty Images

لكن سعيد خطيب زاده، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قال إن الولايات المتحدة تزعزع أمن المنطقة. كما أعادت الضربات إحياء التساؤلات بشأن مستقبل حوالي 2500 جندي أمريكي لا يزالون في العراق، حيث يعملون شركاءً أمنيين رئيسين في البلاد. ولم تتمكن الحكومة في بغداد من وقف الهجمات على حلفائها الأمريكيين من قِبل الميليشيات المدعومة من إيران، على الرغم من أن هذه الميليشيات تتلقى رواتبها من الحكومة العراقية، بينما تحاول الدولة دمجهم في قواتها الأمنية النظامية.

وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الضربات أصابت جانبي الحدود العراقية السورية. وكان اثنان من الأهداف عبر الحدود في سوريا والثالث داخل العراق. ودعا الكاظمي، رئيس الوزراء العراقي، إلى اجتماع طارئ للمستشارين الأمنيين لمناقشة الضربات الجوية. ووصفها مجلس الوزراء العراقي بأنها «انتهاك صارخ» للقانون الدولي، وقال إن العراق في خضم مراحل متقدمة من الحوار مع الولايات المتحدة بشأن ما وصفه بالتفاصيل اللوجستية لسحب القوات القتالية الأمريكية من البلاد.

وتشير الكاتبة إلى أن الولايات المتحدة والعراق يتفاوضان على اتفاقية إطارية جديدة تحكم الأمن وصور التعاون الأخرى. واستهدفت تصريحات مماثلة من جانب الحكومة العراقية بشأن اتفاق لسحب القوات القتالية الأمريكية تلبية مطالب الأحزاب السياسية المدعومة من إيران والميليشيات التي تطالب بإزالتها.

ولا تزال القوات الأمريكية موجودة في العراق بدعوة من الحكومة العراقية، التي لا تزال تعتمد على القوة الجوية الأمريكية والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة للمساعدة في قتال فلول تنظيم الدولة الإسلامية.

الميليشيات تستخدم الطائرات المسيرة

يلفت التقرير إلى أن الضربات الأمريكية كانت أحدث تصعيد للتوترات بسبب الكشف مؤخرًا عن استخدام الميليشيات المدعومة من إيران في العراق على نحو متزايد لطائرات من دون طيار صغيرة مُحمَّلة بالمتفجرات في هجمات في وقت متأخر من الليل على قواعد عراقية، من بينها تلك التي تستخدمها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ووحدات العمليات الخاصة الأمريكية، وفقًا لمسؤولين أمريكيين.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
«جيروزاليم بوست»: بمساعدة إيران.. كيف أصبحت «الدرونز» أكبر تهديد تواجهه إسرائيل؟

وقال فرهاد علاء الدين، رئيس مجلس الشورى العراقي، في إشارة إلى الهجمات الأخيرة التي شنَّتها الجماعات المدعومة من إيران، إن: «هناك مؤشرات واضحة على التصعيد. والسؤال المطروح على الولايات المتحدة حقًّا هو: ما الذي يتطلبه الأمر لنقول إننا اكتفينا، ويجب أن نعود إلى الوطن؟».

والمليشيات التي استهدفتها الضربات، كتائب « سيد الشهداء» وكتائب «حزب الله»، هي جزء من جماعة الحشد الشعبي التي تشكَّلت لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق عام 2014. وحشدت القوات إثر فتوى من رجل الدين الشيعي الأكثر احترامًا في العراق، آية الله العظمى علي السيستاني، عندما كان «داعش» يقترب من بغداد في عام 2014.

ومعظم الجماعات ولكن ليس كلها، من المسلمين الشيعة، ويشكلون أغلبية في العراق، والأقوى منها مدعومة من إيران الشيعية. وفي عام 2016، جرى دمجهم في القوة الأمنية للحكومة العراقية. ومع ذلك، لا تخضع أقوى الميليشيات الموجودة التي تتقاضى رواتبها من الحكومة العراقية إلا لسيطرة نظرية فحسب من جانب بغداد. وتتكون قوات الحشد الشعبي من أكثر من 50 جماعة شبه عسكرية مختلفة، تضم ما يقدر بنحو 160 ألف مقاتل.

إيران تقلل من إنفاقها على الميليشيات

وأفاد التقرير بأن إيران قلَّلت خلال العامين الماضيين من دعمها المالي للجماعات شبه العسكرية التي تعمل بالوكالة في العراق وسوريا ولبنان بسبب تأثير العقوبات الأمريكية، وانخفاض أسعار النفط، والجائحة. ولذلك، اعتمدت عشرات الميليشيات التي تعمل تحت مظلة قوات الحشد الشعبي أكثر على تمويل الحكومة العراقية وخطط جني الأموال التي تشمل تهريب النفط والابتزاز على الحدود والموانئ العراقية، وفقًا لمحللين أمنيين ومسؤولين حكوميين.

 Embed from Getty Images

وقال مسؤولون أمريكيون إنهم لم يعتمدوا على الاستخبارات العراقية لتحديد الأهداف التي قُصفت خلال الليل ومراقبتها، ولم يتشاوروا مع الحكومة العراقية مسبقًا. ولم يكن معروفًا هل أبلغت الولايات المتحدة روسيا مسبقًا بالغارات الجوية على الجانب السوري من الحدود، لكن كلا البلدين يعمل في المجال الجوي نفسه في سوريا.

وقالت جماعة كتائب سيد الشهداء إن أربعة من مقاتليها المتمركزين على طول الحدود قتلوا من جرَّاء الضربات. وقالت الجماعة في بيان: «من الآن فصاعدًا سنبدأ حربًا مفتوحة ضد الاحتلال الأمريكي، وتبدأ هذه الحرب باستهداف طائرات العدو في سماء العراق الحبيب».

سرايا أولياء الدم

وقالت جماعة أخرى غير معروفة مدعومة من إيران تحمل اسم «سرايا أولياء الدم»، إن الهدف الأول سيكون طائرات أمريكية في أربيل العاصمة الكردية بالعراق. ونَفَت قوات الحشد الشعبي مزاعم البنتاجون باستهداف مخازن أسلحة وقالت إن الغارات الجوية استهدفت مقاتليها. وتعهدت تنسيقية المقاومة العراقية، وهي منظمة واجهة للجماعات المسلحة المدعومة من إيران في العراق، بالانتقام، وقالت إنها ستواصل استهداف القوات الأمريكية.

دولي

منذ 5 شهور
مترجم: رئيسي على كرسي السلطة.. فرصة نجاح أم عقبة أمام الاتفاق النووي الإيراني؟

وقالت الجماعة في بيان لها: «سنثأر لدماء شهدائنا الصالحين من مرتكبي هذه الجريمة النكراء، وبعون الله سنجعل العدو يتجرع مرارة الانتقام». وفي وقت لاحق يوم الإثنين، أطلقت فصائل يشتبه في أنها مدعومة من إيران صواريخ على القوات الأمريكية في سوريا، بحسب المتحدث باسم الجيش الأمريكي، الكولونيل واين ماروتو. وقالت وسائل إعلام كردية سورية إن الأهداف تابعة للقوات الأمريكية التي تتمركز بالقرب من حقل نفط.

وكانت الضربات الجوية الأمريكية ليلة الأحد هي الثانية في المنطقة نفسها، التي أذن بها بايدن منذ وصوله إلى السلطة والأولى منذ الانتخابات في إيران هذا الشهر، التي وصول فيها المتشدد، إبراهيم رئيسي، إلى سدة الرئاسة في إيران.

وعلى الرغم مما جرت عليه العادة من دفن الجثث في اليوم نفسه وفقًا للشعائر الدينية الإسلامية، قالت قوات الحشد الشعبي إنها ستقيم احتفالًا عامًا في بغداد صباح الثلاثاء لنقل رفات القتلى في الغارة الجوية والتعبير عن إدانتها للهجوم.

إيران لم تنتقم بعد لمقتل سليماني

وأشار التقرير إلى أن المنطقة التي يقودها الأكراد والتي اتَّسمت عادةً بالهدوء تتعرض لهجوم متزايد من جانب مقاتلين يشتبه في أنهم ينتمون إلى الميليشيات المدعومة من إيران. ووقع آخر حادث يوم السبت عندما سقطت طائرة مسيَّرة محملة بالمتفجرات في قرية بالقرب من أربيل؛ مما تسبب في أضرار لكن لم تقع إصابات.

Embed from Getty Images

ونشرت مديرية مكافحة الإرهاب في الإقليم الكردي يوم السبت، صورًا لما وصفتها بأنها أجزاء من طائرة مسيَّرة كانت شاركت في هجوم وتحمل كتابات تشير إلى أبي مهدي المهندس، زعيم الميليشيات العراقية الذي قُتل في بغداد في غارة أمريكية بطائرة مسيَّرة العام الماضي إلى جانب الجنرال الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس في إيران.

واختتمت المراسلة تقريرها بالإشارة إلى ما قالته إيران إنها لم تنتقم بعد لمقتل الجنرال سليماني، الذي ساعد في توجيه الحروب في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأصبح أيقونة الجهود الإيرانية لبناء كتلة إقليمية من القوة الشيعية خارج حدود إيران.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد