على مدى سنوات، كان خميس الخنجر هو الوسيط المفضل لواشنطن كلما احتاجت إلى التواصل مع القبائل السنية في العراق. لكنه الآن أصبح هدفًا للعقوبات الأمريكية، ويقول إنه يُعاقَب بتحريضٍ من المملكة العربية السعودية. 

حين سأل رئيس تحرير موقع «ميدل إيست آي»، ديفيد هيرست، رجل الأعمال العراقي والسياسي السني، خميس الخنجر، عن سبب إدراج الحكومة الأمريكية اسمه في قائمة العقوبات، إلى جانب ثلاثة من زعماء المليشيات الشيعية المدعومة من إيران؛ جلس على كرسيه وألقى رأسه للخلف ضاحكًا. 

كانا يجلسان داخل شقة الخنجر في إسطنبول، حين أخبره بأن إعلان وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر (كانون الأول) 2019 كانت خطوة «سياسية، مائة بالمائة». وأضاف: «في الواقع، كان السعوديون يهددونني مباشرة. قالوا لعادل (عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي آنذاك) إنهم سيدرجون اسمي على قائمة العقوبات».

وأضاف الخنجر أن عبد المهدي قال لهم: إن هذا سيكون «خطأ فادحًا». «لكن السعوديين لا يفهمون. بالنسبة لهم، كل شيء يتعلق بالمال. بينما الأمر هنا لم يكن يتعلق بالمال. بل عندما فشل المرشحون الذين اشتروهم في الفوز بمقاعد البرلمان، اعتقدوا أنني دفعت للناس أكثر مما دفعوا. إنهم لا يستوعبون مدى غباء نهجهم».

عربي

منذ 5 شهور
«فورين بوليسي»: هل بدأت «كتائب حزب الله» تفقد نفوذها داخل العراق؟

يشير الخنجر إلى الانتخابات البرلمانية العراقية التي أجريت عام 2018، وسعى فيها إلى بناء كتلة سياسية تمثل مصالح العراقيين السنة، الذين تعرضوا للتهميش طيلة سنوات بتدبير الزعماء السياسيين الشيعة المهيمنين على العراق، وتابعيهم من المليشيات الشيعية التي أذاقت أهل السنة كأس الموت والإيذاء، بحسب التقرير. 

ووفقًا للخنجر، فإن السعودية كانت تحاول أيضًا التأثير في الانتخابات؛ بهدف إبقاء حيدر العبادي، رئيس الوزراء الذي تفضله الولايات المتحدة، في السلطة. وعندما فشلت الخطة؛ انتقم السعوديون.

يشير هيرست إلى أن وزارة الخزانة الأمريكية اتهمت الخنجر بالرشوة والفساد من بين جرائم أخرى غير مثبتة، زاعمة أنه «خَطَّط لدفع ملايين الدولارات لشخصيات سياسية عراقية من أجل الحصول على دعمهم»، ونسبت هذه المزاعم إلى «مسؤول كبير سابق في الحكومة العراقية» لم تفصح عن اسمه.

كما وصفته الوزارة بأنه «رجل أعمال ومليونير يتمتع بقوة كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي». وفي هذا الصدد، على الأقل، يمكن للمسؤولين في واشنطن أن يشهدوا من واقع التجربة؛ إذ إن الخنجر ليس غريبًا على السفارة الأمريكية في بغداد، كما يقول هيرست.

والصور الموجودة على هاتف الخنجر، من طراز آي فون، تحكي تاريخًا دبلوماسيًّا على مدى 17 عامًا، منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وسقوط صدام حسين في عام 2003. ومنذ ذلك الحين كان الخنجر على دراية بكل ما يجري تقريبًا من نقاشات حول العراق داخل الغرف الخلفية، بل إنه شارك فيها بنفسه. 

وهو على معرفةٍ شخصية باللاعبين الإقليميين الرئيسيين، يعرفهم ويعرفونه: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، والجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني، بالإضافة إلى الدبلوماسيين الغربيين بمن فيهم المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، بريت ماكجورك، والسفير البريطاني السابق في بغداد، جون جينكينز. كان يلتقي بهم جميعًا، بانتظام.

يشير هيرست إلى أن الدبلوماسيين كانوا يُيَمِّمون وجوههم صوب بابه، وكان ذلك لسبب وجيه. فمَن كان منهم يحتاج إلى معرفة ما الذي يفكر فيه زعماء القبائل السنية، أو الزعماء السنة، يجد بُغيته عند الخنجر. وكان الأمريكيون يلجأون إلى زعماء السنة من أمثال الخنجر عندما يسعون إلى تجنيد وتمويل جيش من المليشيات السنية، المعروفة باسم «الصحوة»، لخوض الحرب ضد تنظيم القاعدة، عندما كان التمرُّد المسلح ضد قوات الاحتلال الأمريكية في ذروته عام 2006.

أضاف هيرست أن خميس الخنجر شارك أيضًا في مشروع إطلاق «القائمة العراقية»، أول قائمة حزبية غير طائفية في العراق، حُرمت من فرصة تشكيل الحكومة على الرغم من فوزها بأكثرية المقاعد البرلمانية في الانتخابات العراقية التي أجريت عام 2010.

وكان الخنجر هو الذي توجهت إليه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بالسؤال عندما أرادوا معرفة سبب إعراض الزعماء السنة في العراق عن النفوذ الأمريكي والسعودي، وتوجههم شطر إيران. 

هذه هي قصة خميس الخنجر عن كيفية تحوُّله في غضون بضعة أشهر من كونه الزعيم العراقي الذي ظل يضطلع بدور المُحاوِر لفترة طويلة، إلى كونه هدفًا للعقوبات الأمريكية المخصصة عادة لملاحقة الأفراد المتهمين بالإرهاب وارتكاب فظائع الفِعال. يؤكد هيرست أن رواية الخنجر قد تكون جزئية، بل إنها محل تشكيك مَن يتحدث عنهم. لكنها تظل برغم ذلك شهادة مباشرة من شخصٍ كان يجلس على الطاولة في اجتماعات رئيسية مع رؤساء الوزراء العراقيين المتعاقبين.

وهي ليست مجرد قصة شخصية. بل هي أيضًا قصة تشرح كيف خسرت أمريكا العراق. فقد كان رد الخنجر لرجل «سي آي إيه» هو: «أنت لا تعرف ذلك، لكن يمكنني أن أخبرك كيف تخسر أمريكا الدعم في العراق».

كيف أصبح «المحرِّرون» محتلين؟

لا يخفي الخنجر مشاعره حيال ذلك. إذ رحب بالغزو الأمريكي في مارس (آذار) 2003، والانهيار السريع لديكتاتورية صدام حسين التي استمرت لعقود. ولا غرو، إذ كان قد لاذ بالفرار من العراق قبل ست سنوات، في عام 1997.

يقول الخنجر: «لو عدتُ في ذلك الوقت؛ كنت سأعدم. ما ينساه الناس الآن هو أن جميع العراقيين كانوا متساوين تحت قبضة صدام. إذا كنتَ خصمًا؛ فستظل خصمًا إلى الأبد. وكان الناس يُقتَلون لأدنى سبب».

وأضاف أن معظم العراقيين كانوا بطيئين في إدراك مخاطر الاحتلال. فعندما غزا الأمريكيون بلادهم، واجهوا مقاومة ضعيفة. فتخففت القوات الأمريكية من حالة التأهب القصوى. ساروا في الشوارع، وذهبوا إلى المطاعم. وكان غالبية العراقيين يعتقدون أن الأمريكيين إنما حلُّوا ببلادهم لتطوير الاقتصاد، ثم المغادرة. 

Embed from Getty Images

بيدَ أن شهر العسل كان قصيرًا. استمر حتى قرار الأمم المتحدة 1483، الذي مُرِّر في مايو (أيار) 2003، واعترف بموجبه مجلس الأمن رسميًّا بالولايات المتحدة كقوة احتلال ذات مسؤوليات إدارية. ثم جاء القرار المصيري الذي اتخذه بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة، بحل الجيش العراقي.

أنشأ بريمر مجلسًا حاكمًا على أساس طائفي، زاعمًا أنه يصحح خطأ ارتُكب عندما تأسست دولة العراق عام 1921 تحت السيطرة البريطانية، بعد انهيار الحكم العثماني. يقول هيرست إن هذه كانت المرة الأولى التي يشهد فيها العراق حكومة على أساس طائفي. وكان كل قرار من هذه القرارات يزرع بذور الحرب الأهلية التي اشتعلت لاحقًا.

وبحسب خميس الخنجر، تفاقمت هذه الأخطاء بسبب سلوك المتعاقدين الأمريكيين، وتفتيش المنازل ومضايقة النساء، وأشار أيضًا إلى الغضب من استخدام القوات الأمريكية الفسفور الأبيض المحظور في هجوم عام 2005 على الفلوجة، مسقط رأسه، التي أصبحت معقلًا للمليشيات. تضافرت كل هذه العوامل لتؤدي إلى إذكاء شعلة المقاومة.

ويتابع الخنجر في المقابلة التي أجراها معه رئيس تحرير موقع «ميدل إيست آي»: «نعلم الآن أنه كانت تجري اتصالات بين الأمريكيين والإيرانيين خلال تلك الفترة حول العراق الجديد وكيفية إدارته. والوثائق بشأن التعاون بين الدولتين أضحت متاحة الآن».

أكثر من نصف بغداد كانت تحت سيطرة قوات المقاومة، ولم يكن تنظيم القاعدة من بينها. وكانت المقاومة تسيطر على معظم المناطق ذات الأغلبية السنية. وبدأ الأمريكيون في مهاجمة منطقة تلو الأخرى. وبعد أن يسيطروا عليها، يسلمونها إلى قوات الأمن التي تسيطر عليها المليشيات الشيعية. 

لكن سلوكيات هذه الوحدات كانت منغمسة في الطائفية إلى أبعد الحدود. وكان من الواضح أن الأمريكيين يدمرون المجتمعات السنية؛ ففي الفلوجة، استخدموا أسلحة غير مشروعة. ثم بدأ تنظيم القاعدة ينشط تدريجيًّا، حسبما يروي الخنجر.

يشير هيرست إلى اجتماع عقد في عمَّان عام 2007، وكان الخنجر من بين ممثلي السنة الذين التقوا بالقادة الشيعة هناك. يقول الخنجر عن هذا الاجتماع: «سألَنا الشيعة عما نريده لتهدئة الوضع. قلنا لهم: نريد دولة عادلة يتساوى فيها جميع العراقيين أمام القانون. وأوضحنا لهم كيف استُبعِد السنة من الأجهزة الأمنية ووزارتي الدفاع والنفط».

وأجاب من كانوا يمثلون الشيعة في ذلك الاجتماع (الخنجر متردد في تسميتهم): «لدينا مشكلة. نخشى فلول نظام صدام، ونخشى عناصر القاعدة. وما لم تتخلصوا من تنظيم القاعدة، لا يمكنكم استعادة حقوقكم، على الرغم من أننا نعلم أنها من حقكم».

خيانة مليشيات «الصحوة»

برَّر خميس الخنجر في لقائه دعمه لـ«الصحوة»؛ بوصفها وسيلة للتخلص من تنظيم القاعدة، الذي قال عنه إنه كان «يهاجم السنة والشيعة، على حد سواء». وأضاف: «كانت سياسة القاعدة هي مهاجمة المجتمع الشيعي بأكمله. بينما كانت مشكلتنا مع السياسيين الشيعة، وليس مع المواطن العادي».

Embed from Getty Images

وافق الأمريكيون في المقابل على تمويل المقاتلين السنة وتسليحهم، وتجنيد 70 ألفًا منهم في الجيش العراقي بعد هزيمة القاعدة. لكن ما حدث بالفعل هو أن هذا الجيش العراقي الذي أسسه بريمر، الجيش الشيعي، بدأ يتصرف على نحو سيئ في المناطق ذات الأغلبية السنية، ويهاجم النساء، ويمنع الناس من دخول المسجد، ويذلُّ الناس عند نقاط التفتيش، وأحيانًا حتى يقتل الناس بسبب أسمائهم السنية». يذكر الخنجر أن أهل السنة بدأوا يشكون إليهم، قائلين: «تمكنا من إزالة شر، لكننا جلبنا شرًّا أكبر».

لكن الأسوأ لم يكن قد حلَّ بعد. فالوعد الأمريكي باستيعاب 70 ألف مقاتل لم يتحقق أبدًا. وبدلًا من ذلك، قالوا إن هذا القرار لا يمكن أن تتخذه إلا الحكومة العراقية ذات السيادة، والتي كان يرأسها آنذاك نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي خلال الفترة ما بين عامي 2006 و2014.

يتابع الخنجر: «من وجهة النظر السنية، كانت هذه خيانة أمريكية. توقف الأمريكيون عن التحدث إلينا، وسلموا الملف إلى المالكي، بينما بدأ المالكي يُظهر أسوأ ميوله الطائفية؛ فتوقف عن دفع رواتب المقاتلين، 80% منهم، وقتل العشرات من قادتهم، وألقى القبض على البعض، ولاذ آخرون بالفرار إلى خارج العراق».

وجد مقاتلو الصحوة السنة أنفسهم بين المطرقة والسندان؛ مع انقلاب الرأي العام السني وحكومة المالكي ضدهم. وفي عام 2008، بعد عامين من ولاية المالكي الأولى رئيسًا للوزراء، التقت مجموعة تضم حوالي 12 من قادة الصحوة بالسفير الأمريكي في الأردن، وأخبروه بصراحة: «لقد خنتنا».

تشاور السفير مع وزارة الخارجية في واشنطن، وعاد إليهم بعد خمسة أيام. وكل ما استطاع تقديمه هو: توطين خمسة منهم في ولاية نيفادا غرب الولايات المتحدة. يعلق الخنجر قائلًا: كان من الواضح أن الأمريكيين أداروا لهم ظهورهم وكان الدور على المالكي من بعدهم. فذهب بعضهم إلى الجانب الإيراني لتقديم أنفسهم. وألقوا بأنفسهم في أحضان طهران.

كيف تشكلت «القائمة العراقية» لخوض الانتخابات؟

يقول هيرست: توقف التواصل مع الأمريكيين، لكن خميس الخنجر وزعماء سنة آخرين استمروا في الحوار مع القادة السياسيين الشيعة، على الرغم من أن أولئك الذين ساعدوا في تعبئة مقاتلي الصحوة باتوا يوصمون الآن بالإرهاب.

ويصرُّ الخنجر في حواره على تعذُّر حلِّ المشكلة من خلال تطبيق حل أمني، بل إنهم كانوا بحاجة إلى تسوية سياسية. وتطورت الفكرة إلى أن تبلورت في شكل خوض الانتخابات المقبلة، التي كانت ستجري آنذاك بعد 18 شهرًا، بقائمة وطنية عراقية برئاسة زعيم شيعي يتمتع بمؤهلات غير طائفية.

يتذكر الخنجر ما حدث حينذاك قائلًا: «تحدثنا إلى ثلاث مجموعات، بما في ذلك مجموعة المالكي. ودعونا كل القوى السنية إلى منزلي في عمان بموافقة الحكومة الأردنية. التقينا لمدة يومين تقريبًا، وقررنا المشاركة على نطاق واسع في الانتخابات، وتغيير الوضع في العراق من خلال صندوق الاقتراع».

كانت الفكرة التي انطلقت منها هذه الخطوة – بحسب الخنجر- هي أنه بدلًا من ترك الشباب السنة ينزلقون إلى إشهار السلاح مرة أخرى، فلنقنعهم بأن التغيير في البلاد يمكن تحقيقه من خلال الانتخابات، ونمنحهم الأمل في غد أفضل. كانوا بحاجة إلى شخصية رئيسية على رأس القائمة. وتواصلوا مع المالكي، وإياد علاوي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء العراقي المؤقت بعد الغزو عام 2003 من 2004- 2005، وجواد البولاني، وزير الداخلية الذي كان يحظى بشعبية في ذلك الوقت.

يتابع الخنجر: «اتصل بي المالكي هاتفيًّا. وشكرني على التواصل معه، وقال إنه سيلتقي معي بعد الانتخابات. ووافق الاثنان الآخران. ولأن المالكي لم يكن مهتمًّا في الأساس بفكرة الوحدة الوطنية، نشب خلاف بينه وبين بولاني بعد أسابيع قليلة، وهكذا ظهرت قائمة (العراقية). أصبح علاوي القائد، والقائمة كانت بمثابة إنجاز كبير لأنها شملت سياسيين من السنة والشيعة». 

فازت «العراقية» بـ91 مقعدًا؛ وهو عدد كافٍ لجعلها أكبر مجموعة داخل البرلمان. وجاء ائتلاف دولة القانون بزعامة المالكي في المرتبة الثانية بـ89 مقعدًا. لكن المحكمة الدستورية قضت بإمكانية تشكيل الائتلافات الحاكمة بعد الانتخابات وليس قبلها، حسبما كان يقضي به التوافق السياسي في ذلك الوقت. وأتاح ذلك تسعة أشهر من المناورات وممارسات لي الذراع، مما سمح للمالكي بالبقاء في السلطة رئيسًا للوزراء.

مجتمع

منذ سنتين
بالأرقام والمناطق.. تعرف إلى خريطة «التنوع الطائفي» في العراق

يقول الخنجر: لم يكن المالكي رجل واشنطن فحسب، بل كان رجل طهران أيضًا، مؤكدًا أن الجانبين التقيا مرارًا وتكرارًا. وأضاف: «لقد جُنَّ جنون الأمريكيين. إذ أرادوا أن يفوز المالكي بأي ثمن، لكننا فزنا». أعقبت ذلك ثمانية شهور من الصراع السياسي. وشاركت كل من سوريا وقطر وتركيا في محاولات الوساطة. لكن في النهاية، كانت الكلمة العليا للتفاهم بين الولايات المتحدة وإيران على إبقاء المالكي في السلطة.

لكن بقيت مشكلة أخرى، هي أن المالكي لم يكن رجل باراك أوباما. وهنا ينتقل حوار هيرست مع خميس الخنجر إلى بريت ماكجورك، وهو واحد من ثلاثة أشخاص فقط عينهم جورج دبليو بوش، واستمروا في ممارسة مهامهم خلال مرحلة الانتقال إلى ولاية أوباما، وكان أن استُدعِي مرة أخرى إلى الخدمة لحل الجمود السياسي في العراق.

قاد ماكجورك المجموعة الأمريكية التي أقنعت أوباما بأن الحل الوحيد في العراق يكمن في إبرام صفقة جديدة مع إيران، مما يعني إعادة المالكي لولاية ثانية. وبالفعل بدأ الأمريكيون في ممارسة الضغط على الجماعات السياسية السنية لتقديم الدعم للمالكي. 

اذهبوا إلى إيران.. ليس لديكم أي خيار آخر

قال خميس الخنجر: «عاد المالكي إلى سدة السلطة يحدوه شعور عميق بالانتقام». وتابع «أراد تدمير القادة والمناطق السنية الذين صوتوا ضده. فانقلب على القادة السُنة مثل طارق الهاشمي نائب الرئيس، ورافع العيسوي وزير المالية ومساعد رئيس الوزراء، اللذين كانا يحظيان بشعبية وأجبِرا على مغادرة البلاد».

واتُهم الهاشمي، الذي فر في البداية إلى إقليم كردستان العراق – الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي- ويعيش الآن في تركيا، بتدبير هجمات انتحارية ضد الساسة الشيعة. وحكم عليه بالإعدام غيابيًّا. وأردف الخنجر «والآن، تمتلئ السجون العراقية بالمئات من الشباب السنة الصغار. اعتُقِلت السيدات دون أي تهمة، ببساطة لأن أشقائهن يُشتبه في انتمائهم لتنظيم القاعدة. وكُنَّ يتعرضن للاغتصاب».

Embed from Getty Images

الجيش العراقي ومقاتلو الحشد الشعبي يستعيدون مدينة تكريت من داعش – 2015 

يقول رئيس تحرير موقع «ميدل إيست آي» إن شهادة الخنجر تتسق مع مخاوف أثارتها في ذلك الوقت هيئات مراقبة حقوقية، اتهمت قوات الأمن الخاضعة لسيطرة المالكي بإدارة سجون سرية، وبالتعذيب أيضًا.

بحلول عام 2011، كان الوضع الأمني ينهار بوتيرة متسارعة. إذ أثارت موجة الاعتقالات تظاهرات كبيرة في المدن ذات الأغلبية السنية مثل الرمادي. وعندما اشتبك متظاهرون مع قوات الأمن في الحويجة، بالقرب من كركوك، قُتِل العشرات من المتظاهرين.

شعر قادة الحركة الوطنية العراقية باليأس، وناشدوا الأمريكيين والبريطانيين العون. وجاء جون جنكينز، سفير بريطانيا لدى العراق في ذلك الوقت، إلى منزل الخنجر في العاصمة الأردنية عمان. وقال جنكينز: «إن المالكي يريد إلغاء النتيجة. لم يكن مفهومًا بالنسبة لي لماذا لا يبدو أن أي شخص بالعواصم الغربية يسعى لإيقاف ذلك». 

وسأل السُنة المجتمعون جنكينز لماذا ينبغي أن يفعلوا ذلك، إذ كانوا يعتقدون أنهم فازوا بالانتخابات. ووفقًا للخنجر، فقد كانت إجابته عليهم قاطعة إذ قال: «اذهبوا إلى إيران، ليس لديكم أي خيار آخر». وتواصل موقع «ميدل إيست آي» مع جنكينز، الذي يتذكر تفاصيل اجتماعه مع الخنجر. ويعترض جنكينز على أن يكون قد أخبر الخنجر بأن يذهب إلى إيران، لكنه يقر بأنه كان ضد المالكي وإيران.

وقال جنكينز: «أنا متأكد من أنني لم أقل شيئًا من هذا القبيل. السياق الذي تصفه صحيح بطبيعة الحال. وجهة نظري في ذلك الوقت – والتي لم تتغير منذ ذلك الحين – كانت أن الانتخابات التي جرت في شهر مارس وجميع ما تلاها من استطلاعات للرأي، أظهرت أن غالبية العراقيين كانوا يريدون حكومة غير طائفية بقيادة إياد علاوي».

وتابع «رأينا الدلالات ذاتها في أنماط التصويت خلال انتخابات المحافظات في أوائل عام 2009. لذا لم يكن ذلك شيئًا مؤقتًا». وفازت الحركة الوطنية العراقية بالانتخابات البرلمانية في عام 2010 رغم عقبات عدة.

المالكي يسعى للبقاء في سدة السلطة

وأضاف أن المالكي كان يسعى من خلال مساعدة إيران وتواطؤ مدحت المحمود، رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، والامتثال الواضح من جانب الولايات المتحدة، لقلب هذه النتيجة من أجل البقاء في سدة السلطة. 

Embed from Getty Images

يوضح هيرست أن ذلك الأمر عاد بالنفع على إيران، وبطبيعة الحال على المالكي. وأضاف جنكينز «لم يكن مفهومًا لي لماذا لم يفعل أي سياسي غربي أي شيء لوقف ذلك». ويتذكر جنكينز أنه اتُّهِم أيضًا في ذلك الوقت بأنه ضد الشيعة. 

ويعلق على ذلك قائلًا: «لم يكن ذلك صحيحًا. كنت فعليًّا ضد المالكي وإيران. كان ذلك بسبب بعض المعتقدات الجوهرية عن تأصُّل الشر الإيراني. كان الأمر عمليًّا محضًا: أعتقد أن المالكي كان معاديًا لنا.. وأن استيلاء إيران على العراق سيشكل تهديدًا على المصالح البريطانية والغربية الأوسع في المنطقة. وسوف يعمل ذلك على زعزعة استقرار الدول المجاورة بشكل خطير».

وعلى الرغم من رفضه مزاعم أن يكون قد أخبر الخنجر بكل جدية بأن يذهب إلى إيران، يقر جنكينز بأن جزءًا من المناقشة ربما كان يتمحور حول ذهاب علاوي إلى إيران، حسبما يقول هيرست.

إيران تريد تحقيق الهيمنة داخل العراق

وأضاف «من المتصور أن جزءًا من المناقشة كان يدور حول ما إذا كانت إيران منفتحة على السماح لعلاوي برئاسة الوزراء. بالفعل ذهب علاوي إلى طهران مرة أو مرتين. لكن نظرًا إلى أن خامنئي وسليماني كانا مصرين على أهمية وجود كتلة انتخابية شيعية، بوصفها الركيزة الأساسية لهيمنة توافقية للشيعة داخل العراق تكون موالية لإيران، فإن رئاسة علاوي للوزراء كانت أمرًا بعيد المنال».

ووفقًا للخنجر، وصل قيادي سني عراقي آخر إلى البيت الأبيض للقاء الرئيس السابق باراك أوباما. وحصل على الإجابة ذاتها. لقد برأ الأمريكيون أنفسهم من المسؤولية عن التطهير الذي كان يقوم به المالكي.

عربي

منذ سنة واحدة
بعيدًا عن التعبيرات الدبلوماسية.. هل تحتل إيران العراق حقًا؟

وناشد خميس الخنجر القادة الشيعة العراقيين مباشرة عقد اجتماع في العاصمة البلجيكية بروكسل. وقال الخنجر: «أخبرناهم أنكم تدفعون الناس للإرهاب. عندما قاوم السنة الاحتلال الأمريكي، كنتم تقولون إنهم إرهابيون. وعندما قاومت الصحوات القاعدة، وصفتموهم بالإرهابيين، وعندما فاز السياسيون السنة بالانتخابات، وصفتموهم بالإرهابيين. كيف سنتواصل؟».

كان واضحًا للقادة السنة أن كلًّا من الولايات المتحدة وإيران كانتا تؤيدان الجماعات الشيعية.

«اندلعت حرب شاملة»

حدثت نقطة اللاعودة عندما أطلقت قوات المالكي عملية أمنية في محافظة الأنبار في فبراير (شباط) عام 2014 ضد المليشيات القبلية السنية في خضم اندلاع المزيد من الاحتجاجات المناهضة للحكومة. «هاجمت» هي الكلمة التي يستخدمها الخنجر. 

ودعا زعماء القبائل السنية رجالهم إلى حمل السلاح لمواجهة الجيش العراقي، الذي يتكون في الغالب من وحدات المليشيات الشيعية. وخلال الاشتباكات الأولى بين الجيش والمقاتلين السُنة، لم يكن تنظيم دولة العراق الإسلامية الوليد «داعش»، الذي أعاد تشكيل صفوفه من فلول تنظيم القاعدة داخل العراق، وكان ينشط حينها داخل سوريا، حاضرًا. وقال الخنجر إن التنظيم لم يظهر إلا بفضل الفراغ الذي خلَّفه فرار قوات الجيش.

Embed from Getty Images

وأردف «أوجد ذلك فراغًا لعودة ظهور القاعدة التي تطورت بسرعة كبيرة لتصبح تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). كان مقاتلو تلك المجموعة أكثر تنظيمًا، وهذه هي الطريقة التي دخلوا بها المنطقة ذات الغالبية السنية، التي لم يكن لهم وجود داخلها. من الأنبار، اقتربوا من بغداد. ودخلوا صلاح الدين وحتى القادة الشيعة بدأوا الهروب من البلاد».

شعر خميس الخنجر باليأس. وقال: «إن مقاتلي داعش كانوا مجرمين؛ إذ كانوا يعتبرون قادة القبائل مرتدين، وقتلوا العلماء الشيعة، وكانوا يعتبرون أن الإخوان المسلمين، وجميعهم قوميون، مرتدين. أعدموا أي شخص عارضهم أو اشترك في العملية السياسية. هذا ما دفع العديد من السُنة إلى الفرار إلى تركيا والأردن».

العشائر تصطف ضد تنظيم داعش

قرر قادة القبائل السنية أن يوجهوا بنادقهم صوب المتشددين، مثلما فعلوا ضد القاعدة. وكان المجال السياسي في بغداد مواتيًا لذلك أيضًا، إذ حل حيدر العبادي محل المالكي. 

ويتذكر الخنجر قائلًا: «كان العبادي إنسانًا وقورًا. إذ بدأ بإجراءات المصالحة وأوقف الاعتقالات، وأطلق سراح العديد من الأشخاص من السجون، لولا أن حربًا شاملة اندلعت، حرب لم تميز بين داعش والسكان المحليين، وآلت إلى تدمير العديد من المدن السنية».

وللمرة الأولى منذ إنشاء الصحوات، أبدى الأمريكيون اهتمامًا بالسنة. وكان الخنجر رئيسًا للوفد الذي التقى بريت ماكجورك، المبعوث الأمريكي الرئاسي للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومبعوثًا للحكومة العراقية في أبوظبي.

Embed from Getty Images

حيدر العبادي 

وكان من بين مخاوفهم الرئيسية وحدات الحشد الشعبي، والتي تشكلت بدعم من الحكومة العراقية بعد دعوة المرجع الشيعي الأعلى بالعراق، علي السيستاني، المتطوعين للالتحاق بقوات الأمن العراقية. واستغلت المليشيات الشيعية دعوة السيستاني لتشكيل مليشيات الحشد الشعبي للدفاع عن المدن العراقية من تهديد تنظيم داعش.

جاء ذلك بعد اتفاق مع العبادي لتأسيس الحرس الوطني في شتى أنحاء العراق، والذي يتيح الفرصة التي كان يحتاجها السنة للمشاركة في حماية محافظاتهم. ويتذكر الخنجر «أخبرنا ماكجورك: نريدكم أن تشاركوا في الحرب ضد تنظيم داعش. وسنمنحكم الأموال».

محاربة داعش سياسيًّا وعسكريًّا

ويتابع خميس الخنجر: «لقد ذكَّرنا الوفد الأمريكي بما حدث للصحوات. قلنا إننا مستعدون للقتال بشرط واحد. كانت البشمركة تنشط في المناطق الكردية فيما تنشط مليشيات الحشد الشعبي في المناطق الشيعية. أخبرناهم بأننا نريد حرسًا وطنيًّا في المناطق السنية يُشَكَّل من مقاتلين سنة ويتصل مباشرة بمكتب رئيس الوزراء».

ووفقًا للخنجر، وعد ماكجورك في اجتماع سابق في بغداد ألا تتقدم قوات الحشد الشعبي لما بعد مدينة الكرمة إلى الغرب من بغداد وسامراء إلى الشمال. كان الاتفاق يقضي بألا تدخل مليشيات الحشد الشعبي المدن ذات الغالبية السنية. وشهد الاجتماع مشاركة سلمان الجميلي وزير التخطيط السابق في حكومة العبادي.

وقال الخنجر «اقترحنا في هذا الاجتماع خارطة طريق تضمنت نهجين متوازيين، سياسيًّا وعسكريًّا. لا يعني ذلك التعامل مع داعش عسكريًّا فحسب، بل أيضًا التعامل مع الأسباب السياسية والاجتماعية التي أدت إلى صعود تنظيم داعش داخل العراق في المقام الأول. لم يكن ماكجورك مهتمًّا بذلك. كان مهتمًّا فقط بهزيمة داعش عسكريًّا».

Embed from Getty Images

تظاهرة مناهضة للحشد الشعبي في إربيل

وأضاف أن الجميع كانوا يعرفون أن وحدات الحشد الشعبي لا يمكنها التقدم على الأرض مسافة 10 أمتار دون غطاء جوي أمريكي. ونكث الأمريكيون بالوعد الذي أعطونا إياه، وتوغلت وحدات الحشد الشعبي في المناطق السنية غربًا وشمالًا.

وقدم موقع «ميدل إيست آي» شهادة الخنجر لماكجورك لكنه رفض التعليق عليها، بيد أن مسؤولًا أمريكيًّا سابقًا على دراية بالمناقشات نفى بشدة شهادة الخنجر  وقال إنه لم تُقدم أي ضمانات من أي نوع للخنجر. وقال إن الخنجر لم يقدم جنديًّا واحدًا للتدريب في محاربة تنظيم داعش، رغم وعوده الكثيرة بذلك.

وزعم المسؤول السابق أن الخنجر عمل مباشرة مع أحزاب مدعومة إيرانيًّا، وسعى على نحوٍ منتظم لتقديم رشى لسياسيين عراقيين، مما أدى إلى إدراجه على قائمة العقوبات الأمريكية العام الماضي.

ووضعت «ميدل إيست آي» هذه المزاعم أمام الخنجر، الذي وصفها بالكاذبة والمفبركة، وأضاف «شاركنا في الجهود السياسية لتشكيل ائتلاف حاكم بعد انتخابات 2018، بعِلم كامل وفي بعض الأحيان، بمشاركة ماكجورك نفسه. المفارقة هي أننا كنا نشكل أكثر الفصائل اعتدالًا».

انتهاكات الميليشيات الشيعية بحق السُّنة

ووفقًا للخنجر، فإن المليشيات الشيعية لم تتودد للسكان في المناطق التي حررتها من تنظيم داعش. ويتهم الخنجر المليشيات الشيعية بسرقة السنة وقتلهم في نقاط التفتيش، ومنع اللاجئين الذين يحاولون العودة إلى قراهم. وقال إن المناطق السنية دُمرت نتيجة لذلك.

يلفت هيرست إلى أن هيئات حقوقية أفادت بارتكاب القوات المدعومة من الحكومة العراقية أعمالًا وحشية. وكان أن دفعت تجربة الحشد الشعبي على الأرض القادة السنة مجددًا للعودة إلى المعترك السياسي.

وقال خميس الخنجر «قررنا في عام 2017 أنه ينبغي لنا أن نخوض انتخابات 2018 بقوة، بالاتفاق مع مجموعاتنا من أجل وقف القمع الذي ألقى بوطأته على المناطق التي تسيطر عليها وحدات الحشد الشعبي». وعاد الخنجر للمرة الأولى خلال 20 عامًا إلى العراق لتنظيم الحملة.

السعوديون يهددون خميس الخنجر

قال خميس الخنجر إن السعوديين تدخلوا في هذه المرحلة. فالسعوديون ينظرون إلى العراق فقط من منظور تنافس الرياض مع تركيا وقطر، وأرسل محمد بن سلمان، ذراعه اليمنى في الخليج، ثامر السبهان، لرؤية الخنجر. 

عقد الاجتماع في منزل الخنجر في عمان. وطلب السبهان منه «بهدوء» عدم خوض الانتخابات في عام 2018. وقال له السبهان، حسبما يذكر، إن «عددًا قليلًا من القادة السنيين يجب ألا يدخلوا الانتخابات». وكان رد الخنجر: «قلت له إننا لا نأخذ الإذن منك، فأنت لست من مؤيدي العراق. فالسعودية تركتنا طوال هذه السنوات لنُقتل. والناس، في مناطقنا، مضطهدون، ومحرومون من حقوقهم، ولاجئون. فما خطتك؟ وما مشروعك؟».

قال الخنجر: «ما شعرت به هو أنه لم يكترث. وكل ما أراده هو اتخاذ موقف ضد الإخوان المسلمين، وقطر، وتركيا. فالسعوديون عندما فقدوا الأمل في الولايات المتحدة، بدأوا في تجنيد شخصيات سنية هامشية، أي أشخاص ليس لديهم سلطة، مجرد أشخاص يدفعون لهم المال ليكونوا آذانًا مصغية لهم». 

كان الهدف الشامل للسعوديين، والذي كان أيضًا هدف الولايات المتحدة، هو إبقاء حيدر العبادي في منصبه.

شكَّل الخنجر كتلة سنية تسمى تحالف المحور الوطني، وضمت 50 نائبًا، وهي مجموعة تعادل في الحجم كتلة الصدريين، الكتلة الشيعية المؤثرة المتحالفة مع مقتدى الصدر. ومنحهم هذا الحجم ميزة توازن القوى وجذب اهتمام الولايات المتحدة.

عربي

منذ سنة واحدة
لو دقت أجراس الحرب مع إيران.. ما خطورة الميليشيات العراقية على السعودية؟

في ذلك الوقت، شارك العبادي قيادة كتلته مع فالح الفياض، الزعيم السياسي ورئيس وحدات الحشد الشعبي والرئيس والمستشار السابق لمجلس الأمن القومي، لكن الرجلين كانا على وشك الاختلاف حول إصرار العبادي على ضرورة أن يكون زعيم الكتلة الوحيد.

وبحسب ما ذكره الخنجر، سعى ماكجورك، قبل حدوث ذلك، إلى الضغط على الكتلة السنية أو إقناعها لدعم العبادي. وفي هذا الصدد، يقول الخنجر إن ماكجورك عرض عليه حوافز مثل إجراء لقاء شخصي مع محمد بن سلمان.

وأضاف: «حاول أن يغرينا، ووعدنا بأشياء في مقابل دعم العبادي. وقال لي ذات مرة: «سنذهب، أنا وأنت، في لقاءات خاصة وسنلتقي محمد بن سلمان، وسأدفع السعوديين للتعامل معك». فرددت عليه قائلًا: «سيد بريت، قابلت محمد بن سلمان أكثر من مرة. ما يشغلني ليس هذا الأمر. فما خضت الانتخابات لأصبح تابعًا لأحد من هؤلاء الأمراء. لدينا مشكلات في مناطقنا، وهذا هو ما يشغلني».

4 مطالب قدمها الخنجر

قدم الخنجر أربعة مطالب: الإفراج عن السجناء والتحقيق في شأن المختفين، وانسحاب وحدات الحشد الشعبي من المناطق ذات الأغلبية السنية، ومشاركة السنة في المؤسسات الأمنية الحكومية، وإعادة إعمار المناطق السنية التي تضررت من سنوات النزاع.

وبحسب روايته للحادثة، قال الخنجر لماكجورك: «سندعم من يوافق على هذه المطالب. مشكلتي ليست مع السعوديين. استمعتم للسعوديين والنتيجة فشل تام». ووعد الخنجر أيضًا بفتح مفاوضات مع العبادي، لكنه لم يكن متفائلًا.

ويضيف الخنجر: «كانت تجربتي مع العبادي على هذا النحو: عندما شكَّل حكومته في عام 2013، وعد بتشكيل حرس وطني وحل وحدات الحشد الشعبي. وحتى أمريكا دعمت هذه الخطوة. لكنه بعد أن شكَّل حكومته، شرعَن وضع وحدات الحشد الشعبي. هذه هي التجربة التي كانت ماثلة في ذهني عندما قابلته».

رئيس وزراء العراق الجديد عدنان الزرفي

تبع ذلك ثلاثة اجتماعات قدم فيها الخنجر المطالب السنية إلى العبادي، لكن رئيس الوزراء كان غامضًا في كل منها. ووصف الخنجر الأمر قائلًا: «كان الرجل عديم الفائدة. لم يقدم لنا أي تعهدات».

ومع ذلك، عرض الخنجر تحالفًا من الكتل، لأنه يعرف أنه من الممكن التعامل مع فالح الفياض، الذي كان آنذاك متحالفًا مع العبادي. فهما ينحدران من الخلفيات القبلية نفسها. ويضيف الخنجر عن ذلك: «اعتقدت أن التعامل مع فياض كان أسهل بكثير. فالمسألة حساسة لأن ما يقوله الأمريكيون هو أن إيران جمعتني مع فالح. والحقيقة هي أن ما جمعنا هو الخلفيات القبلية المشتركة، وليست إيران. 

رفض العبادي اقتراح الخنجر. فقال له الأخير: «كتلتك سوف تتفتت». وهذا بالضبط ما حدث. إذ انشق نواب فياض عن العبادي. وانقسم البرلمان. ففي أحد المعسكرات الشيعية كان هناك فياض، ونوري المالكي، وهادي العامري، رئيس منظمة بدر شبه العسكرية المدعومة من إيران.

وفي المعسكر الآخر كان هناك العبادي والصدر. وكان لكل معسكر حوالي 100 نائب. وهذا الأمر ترك السنة والأكراد في وضع وسطاء السلطة، أو الوسطاء الذين لا غنى عنهم لنيل السلطة.

يقول الخنجر إنه ظل في حيرة من السبب الذي جعل الأمريكيين والسعوديين يفضلون كتلة شيعية على أخرى. فإذا كانت درجة التأثير الذي تمارسه طهران فيهم عاملًا (في هذا التفضيل)، حينئذ فإن الأفراد من جميع الأطراف لديهم علاقاتهم الخاصة بدرجات متفاوتة مع إيران، ومليشياتهم الخاصة التي يمكنهم من خلالها ممارسة نفوذهم على الأرض.

يقول الخنجر: «سألت ماكجورك، [أي فصيل] سوف يستجيب لمطالبنا الأساسية؟» قال بريت: «وحدات الحشد الشعبي». «سألته، من سيعطيني التزامًا يمكنني الوثوق به؟» أجاب: «وحدات الحشد الشعبي». وفيما يتعلق بالخنجر، كان هذا مؤشرًا آخر على أن الأمريكيين أدركوا أو رضخوا لحقيقة مؤداها أن السلطة في العراق تكمن في وحدات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، وهي القوة نفسها المسؤولة عن قمع المناطق ذات الأغلبية السنية.

كانت الإشارة واضحة: أن الأمريكيين تخلوا عن مسؤوليتهم عن مصير العراق السني. ويصف الخنجر نفسه وهو يفكر عندما كان يستمع وهو في حالة من الرعب للنصيحة التي أسداها ماكجورك إليه: «إذن، ماكجورك كان يعلم (بما ستؤول إليه الأمور)».

يعلِّق هيرست قائلًا: إن هذه الرواية للأحداث هي أيضًا محل تشكيك من جانب المسؤول الأمريكي السابق الذي لديه معرفة بهذه المناقشات.

أمريكا والسعودية تفقدان نفوذهما في العراق

في غضون ذلك، استمر السعوديون في ممارسة ضغوط على الخنجر. «بدأ السبهان [رجل المهام السعودي في الخليج] في توجيه التهديدات قائلًا إنه إذا لم يعد العبادي، فسوف نوقف الدعم. لن تحصلوا على شيء. سندير ظهورنا لكم كسُنَّة وعراقيين».

ولكن مرة أخرى، فقد الأمريكيون والسعوديون تفوقهم العددي. فالعبادي سيفوز بعدها بـ45 مقعدًا فقط. وأصبح عادل عبد المهدي رئيسًا للوزراء كشخصية محايدة تدعمها أغلبية النواب، وانتهت اللقاءات بين الخنجر وماكجورك.

أمريكا والسعودية

وقال الخنجر كانت هذه «نقطة التحول» عندما وجد نفسه يتعرض لهجوم من السعوديين وحلفائهم الإماراتيين. ويضيف: «في تلك المرحلة، كان من الواضح أن السعوديين فقدوا كل شيء في العراق، وهكذا بدأوا هجومهم الإعلامي ضد كل سني شارك في تشكيل حكومة عادل عبد المهدي. وهذه هي بالضبط خلفية المشكلة بيني وبين السعوديين والأمريكيين».

بعد ذلك بوقت قصير، التقى الخنجر بوفد أمريكي، يضم شخصًا تابعًا لوكالة المخابرات المركزية. وسألوا الخنجر لماذا تتوجه إلى «الجانب الإيراني». فرد عليهم متهكمًا: «نستمع إليهم ونستمع إليكم ونقتدي بكم. فطوال ثماني سنوات في عهد أوباما، كنتم تشجعوننا على الانفتاح مع إيران. والرئيس ترامب، كل يوم يقول، «هذه ليست حربي. إذا كنتم تريدون الحوار مع إيران، هلموا إليها». لدينا 1500 كيلومتر من الحدود المشتركة مع إيران.

ويتابع الحوار مع رئيس تحرير «ميدل إيست آي»: «اسمع، لم نجرِ انتخابات مع إيران. أجرينا انتخابات مع قادة سياسيين عراقيين تربطهم علاقات مع إيران. لماذا تنكرون علينا هذا الحق؟ تعقدون اجتماعات مع الجميع. لقد دعمتم المالكي. وتتحدثون مع فالح الفياض. لماذا تفعلون هذا وتنكرون علينا حقنا في التحدث إلى الأشخاص الموجودين في هذا البلد؟»

حقق دعم عبد المهدي نتائج سريعة. ففي عامه الأول في الحكم، فُككت معظم نقاط التفتيش في المناطق التي يسيطر عليها السنة. وأزيلت أكثر من 20 ميليشيا شيعية كانت تعمل في المناطق ذات الأغلبية السنية. وأُلغيت أحكام الإعدام الصادرة بحق المئات من المحكوم عليهم بالإعدام، وأُطلق سراح آلاف السجناء من السنة.

استقال عبد المهدي في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019، وسط مظاهرات حاشدة بعد أن استخدمت قوات الأمن القوة المميتة ضد المتظاهرين. واستغرق الأمر وقتًا حتى وافق البرلمان العراقي الشهر الماضي على تعيين رئيس المخابرات السابق مصطفى الكاظمي خلفًا له.

لكن لا الولايات المتحدة ولا السعودية تغفر أو تنسى. إذ أُدرج الخنجر على القائمة السوداء في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقررت السعودية: «إما نحن وإما هم». و«هم» تشمل الآن سياسيين عراقيين على شاكلة خميس الخنجر. 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد