مع اشتعال معركة الموصل لطرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، إثر سيطرة دامت قرابة العامين، ثارت مخاوف شديدة لدى العديد من الأطراف حول العالم من إمكانية وقوع مجزرة طائفية ترتكبها الميليشيات الشيعية بحق أهل المدينة السنة، لكن نور سماحة تسلط الضوء على جانب آخر للمعركة، جانب يتعاون فيه السنة والشيعة يدًا بيد في المعركة المصيرية، وذلك في مقال لها على مجلة فورين بوليسي الأمريكية.

تقول نور إنه في فجر 19 سبتمبر (أيلول) الماضي، كان مقاتلو لواء صلاح الدين في قمة الحماس. كانت معركة تحرير مدينتهم الموصل من قبضة الدولة الإسلامية على وشك أن تندلع.

يتحدث مقاتل شاب بحماس فيقول: «يقع منزلي على بعد دقائق معدودة من هنا. أردتُ أن أسبق الجميع وأدخل ليلة أمس، لكنهم منعوني. لقد تدربت بجد لهذه اللحظة الموعودة».

سادت أجواء احتفالية في المكان. كان المقاتلون يتراقصون على أنغام الموسيقى، وانشغل آخرون بالتقاط صور لأنفسهم وهم يحملون الأسلحة. لأول مرة سيشارك فصيل سني تابع لميليشيا الحشد الشعبي «الشيعية» في المعارك ضد تنظيم الدولة.

وعندما أقبل عناصر من فصيل جند الإمام الشيعي، حياهم عناصر لواء صلاح الدين بحفاوة. يقول مقاتل سني: «إنهم إخوتنا الذين خضنا معهم العديد من المعارك».

تشكَّل لواء صلاح الدين خصيصًا لهذه المعركة، وهو يتكون من ألف مقاتل يتزعمهم يزن الجبوري، وهم مسلحون بمختلف أنواع البنادق والمدافع، وبحوزتهم حوالي 400 مدرعة، بما فيها عربات هامفي الأمريكية.

تقدمت المدرعات ببطء عبر الكثبان الرملية صوب منطقة شرقاط، تقودها كاسحات الألغام. تلا ذلك عدة أيام من المعارك في الصحراء، وداخل المدينة. فجأة، تتقدم صوبهم سيارات مفخخة يقودها عناصر تنظيم الدولة، لتنقض عليها طائرات التحالف فتدمرها، فتغطي أعمدة الدخان سماء المنطقة.

وكلما تحررت إحدى المناطق، استقبل المقاتلون السنة النازحين بدموع الفرح والأحضان والقبلات. يلتقط رجل مسن سيجارة من أحد المقاتلين، ويقول: «كنتُ أتوق لهذه منذ عامين».

تصف عجوز حالها باكية: «لمدة عامين، كنت أموت في الداخل. بدا الأمر أشبه بكابوس، وبارك الله في الحشد الشعبي والجيش العراقي».

تقول نور إن شوارع منطقة شرقاط غصت بجثث عناصر تنظيم الدولة مقطوعة الرأس. كان مقاتلو اللواء قد توعدوا بالانتقام من عناصر التنظيم بأسلوبهم، فشوهدوا وهم يلتقطون «السيلفي» مع الرؤوس المقطوعة.

يمثل لواء صلاح الدين السني قوة لا يستهان بها، كما تقول نور. فبعد أن كان لا يزيد على بضع عشرات من المقاتلين، أصبح قوامه حوالي 3000 عنصر. وبات له حلفاء في الداخل والخارج، وحظي بغطاء سياسي من القوى الشيعية.

بات يزن الآن محط أنظار القوى التي تتنازع على كعكة العراق، حيث تأمل كل الأطراف أن يكون حليفهم السني المعتدل. وبالنسبة ليزن، فما معركة الموصل إلا بداية لعراق جديد سيحافظ فيه على مكانته هو وعشيرته بأي ثمن.

بدأ الأمر برمته في عام 2014، حين تلقى يزن، الذي كان يسكن في أربيل بكردستان العراق، اتصالًا من بغداد يطلب منه الحضور إليها للقاء قائد ميليشيا الحشد الشعبي، جمال جعفر إبراهيمي المعروف باسم أبي مهدي المهندس. يعتبر أبو مهدي النسخة العراقية من قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، وقد أدرجته الولايات المتحدة ضمن قائمتها للمنظمات والشخصيات الإرهابية بسبب دوره في زعزعة أمن العراق، وتورطه في تفجير السفارتين الأمريكية والفرنسية في الكويت في الثمانينيات. وقد شارك في قتال القوات الأمريكية في بداية الغزو الأمريكي للعراق.

يزن الجبوري، هو نجل مشعان الجبوري، الذي كان صديقًا لصدام ذات يوم وحشد له آلاف المقاتلين إبان الحرب مع إيران. لكن العلاقات توترت بين الصديقين، فطرد الأول الأخير إلى خارج البلاد، والذي حاول بدوره قتل صدام أكثر من مرة.

عاش يزن معظم حياته في سوريا، في أسرة ميسورة الحال. وهو من مؤيدي بشار الأسد، وكان صديقًا لأبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي. وقد وقف إلى جانب عائلة القذافي إبان الثورة الليبية.

عاد والده مشعان إلى العراق بعد الغزو الأمريكي. وانخرط في العملية السياسية في البلاد كعضو في البرلمان، وكان يعارض سياسة الاحتلال الأمريكي هناك. ثم أعلن صراحة تأييده للتمرد المسلح ضد القوات الأمريكية. وبعد أن أنهى يزن دراسته الجامعية في بريطانيا، عاد لينضم إلى صفوف المتمردين.

وبعد أن اضطر مشعان للفرار إلى سوريا إثر اتهامه باختلاس الملايين من الدولارات، ودعم المتمردين، قام بتقوية علاقاته مع الأكراد، وانتقل هو وابنه في نهاية المطاف للعيش في أربيل.

ثم لاحت ليزن الفرصة للعودة إلى المشهد بعد أن دعاه أبو مهدي للتعاون في 2014، لكنه توجس خيفة من الذهاب إلى بغداد في البداية لأنه قد صدر عليه حكم قضائي بالسجن 30 عامًا بدعوى دعم الإرهابيين. وقد حسم أمره في نهاية المطاف وقرر الذهاب للقاء أبي مهدي المهندس.

اجتمع أعداء الأمس على هدف واحد، تقول نور، وهو القضاء على الدولة الإسلامية. وكان يزن يعتقد أن قيادته العمليات ضد داعش ستقوي من وضعه السياسي، وستدعم وضع السنة في محافظة صلاح الدين.

التقى يزن بمجموعة من مساعدي أبي مهدي في بغداد. وقد صدموا حين أخبرهم أنه بوسعه حشد 100 مقاتل فقط. وقد حصل على إذن من قيادة الحشد الشعبي بالبدء في تشكيل أول فصيل سني ضمن صفوف الميليشيا الشيعية.

عاد يزن إلى أربيل لإقناع العشائر السنية بالانضمام إليه في المعركة ضد الدولة، لكنهم اتهموه بالجنون والحماقة لسعيه للتحالف مع ميليشيا شيعية متهمة بارتكاب جرائم في حق السنة. ورغم ذلك، فقد تمكن من حشد حوالي 60 إلى 70 مقاتلًا.

ولكن قبل أن يتفرغ يزن لتشكيل اللواء، قرر أن يبرئ ساحته من التهم التي يقول إنها سياسية، ومن تدبير رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي. وبعد أن حصل على ضمانات بإقامة محاكمة عادلة، توجه إلى بغداد ومثل أمام المحكمة، ودافع عن نفسه ووالده دون محامٍ، فقضت المحكمة ببراءتهما من كافة التهم المنسوبة إليهما.

لم تساهم الحكومة بشيء يذكر في تشكيل اللواء، فاضطر يزن إلى اللجوء إلى معارفه في الجيش والشرطة العراقية للحصول على السلاح، واشترى سيارات تويوتا مسروقة بسعر رخيص.

تنقل نور عن يزن قوله إن أولى المعارك التي خاضها المقاتلون الـ70 كانت في بيجي، وأن الجميع قد تساءل عن هوياتهم عندما ظهروا. أظهر مقاتلو اللواء شجاعةً في القتال رغم شح الإمكانات. وعندما سمع أبو مهدي بذلك، طلب مقابلة يزن.

يقول يزن: «دخلت عليه، وتحدثنا لثلاث ساعات. وقد أعجبنا بشخصية بعضنا البعض».

توطدت العلاقات بين الرجلين، فكانا يلتقيان بانتظام. أغدق أبو مهدي على لواء صلاح الدين بمختلف أنواع الأسلحة الآتية من إيران، وتشارك معه أكثر المعلومات الاستخبارية حساسية، بل وصل الأمر إلى حد اجتماعه بقاسم سليماني وكبار القادة الإيرانيين.

بلغ عدد المقاتلين السنة في صفوف الحشد حوالي 30000، موزعين على محافظات صلاح الدين ونينوى والأنبار وديالى. ولكن حدث انقسام في الحشد الشعبي، وفقًا ليزن، فأصبح جزء منه يتبع أبا مهدي ويخوض القتال ضد الدولة الإسلامية، والجزء الآخر يتبع رئيس الوزراء حيدر العبادي بشكل مباشر، ومهمته الدفاع عن المناطق المحررة، ويتشكل في معظمه من مقاتلين سنة.

ينظر بعض السنة إلى العبادي بوصفه شيعيًّا معتدلًا، بسبب موافقته على وجود قيادة منفصلة للمقاتلين السنة داخل الحشد، الذين رفضوا العمل تحت قيادة أشخاص يعتبرونهم عملاء لإيران. أما لواء صلاح الدين الذي يقوده يزن، فكان هو الاستثناء الوحيد.

صعد نجم يزن، وأصبح المستشار السياسي للحشد الشعبي. وقد عمل على تجنيد ذوي الخبرة العسكرية والاستخبارية من رجالات صدام ضمن اللواء. لكن أغلبية المقاتلين هم من الشباب الذين انضموا لاستعادة منازلهم التي سيطر عليها مقاتلو الدولة.

يسعى يزن إلى توظيف المقاتلين من مختلف الأطياف السنية حتى يثبت للعالم أن غالبية السنة يعارضون أفكار الدولة الإسلامية. كما يسعى للحصول على التأييد المحلي والإقليمي حتى يحظى بسلطة في محافظة صلاح الدين.

أثناء مرافقة نور ليزن على الطريق نحو شقرات، أشار بيده نحو حطام لأبنية مدمرة، وقال: «هذه بيجي». تعرضت المدينة للتدمير بشكل كامل أثناء المعارك بين تنظيم الدولة، والحشد الشعبي. ولم تسلم المدينة من عمليات السلب والنهب التي قامت بها عناصر الحشد بعد سيطرتهم عليها. يقول يزن إنه يأمل ألا يتكرر الأمر مع شقراط، ويشير إلى أن على مقاتلي الحشد أن يدركوا أن السنة ليسوا جميعًا داعش، أو صدام.

ولإثبات ذاته، طلب يزن خوض معركة شقراط بمفرده دون تدخل من الحشد الشعبي، أو وحدة مكافحة الإرهاب التابعة للجيش العراقي. لكنه استطاع تأمين مشاركة الأمريكيين بطائراتهم بعد أن وعدهم بعدم مشاركة أي طرف آخر من الحشد، وقد احتفل بذلك بشرب الفودكا التي يقوم بعض مقاتليه بتهريبها.

ورغم ذلك، فقد شارك العشرات من فصيل جند الإمام الشيعي في الهجوم. وقد تلقى لواء صلاح الدين بقيادة يزن دعمًا عسكريًّا ولوجستيًّا من الحشد الشعبي والجيش العراقي، شمل إمدادهم بخرائط للمنطقة، وطائرات استطلاع بدون طيار، وصواريخ كورنيت المضادة للدروع.

ترى نور أن موقف الولايات المتحدة صعب في العراق. فإذا ما أرادت أن توكل المعركة ضد تنظيم الدولة إلى طرف سني علماني، فلواء صلاح الدين مناسب لهذا الدور. لكن عليها أن تقبل بالعلاقة القوية التي تربط يزن بأبي مهدي، قائد الحشد الشعبي الذي تعتبره أمريكا إرهابّيًا. ولا يستطيع يزن فك ارتباطه بأبي مهدي لأنه الشخص الذي يدعم موقفه بين النخبة السياسية. وفي المقابل، سيظهر أبو مهدي بمظهر الرجل الذي ينبذ الطائفية، ويتعاون مع السنة لمصلحة العراق، وبذلك فهو يرد على الاتهامات التي طالت الحشد الشعبي بارتكاب جرائم في حق السنة.

ويعتقد يزن أن الولايات المتحدة أخطأت في دعم الإسلاميين عوضًا عن دعم العلمانيين السنة. ويدلل على ذلك بدعم أمريكا جماعات ترتبط بالقاعدة في سوريا. يقول يزن: «أنا أمثل التيار المعتدل، وهم في حاجة إليّ».

يتعرض يزن لاختبار صعب بسبب نزعة الانتقام التي تسيطر على بعض السكان السنة الذين تحرروا. تلقى أحد قادة اللواء اتصالًا هاتفيًّا من أحد قادة تنظيم الدولة، وقد أراد ذلك القائد تسليم نفسه مقابل عقد صفقة مع السلطات العراقية. لم يمانع يزن مثل هذا الأمر، قائلًا إنه ورفاقه ليسوا طلاب دماء، وإنما يريدون تحرير مدينتهم فقط.

لكن المشكلة هي أن بعض رجال العشائر ممن لهم أقارب انخرطوا في صفوف تنظيم الدولة يرون أنه يجب القضاء على كافة مقاتلي التنظيم؛ حتى يثبتوا أنهم يمقتون أفكار التنظيم. ويشعر يزن بالقلق من أن يشتت هذا النهج شمل البلدة أكثر مما هي عليه الآن.

تقول نور إن الحرب بالنسبة ليزن لن تضع أوزارها بتحرير الموصل، فهو يدرك تمام الإدراك أن من سيقضي على تنظيم الدولة سيكون له القول الفصل في مستقبل العراق. وهو يتوقع أن يتعمق الانقسام في البلاد بسبب المعارك السياسية حول هوية العراق، والتحالفات الإقليمية.

ويخشى العديدون في العراق من النزعة الطائفية التي تسود البلاد. وبينما تتشكل خريطة النفوذ السياسي في العراق، فإن يزن مصمم على ضمان موطأ قدم له ولمجتمعه بأي ثمن.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد