أعد الصحفيان في وكالة أسوشيتد برس للأنباء، قاسم عبد الزهرة، وسامية كُلاب، تقريرًا نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، عن تراجع الحركة الاحتجاجية داخل العراق، ومحاولة المتظاهرين الحفاظ على حالة الزخم التي كان حراكهم يحظى بها.

يبدأ الكاتبان التقرير من «إحدى المراكز الصاخبة لأكبر حركة احتجاجية مناهضة للحكومة في تاريخ العراق المعاصِر»، ويرصدان «تراجع عدد الحشود، وظهور صناديق التبرعات، فيما تتعالى مكبرات الصوت مطالبة النشطاء بالتبرع بالأموال؛ من أجل إبقاء ثورتهم، التي قامت بشق الأنفس، على قيد الحياة».

يقول الكاتبان: إن الحركة الاحتجاجية، التي اندلعت قبل ستة أشهر، تواجه انتكاسة تلو الأخرى، بدايةً من تبدل مواقف رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، مرورًا بلامبالاة الطبقة السياسية، والآن المخاوف من تفشي فيروس كورونا، الذي يصارع النظام الصحي العراقي المتدهور لاحتوائه، مع وجود ما لا يقل عن 110 حالة إصابة مؤكدة و10 وفيات.

عربي

منذ 4 شهور
مترجم: «أردت فقط أن أموت».. مشاهد من تعذيب الحكومة وأنصارها متظاهري العراق

انخفاض المعنويات

يصف الكاتبان المشهد في ساحة التحرير بالعاصمة بغداد، ويقولان: «إن الساحة التي كانت تشهد مشاركة الآلاف يوميًّا في الاحتجاجات، أصبحت لا يظهر فيها الآن سوى بضعة آلاف فقط من الأشخاص». يقول الكاتبان إن المعنويات انخفضت في أوساط الشباب العراقيين، الذين نزلوا للشوارع للمرة الأولى في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للتنديد بالفساد الحكومي المتفشي، وضعف الخدمات، والبطالة.

يتابع الكاتبان: «وجد المتظاهرون صعوبة في إحياء قوة حركتهم، التي تفتقر إلى قائد، بعد إحرازها انتصارات في وقت مبكر، مثل الضغط على نواب البرلمان لتمرير مشروع قانون رئيسي لإصلاح الانتخابات، وإجبار رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي على التنحي، كما ساهمت عمليات الاغتيال والاختطاف والتهديدات التي تستهدف متظاهرين ذائعي الصيت، في إضعاف الزخم».

Embed from Getty Images

هزة جديدة قد تعيد العراقيين إلى الشوارع

يرى الكاتبان أن الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق، والمرتبطة بجائحة (وباء منتشر عالميًّا) كورونا، واستمرار الخلل السياسي؛ قد يتمخض في نهاية المطاف عن هزة جديدة تدفع العراقيين للعودة إلى الشوارع، لكن الحركة الاحتجاجية تبحث الآن في الأخطاء التي حدثت. وتسببت صعوبات الأشهر الأخيرة، في تحول ركائز القوة بين المحتجين من العاصمة إلى جنوب البلاد، بينما يرى البعض أن تجاهل مسألة القيادة المركزية للحركة كان خطأً.

في ساحة التحرير، كانت مجموعة من الشباب تتشارك تدخين النرجيلة (الشيشة)، بينما كانوا يجلسون بجانب نفق مليء باللوحات الفنية المرسومة على الحائط، والتي تعبِّر عن ثورتهم. يقول الكاتبان إن هؤلاء الشباب جسدوا الروح التي جمعت الكثيرين أول مرة في ساحات العراق الرئيسية من أجل التظاهر.

حماسة الشباب تتحول إلى إحباط

وأجرى الكاتبان مقابلة مع ثلاثة من الشباب الذين شاركوا في الاحتجاجات، كشفوا خلالها عن الظروف الحياتية الصعبة التي دفعتهم للمشاركة، والحالة التي آلت إليها الحركة الاحتجاجية حاليًا.

Embed from Getty Images

مروان علي (23 عامًا)، والذي التحق بالجامعة لدراسة الاتصالات، ولكنه لم يستطع إيجاد عمل سوى العمل حلاقًا بعد التخرج. أما محمد عباس (19 عامًا) فلم يكلف نفسه عناء الالتحاق بالتعليم العالي، وبات مقتنعًا بأنه لن يستطيع الحصول على وظيفة؛ لذا أقدم في أكتوبر الماضي على رفع لافتة والانضمام للاحتجاجات.

وكان حسين الهند (22 عامًا) مراهقًا عندما لبى دعوة المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، لحمل السلاح وإلحاق الهزيمة بتنظيم الدولة (داعش)، داخل صفوف ما أصبح لاحقًا يُعرف بقوات الحشد الشعبي. لكن سرعان ما أصيب حسين بخيبة أمل؛ حين انضم أبطال الحرب ضد تنظيم الدولة الذين كانوا بصحبته، إلى الطبقة السياسية؛ بالترشح في الانتخابات التي جرت في مايو (أيار) عام 2018.

يقول الكاتبان إن هؤلاء الشباب عانوا من العنف الذي واجهته الحركة الاحتجاجية، وكشف حسين الهند عن إصابته برصاصتين خلال الاشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب، أما عباس فاعتقلته الشرطة لمدة ثلاثة أيام في وقت مبكر من المظاهرات، في حين تلقت عائلة علي رسائل تهديد من جماعات مجهولة.

يضيف الكاتبان أن مستقبل الحركة الاحتجاجية، التي قامت بشق الأنفس، يعتمد على قابلية هؤلاء الشباب للبقاء في الشوارع. وعندما تحول الحديث إلى الحالة الحالية للحركة الاحتجاجية، توقف مروان للحظة، وقال: «نحن محبطون». وبسؤاله عن سبب استمراره في المجيء إلى ساحة التحرير، قال مروان: «إن الأمر لم يعد متعلقًا بالوطن بعد الآن، نحن هنا من أجل دماء شهدائِنا». 

وسقط أكثر من 500 قتيل منذ أكتوبر الماضي بنيران قوات الأمن، التي استخدمت الذخيرة الحية، وقنابل الغاز المسيل للدموع، ومؤخرًا الرصاص المطاطي؛ لتفريق الحشود.

اشتباكات مستمرة

ينتقل الكاتبان لساحة الخلاني، التي ما تزال تستعر فيها اشتباكات بين مجموعة من المتظاهرين والأمن، أسفرت عن سقوط قتيلين من المتظاهرين على الأقل خلال الأسبوع الماضي.

Embed from Getty Images

ينوه الكاتبان عن أن الحركة الاحتجاجية تلقت ضربة في يناير ( كانون الثاني) الماضي بعد أن أعلن الزعيم الشيعي المتشدد مقتدى الصدر، الذي يترأس تيار الصدر، أكبر تيار شيعي في العراق، سحب دعمه للاحتجاجات، بعد أن اختارت النخب السياسية المرشح الذي كان يدعمه لمنصب رئيس الوزراء، محمد توفيق علاوي.

وقال نشطاء إن تغيير الصدر موقفه رسَّخ مناخًا من الخوف داخل الساحة؛ لأن رجال الميليشيات المرتبطين بجماعته، والذين كانوا يحمون مواقع الاحتجاج من قبل، أصبحوا يعمدون إلى ترهيب المتظاهرين الرافضين لدعم علاوي، الذي اعتذر عن تكليفه بتشكيل الحكومة منذ ذلك الحين.

أدوات في لعبة الصدر

ينقل الكاتبان عن كمال جبان، وهو أحد النشطاء، قوله: «لقد كنا أدوات في لعبة الصدر». يعلق الكاتبان قائلين: إن ذلك كان احتمالًا قال ناشطون إنهم يريدون تجنبه، عندما انضم أتباع الصدر للحركة الاحتجاجية للمرة الأولى. في أوائل شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثار غضب المحتجين من مسألة القيادة، وسارعوا للتقليل من مصداقية أولئك الذي يزعمون سلطتهم على المحتجين.

أيضًا، أزال محتجون منصات أنشأتها الأحزاب السياسية في ساحات الاحتجاجات؛ خوفًا من أن تلقى حركتهم الاحتجاجية مصير الحركات السابقة التي أخفقت، بعد استمالتها من جانب الأطراف السياسية الفاعلة.

ومنذ ثلاثة أشهر، عزا متظاهرون عرقلة حركتهم الاحتجاجية إلى غياب قيادة سياسية، الأمر الذي مكّن شخصيات مثل الصدر للقيام بما كانوا يخشونه. يقول «علي» عن ذلك: «لا يوجد شخص يمثلنا، ويضغط على الحكومة».

«الناصرية» وتحقيق مطالب المحتجين

يقول الكاتبان إن إعلان الصدر سحب دعمه للاحتجاجات، تسبب في تراجع مكانة ساحة التحرير بوصفها المركز الرئيسي للحركة؛ لذا بدأ الناشطون يتطلعون إلى ساحة الحبوبي بمدينة الناصرية، جنوب البلاد، لتلقي التعليمات. يوضح الكاتبان أن المحتجين في الناصرية صمدوا في مواجهة تسلل الأحزاب السياسية، الأمر الذي يرجع إلى الدعم الذي كانوا يحظون به من جانب القبائل المحلية.

Embed from Getty Images

وينقل الكاتبان عن علي مجددًا قوله: «إن ذلك أضعف الحركة، ولكن بعد فوات الأوان». موضحًا أن «أنصار الصدر أفسدوا ساحة التحرير. في البداية، كان المحتجون في الناصرية يستمعون إلينا، لكن الآن نحن من نستمع إليهم». ينوه الكاتبان إلى أن متظاهري الناصرية أعطوا النخب السياسية سقفًا زمنيًّا لإحراز تقدم فيما يتعلق بمطالب المحتجين؛ مما أدى إلى تصعيد المظاهرات في شتى أنحاء العراق.

في وقت لاحق، دفعت الدعوات التي انطلقت من المدينة الجنوبية المتظاهرين في بغداد إلى إغلاق طريق محمد القاسم الاستراتيجي السريع، وعندما رفعت ساحة الحبوبي صورة الناشط علاء الركابي، بصفته خيار المتظاهرين لشغل منصب رئيس الوزراء، فعلت ساحة التحرير الشيء نفسه.

الإرهاق أضعف نسبة المشاركة في الاحتجاجات

عزا متظاهرون انخفاض نسبة المشاركة مؤخرًا في الاحتجاجات، إلى الإرهاق الذي نال من المتظاهرين؛ بسبب بقائهم طيلة أشهر في الشوارع، الأمر الذي أثّر في انخفاض التبرعات لتقديم الغذاء والإمدادات، فضلًا عن انخفاض درجة الحرارة في فصل الشتاء.

وقال مرتضى عماد، وهو متظاهر وطالب جامعي بكلية التربية الأساسية بجامعة بابل: «كان متوقعًا ضعف المشاركة؛ لأن المتظاهرين الذين ظلوا في الشارع طيلة خمسة أشهر مرهقون، وينامون في البرد، وبعيدون عن أعمالهم وعائلاتهم وجامعاتهم». وأضاف عماد أنه ترك الكلية، لكن عائلته تضغط عليه للعودة.

بحلول فبراير (شباط) الماضي، تعرض المتظاهرون للتهميش، على وقع المشاحنات السياسية حول تشكيل حكومة علاوي، التي تجاهلت المطالب الرئيسية التي رفعها الشارع العراقي. انسحب علاوي من منصبه رئيسًا للوزراء مكلفًا في الأول من مارس (آذار) الجاري، بعد فشله في الحصول على أغلبية برلمانية لدعم حكومته.

يقول علي الجميلي (22 عامًا) إنه لم يفقد الأمل كليًّا. ويستطرد: «أجلس يوميًّا على الرصيف مع أصدقائي، وأبكي بسبب انخفاض المظاهرات. الثورة ستنبعث مرة أخرى بقوة أكبر في المستقبل».

عربي

منذ 5 شهور
مترجم: لهذه الأسباب من المتوقع أن تستمر احتجاجات العراقيين رغم العنف المضاد

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد