قالت لويزا لافلاك في تقرير على موقع «الإندبندنت» إنه عندما صدرت الدعوات لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، امتدت صفوف المتطوعين في الناصرية بالعراق إلى كيلومترات. جمع الأصدقاء الأموال لدفع تكاليف الرحلة إلى مكاتب تجنيد الميليشيات. وتدافع الشبان على الحافلات المتجهة إلى الخطوط الأمامية.

تقول كاتبة التقرير إنه بعد انهيار الجيش العراقي، وقع على عاتق الميليشيات الشيعية العودة وهزيمة المتطرفين السنة في داعش. وبالنسبة للكثيرين في المدينة، شعروا أنها معركة من أجل روح العراق. يقول رجل الميليشيا السابق ثامر الصافي، مستذكرًا معارك عام 2014 التي قُتل فيها اثنان من إخوته: «في ذلك الوقت، تمحور الأمر على شيء واحد. كان هذا عن مستقبلنا، عن مستقبل العراق».

عربي

منذ 9 شهور
مترجم: هل سينجح الكاظمي في تفكيك الميليشيات الموالية لإيران في العراق؟

كان لهذه التعبئة الجماهيرية عواقب بعيدة المدى – توضح لافلاك – حيث أدرجت الميليشيات المنتصرة في المستويات العليا من السلطة في العراق ووضعت على مسار مواجهة الولايات المتحدة. بدعم من إيران في كثير من الحالات، صعدوا هجماتهم الصاروخية على المواقع العسكرية الأمريكية في السنوات الأخيرة، مهددين بإشعال حرب أمريكية أوسع مع إيران، وحتى الآن بينما تتحدث واشنطن وطهران عن استعادة الاتصالات الدبلوماسية.

لكن بينما يرى بعض المسؤولين أن الميليشيات ليست أكثر من مجرد وكلاء لتوسيع نفوذ إيران الإقليمي، فإن هذه الجماعات غالبًا ما تكون متجذرة بعمق في نسيج المجتمع العراقي، بعد أن خرجت من رحم تاريخها الخاص المضطرب.

يشير التقرير إلى أن بعض هذه المليشيات لها جذور تعود إلى عقود، لقد ولدت حاضنتهم الرسمية، المعروفة باسم قوات الحشد الشعبي، في عام 2014 بدعم واسع النطاق في جميع أنحاء جنوب العراق الشيعي، بعد أن استجاب عشرات الآلاف لنداءات رئيس الوزراء العراقي وآية الله العظمى علي السيستاني، أعلى مرجعية دينية شيعية في العراق، للقتال ضد داعش.

والآن، مع تزايد القلق لدى بعض العراقيين من هذه الميليشيات المدعومة من إيران، تمتد المظالم إلى ما هو أبعد من نفوذ طهران لتشمل مخاوف بشأن ما أصبحت عليه هذه الجماعات والوعود التي قطعوها.

المليشيات تحكم قبضتها على الحياة في العراق

أصبحت الميليشيات اليوم القوة الاقتصادية الأكبر وذراعًا للنظام السياسي. لقد تغلغلت في جميع المؤسسات الحاكمة في البلاد، وعندما اندلعت الاحتجاجات الجماهيرية ضد الحكومة في أكتوبر 2019 – تشير لافلاك – قامت الجماعات المسلحة المدعومة من إيران بقمعها بقوة مميتة. وكثيرًا ما اتهمتها جماعات حقوق الإنسان بارتكاب انتهاكات.

يقول عبد الله، 58 عامًا، متطوع سابق في الميليشيا، وتحدث بشرط حجب اسم عائلته، على غرار آخرين ممن أجريت معهم مقابلات، خوفًا من الانتقام: «لقد شعرت بالندم لأنني سمحت لأخي بالقتال. أنا أدعو الله كل يوم لأعيش طويلًا بما يكفي للاعتناء بأطفاله». وأكد أن قناصًا من تنظيم داعش قتل شقيقه في 2014. جلس ابن شقيق عبد الله مستمعًا في زاوية منزل العائلة، وركبتاه مشدودتان إلى صدره وهو يحدق في الأرض.

في الناصرية ذات الغالبية الشيعية، تصطف وجوه المجندين القتلى مثل شقيق عبد الله في الشوارع على لوحات إعلانية باهتة، مثل أشباح من الماضي تتحدث عن مقدار التضحية التي قدمتها المدينة الفقيرة لهزيمة داعش. تبرز وجوه هؤلاء «الشهداء» في حملات التجنيد الخاصة بالميليشيات.

Embed from Getty Images

وتعويضًا عن مقتلهم – تقول لافلاك – تسلمت عائلات الشهداء أراضي ومدفوعات شهرية من اللجنة الجامعة التي تدير جميع شؤون الحشد الشعبي. لكن بالنسبة لبعض العائلات الأكثر فقرًا، فإن هذه المزايا بدأت تزول الآن، مما يغذي الاستياء تجاه الميليشيات التي اعتمدوا عليها ذات مرة باعتبارها شبكة أمان اجتماعي.

عبر الناصرية اليوم، وكذلك في مدن الجنوب، تُرِكت بعض عائلات القتلى بلا عون، فراحوا يحتفلون علنًا بشجاعة أبنائهم، لكنهم يشعرون بأن الميليشيات التي قاتلوا وماتوا من أجلها قد تخلت عنهم. يقول سِتار، 59 عامًا، وهو يجلس على وسائد حمراء بالية في منزل عائلته: «لقد وعدونا بالأرض. ووعدونا بالتعويض. في المرة الأخيرة التي ذهبت فيها إلى مكاتبهم، ألقيت بكل أوراقنا وأخبرتهم أنني أتمنى لو لم أرسل ابني أبدًا ليستشهد».

علقت على الحائط صورة لابنه مشتاق، الذي كان يبلغ من العمر 18 عامًا عندما أصيب بجروح خطيرة أثناء القتال مع منظمة «بدر» المرتبطة بإيران في عام 2015. في مكالمته الأخيرة لعائلته، قال مشجع كرة القدم الشاب إنه سيخرج في دورية. تم الهجوم على اللواء. لم ينج مشتاق وهو في طريقه إلى المستشفى.

وتقول العائلة إنها تلقت حتى العام الماضي مبلغ 900 ألف دينار عراقي (447 جنيهًا إسترلينيًّا) شهريًا من بدر. لم يتلقوا أي تفسير لسبب توقف الدفع. يقول ستار: «يقولون إنهم سيستأنفون المدفوعات، لكنه لم يحدث».

الميليشيات رأس حربة إيران ضد الأمريكيين في العراق

على الرغم من أن شبكة الميليشيات العراقية تضم مجموعات من معظم الطوائف الدينية في البلاد – تضيف لافلاك – فإن الميليشيات الشيعية هي المهيمنة، والعديد منها مدعوم من إيران.

شكلت الميليشيات البارزة مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق» و«حركة حزب الله» و«النجباء» و«بدر» مصدر قلق كبير للمسؤولين الأمريكيين الذين اتهموا العديد منها في الأشهر الأخيرة بشن هجمات صاروخية على المرافق العسكرية والدبلوماسية المرتبطة بالولايات المتحدة. وقد قتلت هذه الهجمات أمريكيين وأجانب آخرين، وكذلك مواطنين عراقيين، وفي عدة مناسبات شنت الولايات المتحدة ضربات انتقامية، مما أسفر عن مقتل رجال الميليشيات.

كما أدى اغتيال إدارة ترامب للقائد الإيراني البارز قاسم سليماني وزعيم الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بغداد أوائل العام الماضي إلى تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية. ومع إعلان بعض الميليشيات عزمها على طرد الجيش الأمريكي من العراق، لا تزال هناك مخاطر بسقوط المزيد من القتلى وتصعيد العنف بين الولايات المتحدة وإيران.

كانت مجموعات مثل بدر، التي تأسست عام 1982 في إيران، ضلعًا في السياسة العراقية قبل فترة طويلة من الصراع الأخير. وكانوا في وضع جيد لتجنيد المقاتلين في أيام الصيف الحماسية عندما اجتاح مقاتلو داعش المدن العراقية الكبرى مثل الموصل وتكريت في الشمال. كان لدى بدر شبكة واسعة من المكاتب ولدى العديد من المجندين بالفعل روابط مع المجموعة.

Embed from Getty Images

لكن آخرين، مثل مشتاق، انضموا لأنهم كانوا قلقين بشأن الدولة الإسلامية وجرى حثهم على القتال من أجل أضرحتهم المقدسة وبلدهم – وكان مكتب بدر هو الأقرب. يقول ستار: «جمع أصدقاؤه المال وكان مكتب بدر أقرب مكتب له، لذلك وافق على التسجيل هناك. أخبرني أنهم أخذوهم دون تدريب وعلى الفور إلى الخطوط الأمامية».

تستخدم قوات الحشد الشعبي الأموال من الميزانية الفيدرالية العراقية لدفع أموال لعائلات قتلى الحرب – تنوه لافلاك – لكن هناك القليل من المساءلة عن أين تذهب هذه الأموال. فالقرارات حول المجموعات التي يتم تمويلها ومقدار ما يتم صرفه من قبل لجنة من كبار قادة الميليشيات لا تخضع لإشراف الحكومة، وفقًا لورقة بحثية أعدها مركز أبحاث تشاتام هاوس.

تخصص الميزانية الوطنية حوالي 68 مليون دولار (49 مليون جنيه إسترليني) لشراء الأراضي لأسر الشهداء، لكن تم تخصيص 3500 قطعة فقط لأقارب رجال الميليشيات القتلى منذ عام 2014، وفقًا لمؤسسة الشهداء العراقية.

عربي

منذ شهر
هل عاد «داعش» بإستراتيجية جديدة إلى سوريا والعراق؟

تقول بعض العائلات العراقية إنها تعتقد أن تعويضاتها متوقفة لأنها لم تعد مفيدة للميليشيات. ويقول آخرون إنهم لم يتلقوا أي تفسير. يقول مسؤولون من مؤسسة الشهداء، معنيون بتخصيص المدفوعات، إنهم ليسوا على دراية بأي مشاكل، لكنهم يشيرون إلى أن العقبات البيروقراطية قد تكون هي السبب. شددت الناطقة باسم المؤسسة على أنه: «ربما لا يفهم الناس حقوقهم، أو ربما هناك مشاكل في البيروقراطية. مع شهداء الحشد الشعبي ليس لدينا مشكلة لأنه تم اتباع جميع الإجراءات الخاصة بالدفع لهم».

في منزل صغير على أطراف الناصرية مبني على أرض مخصصة لتعويض أسر الشهداء، تعلق صورة مقاتل آخر لقي حتفه. يبتسم وجهه أيضًا من لوحة تعبر عن تقدير تضحيته. وهو يرتدي زيًّا أخضر اللون ويظهر في الصورة بجانب أحد المزارات الشيعية المقدسة في العراق.

يقول والده إنه تشاجر مع علي بشأن قراره إغلاق شركته المزدهرة في مجال الإلكترونيات للانضمام إلى حركة حزب الله النجباء، حيث تم تجنيده محليًا. يتذكر والده: «قلت له إن العراق لا يستحق أن تموت من أجله. كل ما سيطلبه هذا البلد منك واجبات – لن يمنحك حقوقك. لكنه قال: أريد أن أدافع عن بلدي». قُتل علي، في أوائل العشرينات من عمره، في عام 2016 أثناء محاولته إبطال مفعول عبوة ناسفة في مدينة سامراء.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد