يتحول بعض الأكراد – على وجه الخصوص – إلى العقيدة التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وذلك بعد أن حارت عقولهم وثبطت عزائمهم جرّاء الانقسام العقائدي والعرقي الذي يشهده العراق.

تشهد واحدة من أقدم الديانات في العالم والأقل توزيعًا أيضًا، عملية إحياء لها في إقليم كردستان العراق الذي يتمتع بحكم شبه ذاتي. الديانة التي أسسها (زرادشت) تملك أصولًا كردية متجذرة، حيث ولد زرادشت في منطقة أكراد إيران منذ حوالي 3500 عام، والكتاب المقدس للديانة، والمسمى (الأبستاق) أو (الأفيستا)، كُتب باللغة القديمة التي اشتُقت منها اللغة الكردية فيما بعد.

ومع هذا فلا يتعدى عدد معتنقي تلك الديانة في القرن الحالي سوى 190000 زرادشتي حول العالم، فبعد أن أصبح الإسلام الديانة السائدة في المنطقة خلال القرن السابع ميلاديًا، لم يعد ثمّة وجود للديانة الزرادشتية. أو حتى هذه اللحظة على أقل تقدير.

ولأول مرة منذ أكثر من عشرة قرون، أحيا السكان المحليون بريف السليمانية احتفالًا قديمًا في الأول من شهر مايو، حيث وضع المحتفلون زُنارًا خاصًا يدل على استعدادهم لخدمة ذلك الدين والعمل على إقامة شعائره ومعتقداته. ويشبه ذلك المظهر في تلك الديانة عملية التعميد في الإيمان المسيحي.

وقال الزرادشتيون الجدد إنهم سوف يقيمون احتفالات مشابهة في أماكن أخرى بإقليم كردستان العراق، كما أنهم طلبوا تصريحًا لبناء ما يصل إلى اثني عشر معبدًا بالمنطقة التي تتمتع بحدودها الخاصة وكذلك قوتها العسكرية المنفصلة عن العراق، وأيضًا برلمانًا منفصلًا عن البرلمان العراقي.

كما يزور هؤلاء الدوائر الحكومية بإقليم كردستان طلبًا للاعتراف الرسمي بالديانة الزرادشتية. بل ويتعدى الأمر ذلك الحد؛ فلدى هؤلاء نشيدهم الرسمي، ويحضر الكثير من السكان المحليين بالإقليم المناسبات التي تتعلق بالديانة القديمة، وذلك استجابة للمنظمات الزرادشتية والصفحات التي تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

على الرغم من غياب أية إحصاءات رسمية عن عدد السكان المحليين الأكراد الذين تحولوا إلى تلك الديانة، فهناك الكثير من الجدل حول الأمر. ويعتقد هؤلاء الذين يدينون بتلك الديانة أنه كلما عَلِمَ أهل الإقليم أكثر عن الزرادشتية، سيزداد عدد معتنقيها. ويبدو أنهم يحاولون تسويق فكرة أن الزرادشتية تعتبر ديانة “كردية” أكثر من أية ديانة أخرى. وبكل تأكيد تبدو فكرة جاذبة لانتباه سكان إقليم كردستان الذين يهتم أكثرهم بهويتهم العرقية أكثر من اهتمامهم بالانقسام المذهبي والعقائدي الذي تشهده المنطقة.

يقول لقمان الحاج كريم، كبير ممثلي الديانة الزرادشتية ورئيس منظمة “الزند” الزرادشتية: “هذه الديانة سوف تستعيد التراث الثقافي والديني الحقيقي للأكراد”. ويرى الحاج كريم أن النظام العقائدي لديانته يبدو “كرديًا” أكثر من معظم العقائد أخرى. ويصر الرجل على أطروحته الفكرية قائلًا: “إحياء الزرادشتية يعد جزءًا من ثورة ثقافية ستعطي الناس  طرائق جديدة لاكتشاف السلام النفسي، والانسجام، والمحبة”.

وفي واقع الأمر، يؤمن الزرادشتيون أن قوى الخير والشر بالعالم في حالة صراع مستمر، ولهذا يظن الكثير من السكان المحليين أن إحياء تلك الديانة ذو صلة وثيقة بالأزمة الأمنية التي تتسبب فيها الجماعة المتطرفة المعروفة باسم (تنظيم الدولة)، بالإضافة إلى حالة الانقسام الطائفي والعرقي الذي تشهده العراق.

يقول مريوان نقشبندي، المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإقليم كردستان العراق: “إن أهل كردستان لم يعودوا يعرفون أي حركة إسلامية يتبعون، أو أي المذاهب والفتاوى عليهم أن يصدقوا”، حيث يرى أن الاهتمام بالزرادشتية من أعراض الاختلاف بين المذاهب والأفكار داخل الإسلام وكذلك عدم الاستقرار الديني في منطقة إقليم كردستان العراق، بل وبكل المناطق داخل البلد.

ويوضح نقشبندي قائلًا: “تبدو الشعارات التي يستخدمها الزرادشتيون أكثر وسطية وواقعية بالنسبة للكثير من الأكراد الذين يميلون أكثر إلى الأفكار الليبرالية أو الكردية القومية؛ فالكثير من الناس بالإقليم يشعرون بالسخط الشديد تجاه تنظيم الدولة والأفعال الوحشية التي يرتكبها”.

ويؤكد نقشبندي أن الوزارة ستعمل على مساعدة الزرادشتيين لتحقيق أهدافهم، فالحق في حرية العقيدة منصوص عليه في القانون الكردي، حيث يقول إن الزرادشتيين ينبغي أن يكون لهم تمثيل بمكاتب الوزارة.

أما الحاج كريم، الزعيم الزرادشتي، فليس لديه يقين عما إن كان تنظيم الدولة أو (داعش)، هو السبب وراء تغيير نظرة السكان المحليين تجاه الدين. ويوضح قائلًا: “الناس في إقليم كردستان يعانون من ذلك الانحدار الثقافي الذي يعوق أي تغيير، فليس من المنطق أن نربط الزرادشتية بجماعة داعش، فإننا ببساطة نشجع على طريقة جديدة للتفكير في كيفية العيش حياة أفضل، وهي الطريقة التي أخبرنا زرادشت أن نتبعها”.

وتُتداول المناقشات حول هذا الموضوع كثيرًا بمواقع التواصل الاجتماعي الكردية المحلية، ولعل الأكثر إلحاحًا من بين التساؤلات المطروحة، هو: هل سيتخلى الأكراد عن الإسلام تمامًا من أجل معتقدات أخرى؟

يجيب الحاج كريم بدوره قائلًا: “نحن لا نريد أن نكون بديلًا لأية ديانة، بل ببساطة نريد أن نكون استجابًة لاحتياجات المجتمع”.

وحتى إن لم يصرح بها الحاج كريم، فإنه يتضح للجميع أن الالتزام بتعاليم وعقيدة الديانة الزرادشتية يعني التخلي عن الإسلام. بِيْد أن حتى هؤلاء الذين يودون ارتداء ذلك الزُنار الزرادشتي على أجسادهم لا يزالون بعيدين كليًا عن تشويه أية عقيدة أخرى، ولعل هذا الأمر هو السبب الوحيد الذي يمنع رجال الدين الإسلامي والساسة المسلمين بالإقليم من التصريح بانتقاد الزرادشتيين علنًا.

ويقول حاجي كاروان، أحد السياسيين المحليين والعضو البرلماني عن الاتحاد الإسلامي في إقليم كردستان، إنه لا يعتقد على أي حال أن كثيرين قد تحولوا بالفعل إلى الرزرادشتية، كما يعتقد أن هؤلاء الذين يحاولون نشر الديانة نادرون ولا يظهرون كثيرًا. ويضيف البرلماني الكردي قائلًا: “ومع ذلك، الناس لديهم بكل تأكيد الحرية في اختيار العقيدة التي يريدون ممارستها، فالإسلام يقول لا إكراه في الدين”.

وعلى صعيد آخر، يعارض كاروان – بعيدًا عن الديانة الزرادشتية – فكرة أن هناك ديانة ذات طابع كردي على وجه التحديد؛ فالدين أُرسل إلى البشرية كلها وليس لأية جماعة عرقية وحدها.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد