نشر موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي مقالًا للكاتب الصحفي ستيفن كوك، الخبير في سياسة الولايات المتحدة والشرق الأوسط، نقلًا عن مجلة «فورين بوليسي»، تناول فيه مساعي العراق لأن يصبح وسيطًا قويًّا جديدًا في الشرق الأوسط، موضحًا الدور الذي يقوم به رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، للوساطة في حل عديد من المشكلات في المنطقة، بما يعود بالنفع على العراق في حل مشكلاته نفسها.

في مطلع مقاله، أشار الكاتب إلى ما نشره موقع «أحوال تركية» الإخباري الأسبوع الماضي، حول الدعوة التي أرسلتها الحكومة العراقية إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لحضور قمة أمنية إقليمية تضم إيران وسوريا والسعودية والأردن والكويت والاتحاد الأوروبي. وأفادت مصادر إخبارية أخرى بأن قائمة المدعوِّين لحضور هذه القمة تضم أيضًا الإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر. ولفت المقال إلى أن هذا الاجتماع، المنعقد في أواخر أغسطس (آب)، يعد أحدث الجهود التي تبذلها القيادة العراقية منذ عام 2019 لتكون قوة بنَّاءة في الشرق الأوسط.

فرق كبير بين الماضي القريب والحاضر

يشير الكاتب إلى أن هذا التحرك يُثبت أن هناك تغييرًا كبيرًا. ففي أعقاب الغزو الأمريكي، وقبل أن يصبح عدم الاستقرار الداخلي والعنف والفساد هو السردية السائدة عن العراق، ركَّزت وسائل الإعلام والمحللون والمسؤولون الحكوميون في الولايات المتحدة على البلاد بوصفها مصدرًا لعدم الاستقرار الإقليمي؛ وكان ذلك لسبب وجيه، حسبما يرى الكاتب. 

دولي

منذ شهرين
«نيويورك تايمز»: ماذا سيتغير بعد الانسحاب الأمريكي من العراق؟

كان للعراقيين دور في محاولة الإطاحة بالملك حسين في الأردن في سبتمبر (أيلول) 1970. وبعد مرور عقْد من الزمان، شنَّ الرئيس العراقي، صدام حسين، عمليات عسكرية تطوَّرت فيما بعد إلى الحرب الإيرانية العراقية التي دامت ثماني سنوات، وقُتِل فيها ما يتراوح بين مليون إلى مليوني شخص. ثم غزا صدام الكويت في أغسطس 1990، وأعلن أنها المحافظة العراقية التاسعة عشرة.

مؤهلات الكاظمي

يضيف الكاتب: والآن، أضحى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي أشاد به الجميع تقريبًا لعَزْمه الأكيد على تغيير المستقبل السياسي والاقتصادي للعراق، يعتقد أنه لإيجاد فرصة لحل المشكلات الداخلية، يجب أن يؤدي العراق دورًا يساعد من خلاله في تسوية المشكلات التي تواجهها البلدان المجاورة. وقد يكون لديه معلومات بشأن شيء ما أو يهدف إلى تحقيق هدف ما. 

يتابع المقال: يُسْهم عدم الاستقرار في البلدان المجاورة للعراق في إحداث مشكلات متعددة للبلاد – لكن هل لدى بغداد من النفوذ والموارد والحَظْوة ما يُمكِّنها من تشكيل منطقة أكثر استقرارًا؟ 

Embed from Getty Images

ليجيب: يتمتع الزعيم العراقي ببعض المؤهلات التي تمكِّنه من العمل لتحقيق هدفٍ مثل هذا، ويتمثل معظم هذه المؤهلات في هيبته الشخصية والعلاقات التي اكتسبها عندما كان رئيسًا لجهاز المخابرات العراقي في الفترة ما بين عام 2016 وحتى عام 2020، لكن لا يزال من غير الواضح ما الأسباب التي تجعل السعوديين أو الإماراتيين أو المصريين في حاجة إلى مساعدة من العراق.

نهج جديد

يرى الكاتب أن أول دليل على النهج البنَّاء الجديد الذي تتبناه الحكومة العراقية تجاه المنطقة، ظهر في الواقع قبل وصول الكاظمي إلى كرسي رئاسة الوزراء. ففي ربيع عام 2019، أعلنت مصر والأردن والعراق عزمها على إنشاء آلية للتعاون الاقتصادي والجيوسياسي.

في ذلك الوقت، لاحظ قليلون، ومن أسعفتهم الملاحظة جنحوا إلى رفض تلك الجهود على اعتبار أن هذا المشروع في غير محله تمامًا. لقد عانى العراق من مشكلات سياسية وأمنية لا تعد ولا تحصى منذ الغزو الأمريكي للعراق، وكانت علاقاته بالقوى الإقليمية الأخرى غير وثيقة وشائكة. أما مصر فانشغلت بشؤونها الداخلية، ولم تظهر قدرة كبيرة على تشكيل الأحداث في المنطقة، خارج حدود قطاع غزة. وتراجعت أسهم الأردن في السنوات الأخيرة؛ حين فضلت إدارة ترامب في أمريكا وحكومة نتنياهو في إسرائيل التعامل مع السعوديين والإماراتيين.

Embed from Getty Images

وبعد مرور عامين وعقْد أربعة اجتماعات على مستوى القيادة، اتفق العراقيون والمصريون والأردنيون على مد خط أنابيب من البصرة إلى العقبة، مع وضْع خطط لمدِّه إلى مصر، وربط شبكات الكهرباء الخاصة بمصر والأردن بشبكات الكهرباء في العراق؛ لتقليل اعتماد العراق على إيران، وإتاحة الفرصة للشركات المصرية والأردنية للمشاركة في إعادة إعمار العراق. وكما هو الحال في كثير من الأحيان، فإن ما يُرسَم على الورق قد لا يتحول إلى واقع ملموس، ولكن حتى وإن تحولت هذه الخطط إلى واقع ملموس جزئيًّا فقط، فمن المحتمل أن تعود بالفائدة على العراقيين.

الكاظمي يعمل في هدوء

ألمح الكاتب إلى أن هناك أيضًا فوائد سياسية وجيواستراتيجية واضحة للكاظمي والعراق ناتجة من تلك العلاقة الثلاثية. ففي الاجتماع الأخير الذي ضم القادة المصريين والعراقيين والأردنيين في أواخر يونيو (حزيران)، أكَّد رئيس الوزراء العراقي أن الدول العربية تسعى إلى تطوير «رؤية مشتركة من خلال التعاون والتنسيق» لحل النزاعات في سوريا وفلسطين وليبيا واليمن. ويبدو هذا للوهلة الأولى وكأنه نوع من التعليقات عديمة الجدوى التي يلقيها القادة للاستهلاك وملء الفراغ، وإضافة نوع من الجاذبية إلى مؤتمراتهم، لكن هذا الكلام في هذا السياق، يعني في الواقع شيئًا ما.

يرمي الكاظمي إلى أنه عندما انتقلت السلطة إلى دول الخليج العربي منذ حوالي عقد من الزمان، تدهورت البيئة الأمنية الإقليمية. والعراق ومصر والأردن على استعداد الآن لتصحيح الأوضاع ولم الشمل وتعزيز الاستقرار. إن هذا البيان بلا شك يهدف إلى تحقيق منافع ذاتية، وليس كله صحيحًا؛ فالمصريون، على سبيل المثال، متواطئون في حصار غزة – على حد وصف الكاتب- ودعموا حرب خليفة حفتر في ليبيا، ودعموا النظام السوري في هدوء. ومصر بهذه الحالة ليست القوة التي يمكنها تحقيق الاستقرار، ولكن في حالة العراق، عمل الكاظمي في هدوء لإنهاء الخصومات الإقليمية التي أدَّت إلى تفاقم مشكلات العراق والشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

خلال الربيع الماضي، أصابت الدهشة مراقبي الشرق الأوسط بعد ظهور تقارير تفيد بأن بغداد كانت تتوسط بين السعودية وإيران. ويُنسَب إلى العراقيين أيضًا الفضل في دفع المصالحة بين تركيا ومصر قدمًا، وهناك شائعات تفيد بأنهم يفعلون الشيء نفسه بين أنقرة وأبوظبي. ومن المؤكد أن التخفيف من حدة هذه الخصومات الإقليمية سيفيد اليمنيين والفلسطينيين والليبيين والسوريين والعراقيين كذلك. لكن هناك أيضًا بُعْدًا إيرانيًّا لهذا التواصل. ويتحلى الكاظمي بفطنة كافية كي يدرك أنه لا يستطيع إخراج الإيرانيين من العراق، ولذا فهو بحاجة إلى أن يكون أكثر حذرًا.

فرص نجاح الكاظمي

شدد الكاتب على أن إقامة علاقات قوية مع قوى إقليمية مهمة مثل مصر والأردن وتركيا والسعودية والإمارات توفر له مزيدًا من العمق والقوة لإنقاذ العراق من سيطرة إيران دون إثارة غضبها. والعراقيون واقعيون بطبيعة الحال، وستكون إيران دائمًا مؤثرة ولها مصالح في العراق، ولكن من خلال الاضطلاع بدور أكبر لنفسها بين الدول العربية، ستكون هناك فرصة أفضل أمام الكاظمي كي يؤسس مع إيران شيئًا أشبه بالعلاقات الندية بين دولتين، بدلًا من تلك العلاقة التي تبدو أشبه بقهر دولة لأخرى.

وتساءل الكاتب قائلًا: ما هي فرص نجاح الكاظمي؟ بادئ ذي بدء، يكفي القائد العراقي شرف المحاولة. ومشكلات العراق الداخلية صعبة بما يكفي بحيث لا يمكن حلها دون وجود ضغط متزايد من المشكلات الإقليمية. في أواخر عام 2019، على سبيل المثال، تسببت الضربات الجوية التركية في شمال شرق سوريا في تدفق عشرات الآلاف من الأكراد السوريين إلى العراق؛ مما زاد من الأعباء الملقاة على كاهل البلاد. 

وربما تأتي الرياح بما تشتهي سفن رئيس الوزراء العراقي؛ إذ يبدو أن هناك بعض الاهتمام الحقيقي في تهدئة التوترات الإقليمية، ولكن تكمن المشكلة هنا في إعلان أن «العراق قد عاد» وأن بغداد ستكون محور السياسة الأمريكية في المنطقة: إلى أي مدى يمكن لأي شخص أن يقول إن رغبة القادة الإيرانيين أو السعوديين أو الأتراك أو الإماراتيين أو المصريين في التهدئة وعدم التصعيد سببها جهود الكاظمي؟ ربما قرروا أن الوقت قد حان الآن لاتباع سياسات أقل تضاربًا من أجل تحقيق مصالحهم السياسية والوطنية.

هل حانت اللحظة المواتية؟

وألمح الكاتب إلى أنه على مدى السنوات القليلة الماضية، أدَّت سياسة أردوغان الخارجية المتعجرفة – على حد وصفه- إلى عزل تركيا في الشرق الأوسط، وحدوث جفاء مع حلفاء أنقرة في أوروبا والولايات المتحدة. وتسببت الأخبار الاقتصادية السيئة، وعدم الكفاءة في التعامل مع كوارث مثل جائحة كوفيد-19، وحرائق الغابات، في إلحاق الضرر بصورة الرئيس التركي على الصعيد السياسي. ونتيجةً لذلك، تبدو اللحظة مواتية أمام تركيا للسعي إلى تحسين العلاقات مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.

Embed from Getty Images

يكمل المقال: ضع في اعتبارك الإماراتيين أيضًا. لقد أشاروا إلى أنهم لم يعودوا يعملون على محاولة تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة، وسحبت الإمارات قواتها من ليبيا ومن اليمن لصالح التركيز على التنمية الاقتصادية. ويبدو القادة الإماراتيون بدورهم أكثر انفتاحًا على تسوية مؤقتة مع كل من إيران وتركيا. وإذا ألقينا الضوء على المحادثات السعودية الإيرانية، فإن لقاء السعوديين بالإيرانيين في بغداد لا يكلفهم شيئًا، بل ربما يعزز النفوذ العراقي، وهي ميزة إضافية للقادة في الرياض.

هل يحل الأمل محل اليأس؟

استدرك الكاتب قائلًا: ومع ذلك، على الرغم من جهود الوساطة التي يبذلها رئيس الوزراء الكاظمي، لا يزال المصريون والأتراك لم يطبعوا علاقاتهم، على الرغم من توقعات سابقة بأنهم سيفعلون ذلك في مايو (أيار) أو يونيو (حزيران). ولا يزال الود مفقودًا بين القادة الأتراك ونظرائهم الإماراتيين. ويظل السعوديون والإيرانيون خصومًا حذرين، ولم تصل فكرة إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى هذا الحد المتقدم للغاية، إلا بعدما تسربت كلمة الوساطة العراقية إلى الصحافة.

واختتم الكاتب مقاله قائلًا: على الرغم من ذلك، من الأفضل للجميع أن تسعى الحكومة العراقية للقيام بدور مفيد. وفي حين أن أغسطس ليس الشهر الذي يعمل فيه العراقيون بكامل طاقتهم، (لأنه الشهر الأكثر سخونة في السنة هناك)، فإن الاجتماع السري المخطط له يمكن أن يكون خطوة مهمة في أن يحل الأمل المفقود محل اليأس الذي ساد طوال السنوات الأخيرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد