نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا للصحافية بيشا ماجد، تحدثت فيه عن تعامل الحكومة العراقية مع الاحتجاجات الحالية ومظاهر القمع المختلفة التي ترتكبها قوات الأمن بحق المتظاهرين، من اختطاف، وقتل، وإخفاء.

في مستهل التقرير، تذكر بيشا قصة لأحد المتظاهرين العراقيين، ويُدعى علي سامي، والذي كان قادمًا من جسر الأحرار في العاصمة بغداد تلاحقه قنابل الغاز المسيلة للدموع، ويدوي الرصاص من خلفه، وإذا به يشاهد ما كان يعتقد أنه متظاهر شاب يتنفس بصعوبة ويتوسل المساعدة.

وانحرف سامي إلى الحارة حيث يرتمي الشاب، ليجد نفسه محاطًا بستة رجال يرتدون ملابس مدنية، ثم نهض الرجل الذي كان يعتقد سامي أنه كان متظاهرًا مصابًا، إلا أن هذا الشاب أمسك بسامي بمساعدة الرجال الستة، وأجبروه على ركوب سيارة سوداء، ووضعوا عصابة على عينيه، وربطوا يديه، ثم اعتدوا عليه بالضرب لساعات.

يقول سامي إنهم هددوه بالقتل إذا ذهب إلى ساحة التحرير التي يحتشد فيها المتظاهرون، وأضاف أنهم كانوا يعرفونه بالاسم.

«الحشد الشعبي».. كيف تعمل ذراع إيران القوية لإفشال مظاهرات العراق

مزيد من الاستبداد في مواجهة المظاهرات

تقول بيشا ماجد إن هذه الواقعة أصبحت تجربة تقليدية تكرر حدوثها لكثير من العراقيين، وفي حين دخلت الاحتجاجات شهرها الثاني باتت الحكومة العراقية أكثر استبدادًا في تجاوبها مع التظاهرات؛ إذ قتلت قوات الأمن العراقية السبت الماضي تسعة أشخاص بينما كانت تفرق المحتجين الذين كانوا يحتلون ثلاثة جسور مؤدية إلى المنطقة الخضراء. 

وتنقل بيشا عن شهود عيان إفادتهم بأن الرصاص وقنابل الغاز المسيل للدموع كانت توجه مباشرة إلى المحتجين، وخلال الشهر الجاري حظرت الحكومة الإنترنت للمرة الثانية، وفي اليوم ذاته ظهر أول تقرير عن استخدام قوات الأمن الرصاص الحي لردع المتظاهرين الذين كانوا يحاولون عبور الجسور إلى المنطقة الخضراء، التي تستقر فيها الحكومة محمية خلف حواجز خرسانية، والتي أنشأتها القوات الأمريكية في أعقاب احتلالها للعراق عام 2003.

مظاهرات 25 أكتوبر في العراق

ورغم ذلك تظل ساحة التحرير ملاذًا خاصًا للمتظاهرين، لكن حتى أولئك المتظاهرين الموجودين في الساحة يقولون إنهم استهدِفوا من خلال موجة واسعة من الاعتقالات والإخفاء القسري والتهديدات، وقال العديد من المحتجين الذين تحدثوا للمجلة الأمريكية إنهم تعرضوا للترهيب بعنف من المشاركة في المظاهرات.

يقول علي، وهو متظاهر يبلغ من العمر 15 عامًا، يقود «توك توك» لمساعدة المتظاهرين المصابين لـ«فورين بوليسي» عبر الهاتف، إنه بينما كان معتقلًا بعد أن ألقي القبض عليه في أثناء الاحتجاجات، تعرض للتعذيب والضرب والصعق الكهربائي.

الاعتداءات تطال أطباء ومسعفين

قال أطباء ومسعفون لـ«فورين بوليسي» إن قوات الأمن استهدفتهم حين كانوا يحاولون معالجة المصابين بجراح بالغة في الخطوط الأمامية للاحتجاجات، وأظهر فيديو نشره متظاهرون الجمعة الماضية مقطعًا مصورًا لطبيب يُدعى عباس، أصيب بالرصاص الحي في معدته وتوفي لاحقًا.

يقول أحد المسعفين، والذي كان طالبًا يدرس طب الأسنان قبل أن يلتحق بالتظاهرات: «عندما ذهبنا إلى جسر السنك، والذي يسمى أيضًا جسر الرشيد، بدأت قوات ترتدي ملابس سوداء في استهدافنا وإطلاق الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت علينا»، مضيفًا أنهم كانوا يستهدفونهم في الرأس والظهر مباشرةً، وليس الأطراف.

ويطالب المحتجون برحيل النظام الحاكم، ولا يبدو أن أيًّا من الطرفين مستعد للتراجع، ويقول ريناد منصور الباحث في معهد تشاتام هاوس (ومقره لندن) إنهم (الحكومة) يستغلون كلمة مخربين لوصف المتظاهرين العراقيين ويرون أن المحتجين مفسدين ومصدرًا للإزعاج والاضطرابات. 

كيف تشرعن حكومة عبد المهدي القمع لمواجهة الاحتجاجات

في مواجهة تصاعد التظاهرات، تحاول الحكومة العراقية شرعنة قمعها للاحتجاجات مستعينةً في ذلك بقوانين محاربة الإرهاب؛ إذ يقول منصور إن دعوة رئيس السلطة القضائية في العراق لاجتماعات أمنية، وخروج رئيس المحكمة العليا والإشارة بشكل أساسي إلى مواد قانون مكافحة الإرهاب، جميعها أمور تمنح الحكومة مبررًا قانونيًّا لاستخدام العنف، ليصبح القانون جزءًا من هذا القمع.

مظاهرات العراق

ويضيف منصور «يبدو أن الحكومة ومكتب رئيس الوزراء ضاقا ذرعًا بالمحتجين ولديهم الآن المبررات القانونية والسياسية لممارسة قمع أكثر عنفًا، وإنهاء وجود المحتجين في الشوارع».

رغم المؤشرات السابقة التي كانت تشير إلى أن المسؤولين الحكوميين كانوا يتفاوضون على استقالة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، فإنه ظل متمسكًا بمنصبه بسبب تدخل قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني، الذي زار العراق لمنع إطاحة عبد المهدي.

وأصدرت الأمم المتحدة بيانًا يوم الأحد يحدد خطة الإصلاحات ويدعو إلى إنهاء العنف خلال الاحتجاجات، محذرًا أيضًا «المخربين» من اختطاف المظاهرات، بلغة تشبه بشكل ملحوظ ما لاحظه منصور على أنها لغة تتشابه مع ما تردده الطبقة السياسية العراقية.

وفي الوقت نفسه، لم تتضمن خطة العمل التي قدمتها بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق أي إشارة لاستقالة عبد المهدي أو حكومته، وهو أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين. 

في الواقع، لا يطالب المحتجون بتغيير الحكومة فحسب، بل يطالبون أيضًا بتغيير كامل للنظام الحكومي، الذي يعتمد على المحاصصة الطائفية؛ إذ يقول الناشط المدني، وهو أحد المتظاهرين من الناصرية، والذي يستخدم الاسم المستعار حسين: «ما نطلبه هو سقوط النظام الحاكم، وتحديدًا النظام الذي جرى تطبيقه بعد الاحتلال الدولي للعراق عام 2003».

ما الاختلاف بين التظاهرات الحالية والسابقة؟

يقول محلل عراقي تحدث رافضًا الكشف عن هويته إن المطلب الأساسي للمحتجين يتمثل في إسقاط النظام، وإعادة تحديد نظام الحكم السياسي وتغييره كاملًا، موضحًا أن النظام البرلماني أسسته الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون بعد الاحتلال عام 2003.

ويتابع «لذا فإن دعوات المحتجين تقوض بشكل أساسي النظام الذي يستثمر المجتمع الدولي بأسره، في الحفاظ عليه من كلا الجانبين؛ الإيراني والأمريكي».

وليست تلك هي المرة الأولى التي تقمع فيها الحكومة العراقية الاحتجاجات بعنف، رغم أن حجم الاحتجاجات الحالية والعدد الهائل من القتلى غير مسبوق، كما أن للعراق تاريخًا طويلًا من الاحتجاجات المناهضة للفساد، والتي تمتد من العام 2011 وحتى اللحظة الحالية.

في عامي 2015 و2016، شهدت العاصمة بغداد حركة احتجاجية كبيرة قوبلت بالقمع أيضًا وفي العام 2018، اشتعلت محافظة البصرة الغنية بالنفط الفقيرة للمال، باحتجاجات تطالب بتوفير المياه النظيفة والخدمات الصحية والوظائف.

يقول منصور إن الحكومة في العام 2016 استطاعت تهدئة المتظاهرين، في حين تمكن المسؤولون في البصرة من قمعهم، وكانت الحكومة الحالية تفضل الرد على المظاهرات الحالية بالطريقة ذاتها التي ردت بها في 2016، ووعدت بإصلاحات وإجراء تعديل وزاري، وتغيير القانون، ومن ثم فإن المتظاهرين أنهوا احتجاجاتهم وذهبوا إلى بيوتهم؛ لأنهم استطاعوا الحصول على هذه الوعود.

لكن هذه المرة، يقول العديد من المتظاهرين إنه لا نية لديهم للمغادرة أو التفاوض مع الحكومة، كما أنهم أصبحوا أكثر تنظيمًا ويقيمون مخيمات، وحتى إنهم يشغلون الكهرباء في مبنى مهجور يُعرف باسم المطعم التركي، يطل على المنطقة الرئاسية الخضراء في بغداد.

متظاهرون: «مطالبنا هي تغيير شامل للحكومة»

يقول متظاهر يُدعى علي سالم، ويبلغ من العمر 27 عامًا، يجلس في خيمة بساحة التحرير مع مجموعة من المحتجين الآخرين «جميعنا موجودون هنا منذ أسبوعين، وتركنا منازلنا وعملنا وعائلاتنا للبقاء هنا، ومطلبنا هو تغيير شامل للحكومة، هذا هو مطلبنا الأهم، وأن تكون الحكومة عراقية للشعب العراقي فقط، وألا تتبع أية دولة أخرى».

احتجاجات العراق

وقُتِل أكثر من 260 شخصًا وأصيب آلاف آخرون منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كما أطلَع المحتجون فورين بوليسي على مقاطع مصورة تظهِر محتجين مصابين في الرأس بقنابل غاز مسيل للدموع، والدماء والدخان تخرج من روؤسهم.

واستهدفت قوات الأمن المحتجين مباشرة بقنابل غاز عسكرية، وفقًا لتقرير نشرته مؤخرًا منظمة العفو الدولية، ويعتقد المحتجون أن خدمات الإنترنت قطعت في البلاد للتغطية على العنف ومنع المتظاهرين من تنظيم صفوفهم. 

يقول الناشط المدني والمتظاهر علي تشساب: «لقد قطعوا الإنترنت حتى يمكنهم الهجوم مباشرةً على المتظاهرين؛ حتى لا يمكننا نقل الأخبار للعامة».

ويدلل على ذلك بأن الحكومة قطعت الإنترنت والكهرباء لمدة ساعة، وأن أي شخص يغادر الاحتجاجات في ذلك الوقت قد يتعرض للاعتقال.

مخاوف من الميليشيات الموالية لإيران

يخشى تشساب وغيره من المحتجين أن تبلغ عنهم المخابرات العامة والمخابرات من المجموعات شبه العسكرية، بما في ذلك الميليشيات التي تدعمها إيران داخل قوات الحشد الشعبي.

يقول تشساب إن المتظاهرين أقاموا نقاط تفتيش لضمان عدم جلب أسلحة داخل الاحتجاجات، ويصف ذلك بأنه حرب نفسية.

يقول متظاهر آخر وهو مسلم فاضل فلاح (26 عامًا)، والذي سافر إلى الناصرية للمشاركة في احتجاجات بغداد: «هم يضعون مخبرين بيننا لأنهم لا يريدون لاحتجاجاتنا أن تستمر، فكراسيهم وسلطتهم هي الأهم بالنسبة لهم».

يقول متظاهر آخر وهو  عبد الشهيد السمري، والذي تلقى تهديدات لمشاركته في الاحتجاجات، إن أربعة من أصدقائه قد قُتِلوا خلال الأيام القليلة الأخيرة، الأمر الذي أثر فيه نفسيًّا وجسديًّا، وصعّب عليه تناول الطعام.

«سليماني لم يذق طعم النوم من ليلتها».. هل تخسر إيران قوتها الإقليمية الآن؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد