قالت الصحافية إيما جراهام هاريسون، إن ما تشهده تونس من توترات حاليًا يذكرنا بأحداث عام 2011، التي أدت إلى انفجار ما يسمى بالربيع العربي. وأوضحت هاريسون في تقرير لها في صحيفة «الجارديان» أن قرية بلطة التونسية لم تتسع بما يكفي لسكانها الذين أرادوا الاحتجاج. فاضطروا للخروج إلى الطريق السريع. يقول أحد شبابها «هذا المكان صغير جدًا ولن يشعر أحد باحتجاجاتنا».

قطع العشرات منهم مفترق طرق خارجيًا لساعات أواخر العام الماضي، ودعوا الحكومة إلى حل مشكلة البطالة والفساد المزمن والخدمات العامة المتعثرة التي تعصف بالقرية الخلابة.

ولكن يبدو أن هذه القرية الصغيرة مثلت شرارة موجة جديدة من الاحتجاجات – تشير هاريسون – فبعد بضعة أسابيع انتقلت الاحتجاجات إلى مدن أكبر في جميع أنحاء البلاد، تخللتها أحيانًا أعمال عنف. فقد قُتل شخص واحد، وألقي القبض على المئات.

«رجال الثورات المضادة» من اليمن إلى تونس.. جنود الإمارات لهزيمة الربيع العربي

كانت شرارة هذا الغضب قانونًا جديدًا يقضي برفع أسعار الأساسيات بما في ذلك الغذاء والوقود، فضلًا عن سنوات من الإحباط بسبب الإخفاقات الحكومية ونكث الوعود، ولا سيما الخاصة بإيجاد فرص عمل لمئات الآلاف من الشباب.

مرت سبع سنوات منذ اندلاع ثورة الياسمين وهروب الديكتاتور ابن علي واشتعال الربيع العربي ولم يحدث جديد – تضيف هاريسون – لذا عاد التونسيون إلى الشوارع مطالبين بالتغيير، لترد السلطات باستخدام القوة. إن ما يُنظر إليها على أنها التجربة الديمقراطية الناجحة الوحيدة في عام 2011 قد انزلقت مجددًا في منحدر الديكتاتورية. ومجددًا، كان العاطلون عن العمل، والشباب المحرومون هم حاملي راية الاحتجاجات.

ثمة أسباب كثيرة تدعو للقلق بشأن مستقبل تونس، بدءًا من نسبة البطالة الهائلة، والاقتصاد المترنح، وارتفاع التضخم، والانخفاض الشديد في سعر العملة، وصولًا إلى الفساد والهجمات الإرهابية التي أضرت بصناعة السياحة الحيوية.

بيد أن ريتشارد سينكوتا – الباحث في علم السكان من مركز ستيمسون – يرى أن هناك أيضًا أسبابًا تدعو إلى التفاؤل، أحدها هو أن عدد السكان ينمو ببطء.

قال سينكوتا: «إن العلاقة بين الديمقراطية الليبرالية والهيكل العمري للبلاد هي العلاقة الأكثر تعرضًا للاختبار». كان سينكوتا قد تنبأ في عام 2008، أي قبل ثلاث سنوات من سقوط ابن علي، بأن تصبح دول شمال أفريقيا ديمقراطيات مستقرة خلال عقد من الزمن، مع كون تونس المرشح الأوفر حظًا.

كان ابن علي وسلفه الحبيب بورقيبة قد شجعا النساء على التعليم والعمل – تضيف هاريسون – مما ساعد على تقليص عدد الأطفال في معظم الأسر. ونتيجة لذلك، ينمو عدد السكان في تونس ببطء، ويبلغ متوسط ​​الأعمار 30 عامًا تقريبًا. وهذا يتطابق مع ما شهدته بلدان مثل البرتغال وتايوان وشيلي في طريقها نحو الديمقراطية – توضح هاريسون – لذا فإن سينكوتا متفائل إلى حد ما من أن الدستور الجديد في تونس سيصمد حتى تنتهي الاضطرابات.

أضاف سينكوتا: «لا أحد قادر على التنبؤ بمستقبل تونس كديمقراطية. ومع ذلك، يراهن الديموغرافيون السياسيون على أن النظام الديمقراطي سيصمد، وحتى إذا حدث تعثر، فإن الحكومة التونسية ستبني سريعًا مجددًا مؤسساتها الديمقراطية. ومع ازدياد متوسط الأعمار، تواجه البلدان سنوات أقل من الصراع الأهلي. قد تحدث مظاهرات. وقد لا تحظى الحكومات بشعبية. ومع ذلك، فإن الحرب الأهلية غير شائعة إحصائيًا في البلدان التي يكون فيها متوسط ​​العمر أكثر من 26 عامًا».

مظاهرات أثلجت الإمارات.. قصة الاحتجاجات المشتعلة في تونس الآن

لكن المستقبل يبدو قاتمًا بالنسبة إلى بلدان الربيع العربي الأخرى – تواصل هاريسون كلامها. إذ كان ارتفاع نسبة الشباب في سوريا ومصر واليمن عاملًا رئيسيًا في الانتفاضات الشعبية التي هزت المنطقة. وارتفاع نسبة الشباب في هذه البلدان يشير إلى أن الاستقرار سيكون بعيد المنال عندما يتم الإطاحة بقادة الاستبداد. وهو ما حدث، فقد انزلقت اثنتان إلى الحرب، وعادت مصر إلى عهد الديكتاتورية.

وتؤكد هاريسون أن سنوات عدم الاستقرار قد تمتد في سوريا واليمن بسبب ارتفاع نسبة الشباب. وحتى مصر شهدت زيادة في المواليد بما قد يؤدي إلى زيادة عدد الشباب الغاضب.

إن عدد كبار السن في مصر أكبر من نظيره في البلدان الأخرى في الربيع العربي – تنوه هاريسون – حيث بلغ متوسط ​​العمر 26 عامًا فقط في عام 2010، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة. لكنها انزلقت في أحد أكثر الصراعات وحشية في المنطقة بعد الإطاحة بمعمر القذافي. كما أن الاستقرار لا يعني دائمًا الديمقراطية؛ فالنظام في الصين مثلًا قائم على حكم الحزب الواحد ويبدو أنه يستفيد من وجود عدد أقل من الشباب الباحثين عن التغيير.

بالرغم من ترك الإسلاميين الحُكم.. لماذا تواصل الإمارات التضييق على تونس؟

ولعل أكبر ما يتهدد الديمقراطية في تونس هو بطالة الشباب التي فجرت الثورة ولم تجد طريقها إلى الحل بعد. وترى هاريسون أن وضع حد للبطالة قد يحول تونس إلى منارة ليس فقط للاستقرار السياسي بل الأمل الاقتصادي.

ركز الغرب أثناء الثورة في تونس على ضرورة تغيير الحكومة. لكن الثورة رفعت ثلاثة شعارات، وهي الحرية والعمل والكرامة، وكل منها له نفس القدر من الأهمية بالنسبة إلى الشعب التونسي. يشعر الكثيرون أنهم لم يحصلوا على مرادهم. إذ يوجد الآن عدد كبير من العاطلين عن العمل الذين أنشؤوا اتحادهم غير التقليدي للضغط من أجل حقوقهم.

تشي الإحصاءات الرسمية بالعكس. لكن زعيم الخريجين، سالم العياري، يقدر أن نحو 900 ألف تونسي يبحثون عن عمل، نصفهم تقريبًا من الخريجين. وهذا ما يقرب من ضعف العدد الذي يبحث عن وظائف في عام 2011.

وقال العياري: «اشتعلت الثورة بسبب تردي الاقتصاد، ولم يهتم المسؤولون عن النظام بإصلاحه». وأعرب عن أمله في أن تدفع المظاهرات إلى التركيز بشدة على الإصلاحات الاقتصادية والسياسية. وعلى الرغم من تحسن الوضع سياسيًا – تقول هاريسون – إلا أن الاقتصاد تدهور. ويشعر الكثيرون في الطبقات الوسطى بأن أحوالهم ساءت عما كانت عليه في عهد ابن علي.

القوات المسلحة التونسية.. قصة جيش لا يسعى إلى السلطة!

فالفساد والروتين يعرقلان أولئك الذين يرغبون في إقامة مشاريعهم الخاصة، كما أن نظام التعليم لا يتناسب مع الاقتصاد، مما يستبعد الخريجين الذين يحلمون بوظائف في القطاع العام، بينما تبحث الشركات عن خريجي العلوم والتدريب المهني. لا تلتفت الحكومة إلى العديد من الشباب العاملين في القطاع العام – تشدد هاريسون – على الرغم من تخصيص نحو 80 ألف وظيفة مؤقتة في أعقاب ثورة 2011، حيث حاولت الحكومات الوفاء بوعودها تجاه الحشود التي أتت بها إلى السلطة.

بيد أنهم ما زالوا يتقاضون الحد الأدنى من الراتب، حيث يحصلون في أحسن الأحوال على ما يعادل 90 يورو في الشهر، مع عدم وجود عطلة أو إجازة مرضية وخوف دائم من الفصل. قضت كوثر، وهي أمينة مكتبة تبلغ من العمر 41 عامًا وأم لطفل يبلغ من العمر أربعة أشهر، الأشهر الأخيرة من حملها في شراء الفساتين الواسعة في محاولة يائسة لإخفاء حملها، لأنها لا تستطيع تحمل فقد وظيفتها وليس لها الحق في إجازة الأمومة. تعاطف معها رؤساؤها وتركوها تعمل. وقد أخذت إجازة غير مدفوعة الأجر لأسبوعين، لكنها اضطرت للعودة إلى العمل ولم تكن قد تعافت بعد.

أصبح الشباب الآن يجلس على المقاهي ويحلم بمشاريع يكاد يكون من المستحيل تمويلها. وكانوا يقضون وقتهم وهم يلعبون كرة القدم على ملعب في مدرسة متوسطة، حتى منعهم مدير المدرسة قائلًا إنه للطلاب فقط.

خرج العديد من الأبطال الرياضيين من رحم هذه القرية، مثل السباحين وأبطال التايكوندو، وكان من الممكن أن تصبح منطقة لجذب الاستثمارات الرياضية.

وتحتوي القرية بين جنباتها على بعض المعالم السياحية الهامة، مثل أقدم أشجار الزيتون في البلاد، الواقعة على تلة أسفل بقايا رومانية معروفة. ولكن بيت الضيافة المخطط لم يكتمل بناؤه. ولم يتم تجديد المرافق المخصصة للسياح. وتفتقر القرية إلى وجود مدارس أو مكتبات، حيث يضطر الطلاب إلى ركوب حافلة في السادسة صباحًا للوصول إلى مدرسة في قرية مجاورة.

ويقول أحد الطلاب الذين انضموا إلى الاحتجاجات: «كل يوم أتساءل لماذا أفعل هذا. الأمر لا يستحق العناء، خاصة عندما أرى جميع الخريجين العاطلين عن العمل يجلسون بلا عمل». وتؤكد هاريسون أن طول وقت الفراغ يترك الطلاب مصابين بالإحباط، وعرضة للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة التي وجدت موطئ قدم لها في أزمة تونس.

سمية الغنوشي: التونسيون متمسكون بثورتهم رغم الصعوبات

فأكبر عدد من المقاتلين الأجانب في صفوف داعش كان من تونس، وعلى الصعيد المحلي، أضر الإرهاب بالسياحة التونسية. فقد قتل العشرات على يد مسلحين في متحف باردو الشهير في العاصمة في مارس (آذار) من عام 2015، وبعد ثلاثة أشهر، قتل مهاجم آخر 38 من بينهم 30 بريطانيًا في منتجع شاطئي.

قال الناشط جمال الدين «إذا كان لديك وقت فراغ، فإنه من السهل أن تقع فريسة للإرهابيين». وإذا لم يقعوا فريسة للإرهابيين – تؤكد هاريسون – فإنهم يخوضون مغامرة الهجرة الخطرة عبر البحر الأبيض المتوسط ​​نحو أوروبا.

يقول قصي بن فريدي، المتحدث باسم حملة «فاش نستناو؟» أو «ماذا ننتظر؟» التي تقود الاحتجاجات، «هناك حالات انتحار، وكثير من الناس يموتون لأنهم يريدون عبور البحر بشكل غير قانوني». تسعى الحملة إلى تعبئة الشباب الذين يخشون فشل الثورة. وهم يشيرون إلى السجل السياسي للرئيس الباجي قائد السبسي، الذي كان رئيس البرلمان في عهد ابن علي.

وقال فريدي: «إن العقلية السياسية هي نفسها كما كانت عليه قبل عام 2011. لن نتسامح مع ذلك، لن نعود إلى الديكتاتورية. لقد فشلت المعارضة لأنها ضعيفة في البرلمان، وليس لدى الناس ثقة في الأحزاب. بل يثقون في الشباب». تهدف الحركة إلى مقاومة الفساد، وزيادة الاستثمار للشباب الذين يرغبون في بدء الأعمال التجارية، وزيادة الضرائب على الشركات والأغنياء، بدلًا من الفقراء. وقد حظيت أجندة الحملة بدعم واسع عبر الطيف السياسي.

كما يود نوفل جمالي، النائب ووزير العمل السابق، أن يرى حملة ضد التهرب الضريبي والقضاء على الفساد، لكنه يخشى أن الحكومة تفتقر إلى الشجاعة اللازمة للتغيير، رغم أنها تضم ​​حزب النهضة الإسلامي المعتدل. قال جمالي: «إننا نعاني من فقد الإرادة السياسية وانعدام الخبرة في مجال الاتصالات. ونعلم أن إصلاح البلاد يجب أن يتم عبر اتخاذ قرارات صعبة على عدد كبير من التونسيين ويجب أن نوضح ذلك للشعب».

«ميدل إيست آي»: ثورة تونس تصمد خلف واجهة من «النجاح»

شارك جمالي في الحكومة الانتقالية – تشير هاريسون – وأنشأ العديد من الوظائف الحكومية المؤقتة التي كانت شريان الحياة ومصدر الإحباط لأكثر من نصف عقد. وهو يعترف بأنها مشكلة، لكنه يقول إن البلد كان هشًّا جدًّا على التغيير الذي يحتاج إليه الآن.

تقول الحكومة إن الهدف من القانون الذي أثار الاحتجاجات الأخيرة هو الوفاء بمعايير الإصلاح التي وضعها صندوق النقد الدولي حتى يمكن الحصول على قرض هام، لكنه لا يعالج الكثير من المشكلات الأساسية. إن عواقب ذلك تتجلى في مصير الدول المحيطة. فقد ارتفعت نسبة التطرف، ويسعى الشباب اليائس إلى الهجرة بشكل غير قانوني إلى أوروبا. لذا يجب على الغرب أن يفعل المزيد للمساعدة، حتى لو كان ذلك لمصلحة ذاتية.

وقال جمالي: «إذا ضعُفت الطبقة الوسطى فستضعف الديمقراطية. إننا نواجه مشاكل اقتصادية عميقة هنا ويجب أن يكون لدى دول أوروبا والعالم الحر اقتناع عميق بأن الاستثمار في الديمقراطية الوليدة مهم جدًا ليس فقط للشعب التونسي بل للمنطقة والعالم كله».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s