بعد أكثر من 15 عامًا على غزو العراق بقيادة بوش وبلير، يُكشَف الستار عن أخطاء أكبر جريمة حرب وقعت في عصرنا.  

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية مقالًا للكاتب سيمون جينكينز، المؤلف والمذيع في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، تحدث فيه عن فيلم «حدث ذات مرة في العراق» الذي يعده بحسب مشاهداته أكثر سلسلة وثائقية مناهضة للحرب في العراق، وهي تقع في خمسة أجزاء، وعرضتها قناة «بي بي سي» الثانية أيام الاثنين من كل أسبوع. 

وليس الفيلم عبارة عن سلسلة من مشاهد الانفجارات، والصراخ، والدموع. ولم يكن الألم الحارق الذي يعرضه الفيلم يعزف على على وتر العواطف بالمرة، بل كان طرحًا فكريًّا. من بين لقطات حرب عام 2003، نسمع ببساطة رواية هادئة يقصها أُناس أصيبوا بصدمات نفسية بسبب النزاع، من جراء ما شهدوه من فُحْشٍ مثير للغثيان لديمقراطيتين عظيمتين استخدمتا الموت والدمار لتنفيذ أجندة قيادتهما السياسية. 

وبذلك، يبين الفيلم أن أخلاقيات «فرض الهيمنة» (أو نشر القوة Power projection وهو مصطلح يشير إلى قدرة الدولة على نشر قواتها العسكرية في الخارج وتحريكها والحفاظ عليها) لم تتقدم منذ العصور الوسطى؛ فالجثث هي الجثث، ولم يتغير  في الأمر شيء.

الآن على الأقل أتيح لنا أن نسمع من الضحايا. فمُخرج الفيلم، جيمس بلوميل، لم ينظر إلى الحرب بعيون أولئك الذين أمروا بها أو حتى عارضوها، ولكنه تناولها من خلال ذكريات المدنيين العاديين، والجنود، والصحافيين الذين عايشوها. وأطلَّ عليها من نافذة هؤلاء الذين لم يكونوا فاعلين في الحرب، بل كانوا توابع لها. ثم هم يتركون لنا الفرصة لنستخلص استنتاجاتنا الخاصة بأنفسنا.

حرب العراق بعيون شهودها

يقول سيمون جينكينز، مؤلف كتابَيْ «أنجزت المهمة» و«أزمة التدخل الدولي»: من خلال السرد الذي يعرضه الفيلم، نتعرف إلى وليد نصيف، وهو مراهق كان يعشق كل ما هو أمريكي، إلى درجة أنه كان من المهللين للغزو الأمريكي للعراق. كان هذا هو حاله حتى زار عائلة كانت تعيش في الصحراء، لكنها تعرضت للإبادة تمامًا بقصفٍ من ثلاث طائرات هليكوبتر مقاتلة مساندة للغزو. 

نرى في الفيلم جنودًا أمريكيين يقفون في حالة تأهب بينما ينهب اللصوص وسط المدينة بغداد ويمزقونها إربًا. ونسمع جنديًّا أمريكيًّا يقول إنه مكلف بحماية وزارة النفط فقط. 

وتطرق آذاننا كلمات أم قصي، وهي امرأة مسنة وقورة، رحبت برحيل صدام، ولكن كان عليها بعد ذلك مواجهة عواقب رحيله المروعة، المترتبة على صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وإمساكها بزمام الأمور. أما عصام الراوي فكان من المعجبين بصدام، وتوقع ألا يأتي من وراء وفاته إلا الشر، وكان على حق، بحسب الكاتب. 

يضيف كاتب المقال: مررنا صوب رقيب بحري، يُدعى رودي رييس، أخبرنا عن تدمير سيارة مليئة بالنساء والأطفال، وكان ذنبهم الوحيد أنهم عجزوا عن قراءة لوحة موضوعة عند حاجز على الطريق، فلم يتوقفوا. يحكي عن هذا الحادث وهو يحتسي شراب التكيلا قائلًا: «يجب أن يكون الأمر يستحق هذا العناء، وإلا ما البديل؟» 

«الحرب بين الشعوب»

هذا ما أطلق عليه الجنرال المتقاعد السير روبرت سميث «الحرب بين الشعوب»؛ وهو صراع سياسي مفتوح في المقام الأول، يجري في المدن، وليس في ساحات القتال. وتعج كل مكتبة عسكرية بتحذيرات من خطر هذه الحرب.

Embed from Getty Images

حين زار الكاتب بغداد بعد فترة وجيزة من الغزو لإجراء مقابلة مع محافظها بول بريمر، ذُهل من تفشي انعدام القانون في البلاد. وخارج المنطقة الخضراء المحصنة، لم تكن هناك شرطة. ولا غروَ أن نُهِبَت المحلات التجارية، ودُمر متحف بغداد، وأُفرغ من محتوياته. حتى الدبابات تحطمت في شوارع المدينة. 

أصيب الكاتب على الفور بخيبة أمل. ويتذكر الشاب أحمد البشير تلك الفترة قائلًا: «كان الأمل يملؤني في أن تكون هذه دولة جديدة». ولكن مع تصاعد شراسة الدمار، شعر البشير بـ«أن ذلك لن يحدث أبدًا، ولن يكون العراق آمنًا مرة أخرى مطلقًا».

تصرفات العصور الوسطى تعود مجددًا

يضيف الكاتب: لم يُسقط الغزاة ديكتاتورًا فقط، بل قصفوا المباني العامة ودمروها، وفق استراتيجية «الصدمة والرعب». وروعوا العائلات بعمليات التفتيش الليلية، حين يداهم الجنود غرف نوم النساء. وكان لا بد من عزل كل البعثيين، بدءًا من الشرطة إلى الجامعة، وهو ما يعني انهيار هيكل القيادة في المجتمع المدني. وهكذا عُوقب جميع العراقيين بسبب خطايا صدام. ومرة أخرى، كان الأمر أشبه بما جرى في العصور الوسطى.

يكمل الكاتب مقاله قائلًا: عندما سألت بريمر كيف يمكن أن يستعيد القانون والنظام بهذه الطريقة؟ لن أنسى حركة كتفيه، كناية عن أنه لا يعرف أو لا يكترث. كان يطيع أوامر تصدُر له من واشنطن الخاضعة لهيمنة مُنظريِّ الجناح اليميني. 

ويضيف: لقد تجاهلوا ما يعرفه أي طالب يدرس علوم الحرب: بالنسبة للضحايا، السلامة دائمًا ما تكون لها الأسبقية على الحرية، والحياة تتقدم على الحرية. إن غزو العراق لم يكن أسوأ ما فعلته أمريكا، لأن الفوضى كانت أسوأ بكثير. ففي غضون أشهر، أصبحت الفوضى هي الشرارة التي أشعلت جذوة التمرد.

بعد أفغانستان.. بوش يتوق لمزيد من الحروب

يرى الكاتب أن حرب 2003 كانت نسخة طبق الأصل للحملة الصليبية الرابعة، وهي مغامرة عسكرية متوحشة، سارت في الاتجاه الخاطئ وكانت نتيجتها مروعة. مستشهدًا بروايات متواترة تؤكد أن جورج دبليو بوش، بعد حربه في أفغانستان عام 2001، كان يتوق بشدة لخوض قتال آخر. 

وكان العثور على أسلحة الدمار الشامل و«جلب الحرية» للمواطنين ليست سوى أعذار يسوقها لتبرير أفعاله. وكانت الهدية هي إعلان بوش عن «إنجاز المهمة» في غضون أسابيع من الغزو. تلك كانت مهمته، أما العاقبة فكانت تكمن في المستقبل.

في مرحلة ما من الفيلم الوثائقي، يتذكر رجل وكالة المخابرات المركزية الذي استجوب صدام، جون نيكسون، تفاخر السجين بأنه حافظ على السلام بين الشيعة والسنة. وكان السلام، بالطبع، سلامًا وحشيًّا، حافظ عليه من خلال الخوف والوحشية، حسبما يستدرك الكاتب، لكنه قال أيضًا: «أما وقد جئتم الآن، سيصبح العراق ساحة صراع بين القوى التي تتطلع إلى غرس بذور الكراهية وإطلاق العنان للإرهاب». 

يعلق الكاتب: وهذا بالفعل ما حدث. فعندما سحب باراك أوباما أخيرًا القوات الأمريكية في عام 2011، انهار النظام الفاسد وغير الآمن. ثم صعد تنظيم الدولة (داعش)، لينفلت بذلك التمرد الأكثر شراسةً في العصر الحديث من عقاله.

والنظر بعين الحاضر إلى ما حدث بالأمس، دفع الكاتب إلى التنبيه على لعبة تبادل اللوم مع التاريخ، وهي ممارسة شائعة لا تعدو كونها ادعاءً للحكمة بأثر رجعيٍّ للتعويض عن غياب البصيرة التي تنير الطريق قبل فوات الأوان، وتنطوي على النظر إلى أحداث الماضي بالعدسة المُشَوَّهة لقيم الحاضر. 

يقتصر المخرج بلوميل على مقابلة الأشخاص الذين لا يمكن «تحميلهم اللوم» على نحو معقول. صحيحٌ أن كثيرين كانوا على دراية تامة بأنهم كانوا طرفًا في خطأ فادح، لكن اللوم كان أعلى من درجتهم الوظيفية. فالحرب تعطي رخصة للطاعة العمياء، أما الوطنية والولاء فينقلان المسؤولية إلى أعلى؛ فيتحمل الرئيس اللوم.

بريطانيا تشارك في الغزو لأسباب زائفة

يرى الكاتب أن بريطانيا لم يكن لديها سبب للمشاركة في هذه المهزلة، التي كان التشكيك العميق في جدواها منتشرًا حينئذ. وعلى الرغم من أن الحياد البريطاني لم يكن سيوقف بوش عن المضي قدمًا في هذا المسار، كان من شأنه أن يحرمه من الشرعية التي يمنحها العمل تحت مظلة «ائتلاف». 

أما عن الطرح الشائع الذي يتمثل في إلقاء اللوم على توني بلير، فيراه الكاتب ليس مقبولًًا. صحيح أن بلير كان قطعًا هو المحرك الأساسي، لكنه لم يصر على استخدام سلطته التقديرية، بل وافقت حكومته بأغلبية ساحقة على قراره، ومن استقال من الوزراء (اعتراضًا) كانوا ثلاثة فقط . 

Embed from Getty Images

ثم في شهر مارس (آذار) 2003، اجتمع البرلمان ووافق 412 نائبًا، من حزبي العمل والمحافظين، على الغزو. كانوا يعرفون أن الأسباب زائفة، وأن صدام لم يكن يمثل «تهديدًا وشيكًا» على بريطانيا، لكن غلبت عليهم مشاعر الحرب. 

وثبت أن السيطرة المفترضة للديمقراطية على السلطة التنفيذية لا قيمة لها. وكان العزاء الوحيد هو أن النواب تعلموا درسًا واحدًا؛ فعندما طلب رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الإذن بحرب غير واضحة مع سوريا عام 2013، رفض مجلس العموم رفضًا باتًا.

إن هذا الفيلم الوثائقي (والكتاب المرتبط به) يعيدان للأذهان مدى فداحة حرب العراق. فتحقيق حرية زائفة كلف ما يقدر بنحو ربع مليون عراقي حياتهم، كما زعزعت الحرب استقرار المنطقة، وساهمت بلا شك في انهيار النظام في سوريا. 

ولم تفعل الحرب شيئًا لوقف الإرهاب في بريطانيا أو أي مكان آخر، بل كان العكس هو الصحيح. أما بالنسبة للتكلفة المالية، فاستهلكت هذه المهزلة حوالي ثلاثة تريليونات دولار. وكانت تلك التريليونات تكفي لتمويل أعمال خير عميمة للعالم على نحوٍ يفوق الوصف.

يتابع الكاتب: خلاصة القول، إن حرب العراق تستحق أن تُصنَّف ضمن جرائم الحرب الكبرى والأكثر حماقة في عصرنا الحالي. ورغم أنني لست من أصحاب الطبع العقابيِّ، لكني لا أستسيغ أن تمر الأخطاء والأهوال الموضحة في هذا الفيلم الوثائقي بلا عقاب. 

يختم المقال بالقول: أما بالنسبة لأولئك الذين «كانوا يطيعون الأوامر فقط»، فيكفيهم من التحذير أن يسترجعوا حال أوروبا في ثلاثينيات القرن الماضي. إن الحرب مروعة بدرجة لا تُحتَمَل – ومغرية بدرجة لا يمكن لزعيم شعبوي مقاومتها – ويرجع ذلك إلى المخاطر المترتبة عليها وما تفرزه من دوافع للتهرب من التدقيق الديمقراطي. ونادرًا ما تؤتي ثمارها. وبعد مضي أكثر من 15 عامًا على الغزو، سيتعين على هذا الفيلم أداء هذه المهمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد